باحث أميركي: تقسيم ليبيا سيناريو كارثي يخلق نزاعات أكبر

قال رئيس شركة «استشارات مخاطر شمال أفريقيا» لدراسة المخاطر السياسية والأمنية في مجال النفط والغاز، جيف دي. بورتر، إن المقترح الذي قدمه مساعد الرئيس الأميركي للشؤون الخارجية سباستيان كورغا، حول تقسيم ليبيا إلى ثلاث مناطق، «غير واقعي ولا يمكن تنفيذه»، وقال إن الصراع في البلاد يتمحور بالأساس حول النفط، والتقسيم الذي اقترحه كورغا لا يراعي توزيع الثروات النفطية وبالتالي ينذر بخلق نزاعات جديدة بين الأقاليم الثلاثة.

ولخص بورتر أبعاد الأزمة في ليبيا، وقال إنها تتعلق بـ«انعدام حكم القانون وضعف الحكومة والذي أفشل العملية السياسية التي انطلقت عقب ثورة 2011، إلى جانب وجود قوى إقليمية تعمل بالوكالة علنًا وسرًا داخل ليبيا، لضمان الحصول على حليف غني بالنفط عند انتهاء الأزمة. فالصراع الليبي معقد ومتعدد الأطراف، وعلينا التعامل مع إرث عمره أربعة قرون تركه معمر القذافي، الذي عمد إلى طمس أي معالم لمؤسسات حكومية فعَّالة، وحرض الليبيين ضد أنفسهم».

بورتر: «الصراع الليبي معقد ومتعدد الأطراف، وعلينا التعامل مع إرث عمره اربع قرون تركه معمر القذافي»

وفي رده على اقتراح قدمه مساعد الرئيس الأميركي دونالد ترامب للسياسة الخارجية سيباستيان غوركا، كتب بورتر، في مقال نشرته مجلة «بوليتيكو» الأميركية، أن مسألة تقسيم ليبيا إلى ثلاثة ليست سهلة، فالفوضى الحالية لها أبعاد عدة، مع تعدد الجهات والمدن والأطراف التي تدعي الشرعية. وهناك أطراف أخرى لم تحدد موقفها بعد لكنها تنتظر لترى إلى أي طرف سيستقر الأمر. وجميع تلك الأطراف مسلحة تسليحًا جيدًا ولديها قوات مدفعية وأسلحة ثقيلة وقوات جوية. هذا إلى جانب خطر تنظيم (داعش)، فرغم طرده أخيرًا من مدينة سرت الساحلية، إلا أن كثيرًا من مقاتليه الذين فروا إلى خارج المدينة لهم علاقات مع خلايا نائمة منتشرة في مدن أخرى.

ودفع بورتر بخطأ نظرية غوركا في تقسيم الدولة إلى الثلاثة الأقاليم التاريخية، طرابلس وفزان وبرقة، وقال إنه تقسيم تاريخي عمره 600 عام فرضته الإمبراطورية العثمانية، لا يتماشى مع توزيع الثروات النفطية على الأرض، فمعظم الثروة النفطية توجد في الشرق، في إقليم برقة، ويوجد بنسبة أقل في فزان وطرابلس. وتعتمد الدولة الليبية بشكل كامل على العائدات النفطية لتوفير احتياجاتها اليومية من الغذاء والمياه والرواتب والخدمات العامة، «دون عائدات النفط، لا توجد ليبيا».

فإعادة ترسيم الحدود العثمانية، وفق الكاتب، يعني تراجع عائدات إقليم طرابلس المالية نحو ثلثين، ويعني أن إقليم فزان لن يملك إمكانية الوصول إلى موانئ التصدير، وسيكون عليه دفع ضرائب ورسوم إلى طرابلس للمرور إلى الموانئ وبيع النفط الخاص بها.

ورأى بورتر أن الصراع الليبي يتمحور في الأساس حول النفط والعائدات النفطية، وظهر ذلك جليًا عندما سيطرت قوات «سرايا الدفاع عن بنغازي» على الموانئ النفطية الرئيسة في منطقة الهلال النفطي، من قوات الجيش الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر التابع للحكومة الموقتة في طبرق.

«إعادة ترسيم الحدود العثمانية يعني تراجع عائدات طرابلس المالية بنحو ثلثين، ويعني أن إقليم فزان لن يملك إمكانية الوصول إلى موانئ التصدير»

وفي طرابلس، قال الكاتب إن «الحكومة أيضًا تسعى للسيطرة على عائدات النفط، وحرمان الحكومة الموقتة في الشرق من الحصول على جزء من تلك العائدات». وفي الجنوب، تستعمل مجموعات مسلحة الثروة النفطية للضغط، وتقوم بإغلاق خطوط نقل الخام التي تغذي الحقول الرئيسة بالجنوب لحرمان الحكومة في طرابلس من الحصول على العائدات المالية مقابل تنفيذ مطالبهم.

وخلافًا للنفط، هناك صراع آخر يشتعل في ليبيا، وفق الكاتب، بين مجموعات إسلامية، تحاول تعزيز مكاسبها التي حصلت عليها عقب إطاحة معمر القذافي العام 2011، وبقايا النظام السياسي السابق يحاولون أيضًا الفوز بمكاسب سياسية. هذا إلى جانب مجموعات مثل تنظيم «داعش» و«أنصار الشريعة» و«القاعدة».

وتابع بورتر: «كل تلك المجموعات لا يمكن حصرها في إطار الحدود التي وضعتها الإمبراطورية العثمانية قديمًا. فأي منطقة سيتم تخصيصها للإسلاميين، وأي منطقة ستكون لرجال معمر القذافي».

وقال الكاتب، موجهًا كلامه لمساعد الرئاسي الأميركي: «رغم كل هذا، ما زالت تعتقد أن إنشاء ثلاث دول جديدة فكرة جيدة. لكن عليك النظر حولك لتعلم أن سيناريوهات مماثلة جاءت كارثية، خاصة عندما يتعلق الصراع بالنفط». وضرب الكاتب مثالاً بجنوب السودان، التي قاتلت 20 عامًا لنيل استقلالها من السودان، وهي الآن غارقة في حرب أهلية داخلية.

ويسعى كورغا لنيل منصب المبعوث الرئاسي الخاص إلى ليبيا، لكن حتى الآن ما زال البيت الأبيض مترددًا حيال هذا المنصب برمته، وفق الجريدة.

المزيد من بوابة الوسط