الجنوب الليبي يقلق الدول الكبرى

جاء التصعيد العسكري الذي يشهده الجنوب الليبي ليزيد في إرباك المشهد السياسي في البلاد، ويدخلها في حلقة جديدة من الصراع المسلح، في وقت لم تحرز فيه العملية السياسية لحل الأزمة الليبية أي نقاط تقدم، رغم الإجماع الدولي على رفض الحل العسكري، والتمسك بالحل السياسي القائم على مرجعية اتفاق الصخيرات.

لمطالعة العدد 73 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

وفي السياق ذاته تطور القصف الذي استهدف قاعدة تمنهنت الأسبوع الماضي من قبل سلاح الجو التابع للقيادة العامة للجيش إلى اشتباكات عنيفة على الأرض بين قوات «اللواء 12» التابع للجيش، وما يعرف بالقوة الثالثة المحسوبة على حكومة الوفاق، ومعظم عناصرها ينتمون إلى مدينة مصراتة، وفيما أطلق الجيش على عملياته اسم «الرمال المتحركة»، أعلنت حكومة الوفاق في المقابل عملية «الأمل الموعود»، لتتحول المنطقة إلى ساحة حرب أثارت قلق وتخوف سكان الجنوب من مخاطر تداعيات هذه الحرب، لا سيما وأن المنطقة تعاني فلتاناً أمنياً، وتدهور الحالة المعيشية لسكانها، ما ينذر بتطورات درامية، بدأ المواطنون يدفعون ثمنها على مختلف المستويات، ابتداءً من سقوط قتلى الحرب من كلا الطرفين المتقاتلين، وسقوط القذائف قريباً من التجمعات السكانية، بينما سارعت أطراف محلية ودولية بالتحرك لدفع طرفي الحرب إلى وقف التصعيد، تفادياً لما سمته «نتائج كارثية».ورغم تبرير القيادة العامة للجيش عمليتها باستهداف «مجموعات إرهابية»، بينها تنظيم «القاعدة»، في المنطقة الممتدة من الجفرة حتى سبها، ورد فعل القوة الثالثة التي بررت من جهتها عمليتها العسكرية لصد القوة المهاجمة و«ملاحقة تنظيم داعش»، فإن الأسباب الحقيقية في رأي كثير من متابعي الشأن الليبي، لم تتضح، أما أهالي المنطقة فإنهم يرون فيما يحدث صراعاً من أجل السيطرة على الجنوب، ويذهب بعض المحللين إلى أن الهدف من عملية الجيش ربما السيطرة بالفعل على المنطقة، لكن سيكون ذلك منطلقاً نحو التقدم إلى الشمال باشتراك قوة الجيش المفترض أنها تتمركز في المنطقة الغربية من البلاد، ومن هناك يمكن تطويق العاصمة طرابلس، ومن ثم الدخول إليها، ويستبعد آخرون ذلك لعدم توفر القدرة العسكرية واللوجستية الكافية لدى الجيش، ويشخصون العملية على أنها محاولة لكسب مزيد من الأرض كورقة ضغط لأية مفاوضات محتملة على مائدة تقاسم السلطة في البلاد.

سفراء الدول الكبرى تدعو إلى تخفيف التصعيد في منطقة الجنوب الليبي والدخول في حوار سياسي شامل

وما يدفع إلى التقليل من شأن العمليات العسكرية الجارية في الجنوب، وعدم توقع امتدادها أكثر، هو الموقف الدولي الذي أجمع في عديد المناسبات على الرفض القاطع للحل العسكري وسيلة لإنهاء الأزمة الليبية، والتمسك في المقابل بالحل السياسي المبني على اتفاق الصخيرات، وما يمكن أن يتفق عليه بشأن تعديلات سبق أن تم تحديدها في الاجتماعات التي شهدتها العاصمة المصرية الأشهر الثلاثة الأخيرة، بحضور ممثلين لمختلف أطراف الأزمة.

وفي هذا الإطار دعا سفراء الدول الكبرى في بيان لهم (الولايات المتحدة، الصين، روسيا، فرنسا، وبريطانيا) إلى «تخفيف التصعيد في منطقة الجنوب الليبي، وتجنب الأعمال الاستفزازية والدخول في حوار سياسي شامل»، مؤكدين أن «هناك فرقًا بين الأعمال ضد التهديدات الإرهابية والأعمال التي يمكن أن تؤدي إلى مزيد من التدهور في أوضاع ليبيا».

وحسب ما جاء في البيان، فإن الأحداث الأخيرة في جنوب ليبيا، ومحيط قاعدة تمنهنت الجوية «تـنذر بخطر التصعيد إلى صراع مسلح جديد»، وأن هذه الدول مصممة على «دعم تطبيق الاتفاق السياسي الليبي لرفع المعاناة عن الليبيين، كما أعربوا عن قلقهم البالغ إزاء التهديد الإرهابي في ليبيا».

إلى ذلك وخلال مناقشتهم الأوضاع الراهنة في ليبيا، جدد وزراء خارجية الدول الصناعية السبع الكبرى، دعمهم المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني ومساعي تنفيذ الاتفاق السياسي باعتباره «الإطار الوحيد للتوصل إلى تسوية سياسية»، وأنه لا حلول عسكرية للأزمة في ليبيا».وأكدوا في بيانهم الختامي، الصادر عن اجتماعهم، الاثنين الماضي، في بلدة لوكا بمقاطعة توسكانا الإيطالية أن «الاتفاق السياسي هو الإطار الوحيد الذي يمكن من خلاله التوصل إلى حلول سياسية للأزمة. الحل ممكن فقط من خلال حوار سياسي شامل وتوافق وطني»، وحثوا أطراف الأزمة على «لعب دور فعال، وتقديم تنازلات بهدف التوصل إلى توافق سياسي شامل، والابتعاد عن أي أفعال من شأنها إشعال الصراع».

ولا يعرَف ما إذا كانت هذه المواقف ستتطور إلى فعل واقعي لوقف التصعيد العسكري وسد الطريق أمام خيار الحل العسكري، أم ستتكرر في شكل بيانات مماثلة، تخاطب كل الأطراف، ولعل تجدد التصعيد العسكري بعد أقل من 24 ساعة على صدور آخر بيان بالخصوص، وهو بيان السفراء، سيثير التساؤل حول المآل الذي يتجه إليه هذا التصعيد.

التفاصيل «ص3»
لمطالعة العدد 73 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

المزيد من بوابة الوسط