نيران الأسعار تهدد استقرار الأسرة.. والحكومة «خارج الخدمة»

اشتعلت أسعار المواد الغذائية فخيمت على الأسواق حالة من الركود رافقتها مخاوف من استمرار الأزمة، لا سيما مع اقتراب شهر رمضان. وفيما أرجع البعض ارتفاع الأسعار إلى جشع وطمع التجار، ورغبتهم في تحقيق هامش ربح أعلى، رأى فريق آخر أن تدني الرواتب ونقص السيولة هما السبب الرئيس في عجز المواطنين عن شراء احتياجاتهم. بينما ألقى فريق ثالث بالمسؤولية على الحكومة والجهات الرقابية، التي ربما تقف عاجزة عن التعاطي مع الأزمة، وتوفير السبل الكفيلة لحلها، خاصة بعد انعكاس تبعاتها على الحياة الاجتماعية، وما تمخض عنها من ارتفاع في نسبة الطلاق بسبب انعدام قدرة رب الأسرة عن توفير نفقات الحياة الأسرية.

لمطالعة العدد 72 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

وفي محاولة لرصد واقع الأسواق والوقوف على أبعاد الأزمة من مختلف الزوايا، التقت «الوسط» كامل أطرافها. وفي استعراض للأزمة من داخل الأسرة الليبية، يقول وليد مارينا، رب أسرة ويعمل معلمًا، إنه يتقاضى راتبًا شهريًا لا يتجاوز 820 دينارًا، وفي حين لا يستطيع تحصيل المبلغ كاملاً بشكل منتظم، نظرًا لندرة السيولة في المصارف، بات عاجزًا عن تلبية مطالب أسرته التي تتكون من 6 أفراد.

هجوم سرايا الدفاع
وأضاف: «الأكثر من ذلك هو أن أسعار البضائع القادمة من المناطق الغربية تضاعفت إلى حد كبير، خصوصًا بعد الهجوم الذي شنته ما يعرف بـ«سرايا الدفاع عن بنغازي» على منطقة الهلال النفطي، فـ«حفاضات الأطفال»، التي تُستورد من تونس وصل سعرها إلى 25 دينارًا إن توفرت في الأسواق، بعد أن كان سعرها بـ18 دينارًا قبل الهجوم على الهلال النفطي. أما زبادي «النسيم» الذي يُصنَّع في مصراتة فكان سعره نصف دينار، واختفى تمامًا من الأسواق، ولا يوجد بديل له إلا المستورد، الذي وصل سعره إلى دينارين».

«حفاضات» الأطفال بـ25 والزبادي بـ2 والبيض بـ13 والطماطم بـ3 وكيلو الدجاج قفز إلى 18 دينارًا

واستكمالاً لواقع الحال العصيب أوضح وليد مارينا أن مدينة أجدابيا ومناطق الصراع في الهلال النفطي تأثرت أكثر من غيرها بارتفاع الأسعار، فالخبز الذي اقتصرت أسعاره في وقت سابق على دينار لكل 20 رغيفًا، أصبح الثمانية أرغفة بدينار، أما أسعار الدجاج فقفز سعر الكيلو غرام من 10 و12 دينارًا إلى 18 دينارًا.

عبود الأمين، وهو طالب دراسات عليا في جامعة أجدابيا، يرى أن جشع التجار ورغبتهم في تحقيق أرباح مالية عالية على حساب المستهلك، هو السبب الرئيس في زيادة الأسعار، وأضاف: «التجار يحتكرون السلع للتحكم في زيادة أسعارها نتيجة قلة المعروض في الأسواق، وأمام ذلك لا يجد المستهلك مخرجًا لتلبية احتياجاته إلا بدفع تلك الزيادة، وهو الأمر الذي يوفر للتجار نسبة ربحية عالية، لاسيما في ظل غياب الرقابة التي من المفترض أن تضبط السوق وتضع حدًا للمتحكمين فيه ضد المستهلك».

مبررات لتبرئة الذات
إذ ألقى البعض مسؤولية ارتفاع الأسعار على التجار، فتؤكد تلك الشريحة أنها مجني عليه وليس جانيًا، وتسوق عديد المبررات لتبرئة نفسها، فرضا الذباح وهو بائع خضراوات في سوق العامة يبدي تذمره من ارتفاع الأسعار وضعف القوة الشرائية للعملة الليبية أمام الدولار، مشيرًا إلى أن سعر الدولار أضحى يقارب 7 دينارات، وهو ما انعكس بشكل مباشر على أسعار السلع، فسعر كيلو الطماطم الذي يستورد من مصر وصل إلى 3 دنانير، بينما بلغ سعر طبق البيض إلى 13 دينارًا، وأصبح سعر كليو الفلفل 8 دنانير. وأضاف الذباح: «تلك الأزمة تلقي بظلالها على واقع السوق لكنها مرشحة للزيادة لاسيما مع اقتراب شهر رمضان، فالمعطيات تؤكد أن الإقبال على الشراء سيقل عن الوقت الراهن، وبالتالي ستتقلص نسبة المعروض من البضائع مما يؤثر علينا كتجار وعلى القوة الشرائية بشكل عام».

لظاهرة الغلاء كثير الآثار التي تلقي بظلالها على الأسرة، ومن أهمها ارتفاع معدل حالات الطلاق

وبعيدًا عن تباين الآراء حول المتسبب في الأزمة، تظل تبعاتها حاضرة بقوة لدى الأسرة الليبية ووصل تفاقمها إلى تعدد حالات الطلاق، إذ تؤكد الاستشارية الأسرية والاجتماعية سعاد الزوى أن ارتفاع الأسعار يهدد الحياة الأسرية، وحذرت من التهديدات التي تجابه استقرارها، وأضافت: «لظاهرة الغلاء كثير الآثار التي تلقي بظلالها على الأسرة، ومن أهمها ارتفاع معدل حالات الطلاق بسبب انعدام قدرة رب الأسرة على الإنفاق، فالدخل أصبح لا يكفي متطلبات الحياة اليومية». وتكشف أن كثير المشكلات بين الأزواج تحدث بسبب الغلاء، كأن يتبادل الزوجان الاتهامات حول انعدام القدرة على التناغم مع حالة الواقع العصيب واتهامات أخرى بالإسراف والتبذير، فضلًا عن بعض الزوجات اللاتي يتهمن أزواجهن بالتقاعس والعزوف عن الجهد الكافي لتحصيل الرزق.

وتشير الزوي إلى أنه عندما تتفاقم مشكلة ارتفاع الأسعار، تصبح الأسرة عاجزة عن توفير الاحتياجات التي كانت تحصلها في السابق، فمثلًا إذا مرض أحد أفراد الأسرة لا تستطيع الاهتمام به صحيًا، بسبب ارتفاع تكلفة الفاتورة الصحية. وتلفت الاستشارية الأسرية والاجتماعية إلى النتائج الخطرة التي قد تنتج عن تكدس أفراد الأسر الكبيرة في منزل واحد.

مسؤولية الحكومة على المحك
وعند البحث عن الحل تقف مسؤولية الحكومة حيال الأزمة على المحك، إذ يرى الأكاديمي محمد عمر، وهو عضو هيئة تدريس بجامعة بنغازي أن مسؤولية الحد من ارتفاع الأسعار تقع على كاهل الحكومة، مؤكدًا أن ضعف الحكومة الحالية وانعدام القدرة على تحديد هوية الاقتصاد الليبي في الوقت الراهن، وما ينطوي عليه في المقابل من تغييب لوضع السياسات الاقتصادية اللازمة للتعامل مع تلك الأزمة، وهو ما يجعل ارتفاع الأسعار المخيف نتيجة حتمية.

ويستعرض الأكاديمي عمر الأزمة بمنظور علمي، مشيرًا إلى وجود عديد السياسات الاقتصادية المتنوعة، التي تقوم بها الدول والحكومات للحد من ارتفاع الأسعار، وعلى سبيل المثال تحرص الدول الاشتراكية في التعاطي مع تلك الأزمة على تنفيذ سياسات تستهدف إعطاء الدولة ممثلة في الحكومة بأجهزتها الرقابية الدور الأكبر للتدخل في سياسات السوق، والقيام بعملية ضبط الأسعار، وذلك عبر تحديد قائمة الأسعار الخاصة بالسلع أو الخدمات، وخصوصًا مجموعة السلع الأساسية الهامة للمواطنين، كما أنها تعمل على توفير منظومة خاصة بالأمان الاجتماعي تهدف إلى توفير الحماية للمواطنين ذوي الدخول المتدنية أو الضعيفة، وذلك للحد من تأثير زيادة وارتفاع الأسعار على حياتهم وسبل معيشتهم الخاصة.

سياسة العرض والطلب
أما سياسات الدول الرأسمالية في التعامل مع الأزمة فتنحصر وفقًا للأكاديمي محمد عمر في تطبيق السياسات الرأسمالية، والتي تقوم في أساسها على ترك السوق على حالته، بمعنى أنه يظل خاضعًا لسياسة العرض والطلب، وأن المتحكم الأوحد في الأسعار هو نسبة الإقبال والنشاط التجاري في السوق. وبين هذه السياسات يؤكد عمر: «أن غياب سلطة الحكومة هو المسؤول عن موجة الغلاء الأخيرة، وأن السلطات الحالية هي المسؤول بدرجة أكبر عن شدة التأثر بالغلاء، وأنها هي أصل الداء بل هي الداء نفسه، كما أنها المسؤولة عن توفير الحلول لكنها لبالغ الأسف ليست لديها القدرة على إيجاد حلول جذرية».

البلدية اجتمعت مع الحرس البلدي وقطاع الاقتصاد، والجهات المختصة للقضاء على ارتفاع الأسعار

في المقابل أكد وكيل بلدية أجدابيا عطية مجيد الكاسح أنهم يعملون على الحد من ارتفاع الأسعار، وأن البلدية اجتمعت مع الحرس البلدي وقطاع الاقتصاد، والجهات المختصة للقضاء على تلك الظاهرة، لاسيما أن أجدابيا تحوي عددًا من مهجري المدن التي اشتعلت فيها المعارك خلال الآونة الأخيرة. وأضاف الكاسح: «نعكف في الوقت الراهن على تفعيل صندوق موازنة الأسعار قبل قدوم شهر رمضان».

في الوقت ذاته باءت محاولات «الوسط» بالفشل عند التواصل مع نواب مدينة أجدابيا، واستنطاق آرائهم حيال الأزمة، إذ انقطع النواب من دون أسباب واضحة عن التواصل مع الإعلام والصحافة، سواء في مدينة أجدابيا أو غيرها من المدن، لدرجة أن الإعلام بات مغيبًا عن حضور هؤلاء النواب أو غيابهم عن جلسات البرلمان، وهو الأمر الذي انسحب على أهالي المدينة الذين ابتعد النواب عنهم، وقطعوا خطوط الاتصال بهم.

لمطالعة العدد 72 من جريدة «الوسط» اضغط هنا