الجنوب الليبي.. باب الفوضى وبوابة الحل

رأت دراسة حديثة أن منطقة جنوب ليبيا تعاني انعدام الاستقرار المستوطن، مشيرة إلى مجموعة من العوامل التي تجعلها بحاجة لتعامل خاص، يضمن مدها بالخدمات وتشكيل قوة أمنية محلية وإشراك أبنائها في عملية إعادة البناء الوطني.

ولخصت الدراسة مشاكل الجنوب الرئيسية في أنها «ترزح تحت وطأة النزاعات الأهلية ونقص الخدمات الأساسية، وتفشي التهريب وانقسام المؤسسات أو انهيارها».

مصادر انعدام الأمن في الجنوب
وقال الباحث الرئيسي بـ«مركز كارينغي للشرق الأوسط»، فيردريك ويري، في دراسته التي حملت عنوان «فقدان الأمن وتحديات الحكم في جنوب ليبيا» إنه «لطالما ظلت هذه المنطقة على هامش الحياة السياسية في ليبيا والمشاغل الدولية، لكن لابد من أن يتغير ذلك»، وأوضح أن «فراغ الحكم في الجنوب، بصورة مطردة، أدى إلى استقطاب أفرقاء سياسيين من شمال ليبيا ودول خارجية، بينما يمارس المتطرفون الذين يبحثون عن ملاذ في الجنوب من جهة، والمهاجرون الذين يجري تهريبهم عبر المنطقة من جهة أخرى، تأثيرا مباشرا على الأمن في ليبيا، وفي الدول المجاورة مثل تونس ».

وعددت الدراسة مصادر انعدام الأمن في الجنوب فقالت إن «المحرك الأساسي هو انهيار المؤسسات والمواثيق الاجتماعية الهشة أساسا إبان ثورة 2011، والأهم من ذلك التوزيع غير المنصف للموارد الاقتصادية»، وذكرت الدراسة أن «اندلاع الاقتتال بين قبائل العرب والتبو والطوارق في الجنوب يمكن أن يعزى إلى حد كبير إلى التنافس على التدفقات الاقتصادية الثابتة المستمدة من مسالك التهريب والوصول إلى حقول النفط»، فيما يشكل «التدخل من الأفرقاء السياسيين في الشمال أحد العوامل المؤججة لفقدان الأمن».

التطرف يبقى تحديا لكن لا يجب تضخيمه إذ لم تتمكن مجموعات إرهابية من انتزاع موطئ قدم لها في البلدات الجنوبية

وذهبت الدراسة إلى أن «التطرف يبقى تحديا في الجنوب، لكن لا يجب تضخيمه إذ لم تتمكن مجموعات إرهابية على غرار تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وما يسمى الدولة الإسلامية، من انتزاع موطئ قدم راسخ لها في البلدات الجنوبية، لكنها استغلت غياب الحكم في الجنوب للحصول على اللوجستيات وتنفيذ تدريبات».

لمطالعة العدد 72 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

وقالت الدراسة "لطالما اعتبر جنوب ليبيا منطقة يشوبها الغياب المستوطن للأمن والانقطاع والانفصال عن الشؤون السياسية في الشمال، غير أن الاضطرابات في هذه المنطقة الآن تتمدد بصورة مطردة في مختلف أنحاء البلاد، وصولا إلى الدول المجاورة الواقعة شمال ليبيا، مثل تونس وإلى شواطئ أوروبا الجنوبية».

وأضافت «يتحول جنوب ليبيا إلى مسرح جديد للنزاع الوطني بين القوى المتحالفة مع خليفة حفتر، وبين المجموعات المسلحة المدعومة من مدينة مصراتة الساحلية وفصائل في الغرب. فضلا عن ذلك تشكل هذه المنطقة محطة أساسية لشبكات تهريب المهاجرين متعددي الأوطان شمالا باتجاه أوروبا، لذلك أي محاولة تبذلها القوى الأوروبية لوقف أزمة المهاجرين عند الشواطئ الليبية سيكون مصيرها الفشل إذا لم تعالج شؤون الأمن والحكم في جنوب ليبيا. أخيرا استغل المتطرفون المنتمون إلى تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وما يسمى الدولة الإسلامية الفوضى المتعاظمة في ظل غياب القانون، من أجل تطوير لوجستياتهم وإنشاء ملاذات آمنة، علما بأن اختراقهم الفعلي للمجتمع الجنوبي أكثر محدودية مما يعتقد عادة.

«منذ اندلاع الثورة في 2011 ضد القذافي، تأثر الجنوب بالمسائل الأمنية في أماكن أخرى في البلاد

ووفق ويري الذي تركز أبحاثه على الإصلاح السياسي والقضايا الأمنية في دول الخليج وليبيا والسياسة الأميركية في الشرق الأوسط عموما، فإنه «منذ اندلاع الثورة في العام 2011 ضد الديكتاتور الليبي معمر القذافي، تأثر الجنوب بالمسائل الأمنية في أماكن أخرى في البلاد، مما ضاعف المشاكل التي تعاني منها هذه المنطقة حصرا».

وبقوله فإن «أبرز التحديات الأكثر إلحاحا التي يواجهها الجنوب، تتمثل في ضحالة المصادر التي تؤمن إيرادات محلية فضلا عن الضعف المؤسسي، ولاسيما في القطاع الأمني وفي إدارة البلديات. تضاف إلى ذلك صراعات الهوية وأصالة الانتماء والجنسية، وتشمل الإرث الذي خلفته سياسات فرق تسد التي اعتمدها القذافي، وتفضيله الأشخاص المنتمين إلى بعض القواعد القبلية لتجنيدهم في أجهزته الأمنية. وتسبب النزاع السياسي الوطني والتدخل من كل من أفرقاء ليبيين خارج الجنوب كما من أفرقاء ينتمون إلى بلدان مختلفة خارج ليبيا، باشتداد التنافس المتمحور حول الإثنية والقبلية للسيطرة على حقول نفطية وطرقات التهريب والحدود».

التبو والطوارق
حسب الدراسة تشكل الهويات المتنازعة عاملا رئيسا لانعدام الأمن في الجنوب الليبي، وبقول ويري فإن «الاستياء من عدم المساواة في الحصول على حقوق الجنسية هو أحد عوامل الضغط الأشد وطأة التي تسهم في غياب الأمن في الجنوب. ويعود ذلك في جزء كبير منه إلى التلاعب الوقح الذي مارسه معمر القذافي في مسألة الجنسية، بهدف ضمان ولاء أبناء القبائل في الجنوب».

ويضيف «تأتى السخط على مستوى أوسع نطاقا من التهميش المنهجي لجماعتين كبيرتين غير عربيتين في الجنوب، هما التبو والطوارق، اللتين قطع لهما الديكتاتور الليبي، مع التركيز في شكل خاص على الطوارق، وعدا بالحصول على حقوق الجنسية كاملة، في مقابل الالتحاق بالأجهزة الأمنية التابعة له، غير أن هذه الوعود لما تتحقق قط، وقد كان الإرث الذي خلفته مقرونا بالتنافس الاقتصادي والانهيار المؤسسي من المسببات الأساسية للصراع في مرحلة ما بعد 2011».

لمطالعة العدد 72 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

وترى الدراسة أنه «لم يكن مفاجئا قط أن تكون التبو قد التحقت بانتفاضة 2011، وعاد قادتها المعارضون إلى ليبيا من المنفى. أرسل القذافي مبعوثين لإغرائهم بالمال والسلاح ومجددا الوعود بمنحهم الجنسية، غير أن هذه المحاولات باءت بالفشل. فقد انضم عناصر التبو الذين انشقوا عن الجيش إلى نظرائهم من قبيلة الزوية، ووضعوا العداء المتبادل بينهم جانبا لبعض الوقت. زودتهم الحكومة السودانية المجاورة بالأسلحة، حتى إنها أرسلت جنودا انتقاما من دعم الحاكم الليبي آنذاك لمجموعة الثوار في دارفور المعروفة بحركة العدل والمساواة. وبعد سقوط الكفرة توجه التبو شمالا وغربا لحراسة الحدود الجنوبية. وعند انتهاء الحرب كانوا يسيطرون على مساحة شاسعة من المعابر الحدودية، والحقول النفطية والاحتياطيات المائية ومستودعات الأسلحة.

وانتعشت آمالهم لفترة وجيزة».
وبتقدير ويري شكل صعود التبو إبان ثورة 2011 تهديدا للعلاقات مع الطوارق، الذين «ظلوا خلال حكم القذافي شعبا على الهامش، وعانوا سياساته العروبية حتى وإن كان يعاملهم كعرب فخريين ويدعي لنفسه نسلا مشتركا معهم. كانت بلداتهم ذات الأوضاع المزرية في الجنوب تعاني لتخلف الشديد، على الرغم من اكتشاف النفط في الجوار. التحق شبانهم الذين كانوا يفتقرون إلى التحصيل العلمي، بالقوى الأمنية النخبوية في نظام القذافي، على غرار اللواء 32 المعزز بقيادة نجل القذافي خميس، وكتيبة مغاوير الطوارق التي كانت تتألف حصرا من الطوارق في أوباري، فيما انضم آخرون إلى اللجان الثورية».

وتقول الدراسة: «عندما اندلعت ثورة 2011 انفصل بعض الطوارق عن النظام على غرار السفير الليبي في مالي، موسى الكوني، الذي أصبح لاحقا ممثل الطوارق في المجلس الوطني الانتقالي، ومن ثم عضو المجلس الرئاسي في الحكومة المدعومة من الأمم المتحدة في طرابلس، قبل تقديم استقالته في يناير 2017.13 حافظ عدد كبير من الطوارق الآخرين، ولاسيما أولئك المنضوين في الألوية الأمنية على ولائهم للنظام وحاربوا الثوار. بعد الحرب قام جنود طوارق من الساحل بنهب مستودعات الأسلحة الليبية وتوجهوا إلى مالي حيث قادوا تمردا، وأسهموا في إنشاء شبه دولة لم تعمر طويلا في الشمال تحت اسم أزواد»، وتشير الدراسة إلى أنه «على امتداد 100 عام حافظ اتفاق «الصداقة» بين التبو والطوارق على السلام بين القبيلتين، في مواجهة الجفاف والنزوح ولاحقا الديكتاتورية، لكنه تداعى في أعقاب اندلاع النزاع في جنوب ليبيا في العام 2012».

سبها وأوباري
على الرغم من انتشار النزاع والتوترات الاجتماعية على نطاق واسع جدا في الجنوب، ترى الدراسة أنه «لابد من التوقف عند مدينتين على وجه التحديد هما سبها وأوباري، نظرا إلى أنهما تستقطبان عادة التدخل من أفرقاء اجتماعيين وسياسيين آخرين من مختلف أنحاء المنطقة»، وتقول الدراسة: «تتخبط كلتا المدينتين في خليط متفجر من الاضطرابات: فهما مختلطتان إثنيا وقبليا وتعانيان مكامن الضعف المؤسسية، ولا سيما في القطاعين الأمني والقضائي؛ وتقعان على مقربة من مصدرين أساسيين للدخل الثابت يتمثلان في مسالك التهريب وحقول النفط. وفضلا عن ذلك كانتا هدفا للتدخل من قوى في الشمال والخارج».

لمطالعة العدد 72 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

وترتدي سبها أهمية خاصة بوصفها عاصمة محافظة الجنوب ومحطة تاريخية على طول طرق الإمدادات بين الشمال والجنوب، كما أنها تحولت مؤخرا إلى محطة لتهريب المهاجرين. لطالما كانت هذه المدينة موضع نزاع (....). وبعد نيل ليبيا استقلالها، تسلمت قبيلة أولاد سليمان سدة الحكم من جديد ومكثت في السلطة حتى انقلاب القذافي. وقد أنهى الديكتاتور حكمهم عبر وضع المؤسسات الأمنية ومصادر الدخل الأساسية، مثل تهريب السجائر في عهدة قبيلته القذاذفة. خسر أولاد سليمان مكانتهم لكن عند انتهاء ثورة 2011 لاحت لهم فرصة في الأفق. كما رأت القبائل غير العربية أن الفرصة سانحة أمامها أيضا. وفي الأعوام اللاحقة انهارت المواثيق وهرميات النفوذ غير المعلنة».

وتواصل الدراسة «اندلع نزاع مفتوح في سبها في مارس 2012، وكانت شرارته سرقة سيارة كما أفيد. فقد أقدم أحد أبناء التبو على قتل مسؤول بارز في شركة الكهرباء ينتمي إلى قبيلة أولاد سليمان وسرقة شاحنته رباعية الدفع. واتجه الوضع نحو التصعيد عندما انتهى اجتماع للمصالحة عقد في قاعة الشعب التي تعود إلى حقبة القذافي، باندلاع معركة بالأسلحة. توجهت ميليشيات من قبيلة أولاد سليمان وقبائل عربية أخرى إلى أحياء التبو في طيوري وإلى هاجارا القريبة. استمرت الصدامات خمسة أيام وأسفرت عن مقتل 147 شخصا معظمهم من التبو، وتدمير أكثر من سبعين منزلا».

الحكومة الانتقالية في طرابلس نشرت القوات الخاصة بقيادة بوخمادة، لمحاولة فرض النظام

كانت قوة الشرطة الضعيفة في سبها بلا حول ولا قوة في مواجهة الميليشيات المتناحرة. فعمدت الحكومة الانتقالية في طرابلس إلى نشر القوات الخاصة التي تتخذ من بنغازي مقرا لها، بقيادة العقيد ونيس بوخمادة، لمحاولة فرض النظام. كان إجراء موقتا فشل في معالجة جذور الصراع. فقد كانت جريمة القتل وما أثارته من رغبة في الانتقام الشرارة التي أشعلت فتيل النزاع، لكنها أخفت وراءها ما هو أعمق من ذلك: وكان القتال منافسة بين قبيلتي أولاد سليمان والتبو، اللتين كانتا متحالفتين سابقا خلال الثورة، على تجارة التهريب المربحة في المنطقة وتأمين الرواتب لعناصر ميليشياتهم الشباب.

هدنة مؤقتة
وبعد وصول القتال إلى سبها فرضت القوات الخاصة هدنة موقتة، لكن مع تدهور الوضع الأمني في بنغازي في مطلع العام 2013، سحب بوخمادة جنوده مما خلق فراغا مجددا. فتقدم أولاد سليمان لملئه محاولين فرض هيمنتهم على قوة الشرطة الوليدة في المدينة، والسيطرة على التجارة غير الشرعية عبر الحدود، وفق الدراسة.

وبحلول مطلع العام 2014 نفذ التبو هجوما مضادا فأقدموا على اغتيال أحد القادة الميليشياويين من قبيلة أولاد سليمان انتقاما منه على خلفية دوره في الصدامات السابقة، فاندلعت جولة ثانية من القتال. رص القذاذفة صفوفهم مع التبو فاستولوا على قاعدة تمنهنت الجوية العسكرية، في حين وضع أولاد سليمان يدهم على قلعة إلينا التي تعود إلى الحقبة الإيطالية وتربض على تلة مطلة على سبها، وبوصف ويري «انحدرت سبها مجددا نحو دوامة العنف وتحولت أحياء بكاملها إلى مناطق خارجة عن سلطة القانون تحكمها ميليشيات وعصابات إجرامية. سجلت أعداد جرائم القتل والخطف ارتفاعا شديدا. وأغلقت المدارس أبوابها ولازم الجميع منازلهم ولقي شبان مصرعهم في معارك مسلحة للسيطرة على إحدى محطات الوقود».

تطورات الوضع في أوباري منذ ثورة 2011
وتتبع الدراسة تطورات الوضع في أوباري منذ ثورة 2011، قائلة إن التبو يعتبرون أنهم أصحاب حق بالتواجد في البلدة، بالدرجة نفسها كالطوارق. وقد بدؤوا بتأكيد هذا المطلب في الأشهر التي أعقبت ثورة 2011، وذلك عبر الشروع في شراء العقارات مستخدمين الأموال التي تدفقت عليهم من عائدات التهريب التي وجدوا فيها مصدرا جديدا للكسب. كما تمكنوا أيضا من الوصول إلى حقل الشرارة النفطي القريب، عبر العمل حراسا تحت إمرة ميليشيات الزنتان التي كانت تسيطر عليه. وقد أثار ذلك حفيظة الطوارق الذين كانوا قد طردوا من بلدة غدامس الحدودية خلال القتال بين المجموعات، وتملكتهم الخشية من ضربة أخرى تسدد لنفوذهم في المنطقة، وتتمثل تحديدا في سيطرة التبو على أرض كانوا يعتبرون أنها تقع حكما ضمن نطاق منطقتهم».

لمطالعة العدد 72 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

وتضيف الدراسة «فاقمت الضغوط الإقليمية من الشعور بأن الطوارق يتراجعون أمام التبو. ففي العام 2014 أغلقت الجزائر حدودها مع ليبيا، وفرضت الدوريات الفرنسية في ممر سلفادور في النيجر قيودا شديدة على حركة الطوارق التقليدية عبر الحدود. وقد اتهم هؤلاء القوات الفرنسية المتمركزة في ماداما في النيجر، على بعد مئة كلم (62 ميلا) فقط من الحدود الليبية، بالتغاضي عن المهربين والمقاتلين من قبيلة التبو الذين يعبرون شمالا».

وترصد الدراسة تطورات التدهور الأمني في المدينة خلال خريف 2014، لافتة إلى أن حكومة طرابلس والحكومة المنافسة في طبرق حاولتا مرارا وتكرارا وقف القتال، مستعينة بعديد الوسطاء القبليين (على الرغم من أن الحكومتين كانتا طرفين في النزاع) قبل أن تتدخل حكومة قطر التي وجهت، بمساعدة جزائرية، دعوات إلى مندوبي التبو والطوارق للتوجه إلى الدوحة، حيث توصلوا إلى اتفاق في نوفمبر 2015، ويصف ويري الوضع الراهن بأنه يمثل «سلاما هشا»، ومرد ذلك إلى ضبط النفس المتبادل الذي تمارسه ألوية الطوارق والتبو هناك، والجهود التي تبذلها كتائب الحسناوي التي انتشرت في المدينة للاضطلاع بمهمة حفظ السلام في فبراير 2016.

الحدود سهلة الاختراق
إلى جانب هاتين النقطتين المتفجرتين تقول الدراسة إن منطقة الجنوب تواجه عددا من المسببات البنيوية للنزاع، ترتبط بالقطاع الأمني الضعيف والمتصدع؛ وغياب اقتصاد محلي مجد، على الرغم من وجود حقول نفطية، والضبط الفعال للحدود والتدخل المضر من الأطراف في الشمال والخارج. أما التطرف فيعتبر تهديدا هامشيا إلى حد ما في الجنوب في المرحلة الراهنة، لكنه قد يجد بيئة اجتماعية أكثر مؤاتاة واحتضانا له في أوساط القبائل أو المجتمعات المحلية المظلومة، أو في خضم انهيار مطرد للحوكمة يزداد سوءا، وتقول الدراسة «يمكن وصف القطاع الأمني في الجنوب، كما في المناطق الأخرى في ليبيا، بأنه عبارة عن تكافل هش بين فلول النظام القديم، ألوية القذافي الأمنية وقوات الشرطة ووحدات الاستخبارات، وبين مجموعات ثورية أحدث عهدا تتألف من شبان غير مدربين، فضلا عن أفرقاء أمنيين غير نظاميين مثل الوسطاء القبليين».

الحدود سهلة الاختراق تمثل بابا آخر لانعدام الأمن في الجنوب الليبي

وتمثل الحدود سهلة الاختراق بابا آخر لانعدام الأمن في الجنوب الليبي، ووفق الدراسة «تتجلى أوجه القصور بشكل خاص في بلدة غات. ففي هذه البلدة المقطوعة منذ وقت طويل عن العالم الخارجي بعد إغلاق الحدود الجزائرية واندلاع القتال في أوباري القريبة، تشرف رئاسة البلدية على قطاع حدودي يمتد على طول ألفي كلم (1200 ميل) من الجزائر إلى النيجر».

ويتجلى ضعف إجراءات ضبط الحدود بوضوح أكبر حتى في سبها. وتقول الدراسة: «هنا يعمل المهاجرون عمالا في أحياء فقيرة على غرار حي القرضة، حيث يكتظ العشرات في غرفة واحدة في محاولة منهم لادخار الدينارات الثلاثين التي يكتسبونها من عملهم اليومي من أجل تسديد تكاليف الرحلة المحفوفة بالمخاطر باتجاه الشمال؛ ويرغم آخرون عن طريق الإكراه على العمل بالسخرة أو الدعارة. وعندما ينطلق هؤلاء المهاجرون في الرحلة داخل شاحنات بضائع مكتظة يتعرضون إلى العنف والإساءة والاعتداء الجنسي، والتخلي عنهم. قال مهاجر من نيجيريا: "إذا أغمي عليك أو وقعت يتركونك. يضربنا السائقون بعصي خشبية طويلة».

لمطالعة العدد 72 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

وإلى جانب مكامن الضعف المؤسسية والتوترات الفئوية وأوجه القصور الاقتصادية، عانى الجنوب أيضا اندلاع نزاع سياسي على مستوى البلاد، أو ما يسمى الصراع بين معسكري الفجر والكرامة. وحسب الدراسة «أدى ذلك إلى تسليع الأمن في الجنوب، أي مقايضة واستئجار ترتيباته بالمال، الأمر الذي تسبب بزعزعة شديدة للاستقرار. يمثل تسديد الرواتب للمقاتلين الشباب والتزويد بالأسلحة تلاعبا انتهازيا بالجماعات التي أفادت سابقا من درجة معينة من التوازن الاجتماعي والعيش المشترك على امتداد عقود، وقرون في بعض الأحيان. ليس التدخل من الأفرقاء في الشمال والخارج السبب الوحيد وراء تداعي الجنوب إلا أنه عامل مساهم».

«اندلعت الجولة الأحدث في النزاع الوطني في الجنوب مع انتقال المقاتلين التابعين لسرايا الدفاع عن بنغازي

وتقول الدراسة «اندلعت الجولة الأحدث في النزاع الوطني في الجنوب مع انتقال المقاتلين التابعين لسرايا الدفاع عن بنغازي، وهو ائتلاف من الميليشيات المناهضة لحفتر التي يتألف بعضها من ألوية قديمة في بنغازي تحصل على الدعم من وسطاء النفوذ في مصراتة وشبكات الدعم في قطر، وبعض الفصائل في طرابلس، إلى قاعدة عسكرية في الجفرة كانت محتلة من القوة الثالثة»، وتذهب الدراسة إلى أن القتال المتأرجح يظهر الأهمية المستمرة للقواعد والمهابط الجوية في الجنوب، التي تقع عند خطوط إمدادات أساسية باتجاه مصراتة والهلال النفطي وبنغازي كبؤر للنزاع الوطني المحتدم.

لمطالعة العدد 72 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

المزيد من بوابة الوسط