حرب البيانات تجدد الصراع على إدارة «المركزي»

بات الصراع على ثروات ليبيا عنوانًا لواجهة الأحداث في البلاد، في خضم الحديث المتردد بشكل متقطع حول شرعية إدارة مؤسسات الاقتصاد، لاسيما المؤسسة الوطنية للنفط والمصرف المركزي.

الصراع على إدارة المصرف المركزي يمثل حلقة من مسلسل المعارك الجارية، في خضم اتهام مصرف البيضاء لمحافظ المصرف في طرابلس بممارست ضغوط أدت إلى إخفاء قرار محكمة استئناف طرابلس الصادر في 19 يناير 2015، القاضي برفض الطعن المقدم من الصديق الكبير على قرار إقالته من مجلس النواب.

ورغم فشل جهود مضنية لتوحيد إدارة المصرف، فإن انتشار حكم صادر منذ سنتين دفع في اتجاه إعادة الصراع من جديد؛ ما دفع المراقبين لطرح تساؤلات عديدة من بينها إمكانية اعتبار ورقة إدارة المصرف بندًا من بنود الصراع السياسي الحالي، أو أن استئناف إنتاج النفط حرك مياه القضية الراكدة.

واتهم «المركزي» في البيضاء «أطرافًا بإخفاء حكم المحكمة تحت ضغوط الصديق الكبير، خاصة في ظل الظروف التي كانت تمر بها البلاد»، وأكد أن «حكم محكمة استئناف طرابلس يلغي جميع القرارات الصادرة عن الصديق الكبير ويحمله المسؤولية القانونية وكل من ينفذ قراراته».

قرار محكمة استئناف طرابلس «لم يُضْفِ أية مشروعية على قرارات السلطة التشريعية بشأن وظيفة المحافظ

وبعد صمت لمدة أسبوعين رد المصرف المركزي بطرابلس متأخرًا في بيان الاثنين الماضي، اعتبر فيه أن قرار محكمة استئناف طرابلس «لم يُضْفِ أية مشروعية على قرارات السلطة التشريعية بشأن وظيفة المحافظ، التي يضبطها توصيفاً وتكليفاً القانون رقم (1) لسنة 2005، وتعديلاته».

وقال المصرف إنه «مؤسسة سيادية لكل الليبيين، تلتزم القانون روحاً ونصاً، وتحترم سلطات الدولة ومؤسساتها، وتحرص أن تكون بمنأى عن الصراعات»، داعيًا إلى إخراجه من «دوائر النزاع ليتمكن من أداء مهامه الاستراتيجية في المحافظة على الثروة الوطنية المؤتمن عليها». وأشار إلى أن الإعلان عن الحكم يقع «ضمن المسؤوليات المباشرة لإدارة قضايا الدولة وليس لأي جهة اعتبارية غيرها».لكن وفقا لقرار المحكمة الذي نشر المركزي بالبيضاء صفحات من حيثيات حكمه، فإن رفض الطعن جاء لأن قرار إقالة الكبير «سيادي صادر عن السلطة التشريعية (مجلس النواب)، وأن القرارات الصادرة عن السلطة التشريعية لا تدخل ضمن القرارات الإدارية التي يجوز الطعن عليها بالإلغاء، فضلاً عن أن دائرة القضاء الإداري لا تختص بنظر الطلبات المتعلقة بأعمال السيادة».وهو ما لم ينفه بيان المركزي في طرابلس، عندما أشار إلى أن الحكم «اقتصر على القضاء بعدم الاختصاص الولائي للدائرة الإدارية بمحكمة استئناف طرابلس...»، لكنه عاد وقال إن الحكم «لم يُضْفِ أية مشروعية على قرارات السلطة ا

لتشريعية بشأن وظيفة المحافظ، التي يضبطها توصيفاً وتكليفاً القانون رقم (1) لسنة 2005، وتعديلاته».

وتعليقًا على ما كشفه حكم محكمة استئناف طرابلس، طالب رئيس لجنة الأزمة بمصرف ليبيا المركزي البيضاء، رمزي الأغا، مجلس النواب بضرورة إجراء تحقيق حول إخفاء مستندات حكم محكمة استئناف طرابلس.

واتهم رئيس لجنة الأزمة بمصرف ليبيا المركزي البيضاء «بأنه المحرك للأزمات الاقتصادية الحالية»

وقال الأغا لـ«الوسط»: «إن الصديق الكبير تعهد خلال خطاب وجهه لرئيس مجلس النواب بالتسليم والاستلام، مع الاحتفاظ بحقه في الطعن في قرار مجلس النواب رقم 17 لسنة 1014 بشأن إقالته من منصبه، ورغم ذلك وبعد صدور حكم المحكمة برفض الطعن لم يوفِ الكبير بما تعهد به».

وأضاف: «ليست هذه المرة الأولى التي يخل فيها الكبير بتعهداته»، فخلال اجتماعات تونس تم الاتفاق على توحيد عمل المصرف لحل الاختناقات القائمة، وتسهيل الحياة المعيشية للمواطن، ولكنه لم ينفذ أيًّا من تلك القرارات، بسبب الضغط عليه من اللوبي الإخواني والميليشيات المسيطرة عليه».

واتهم رئيس لجنة الأزمة بمصرف ليبيا المركزي البيضاء، الكبير «بأنه المحرك للأزمات الاقتصادية الحالية من ارتفاع سعر الدولار ونقص السيولة»، معتبرًا أن الحل الوحيد الآن هو «إخراج الصديق الكبير ومستشاريه المسيطرين على المصرف وتوحيد المؤسسة».

كما تحدث النائب البرلماني عبدالسلام نصية أن مجلس النواب ترجم الحكم الخاص برفض الطعن المقدم من الصديق وقرر تعميمه على السفارات والمؤسسات المالية الدولية، مع تشكيل لجنة تحقيق برلمانية لمعرفة أسباب عدم وصول الحكم في حينه إلى البرلمان.وفي أحدث تطور للصراع، أرسلت وزارة الخارجية في حكومة الوفاق خطابًا للسفارات والقنصليات والبعثات لدى المنظمات الإقليمية والدولية كافة المعتمدين لديها بأن الصديق الكبير لا يزال محافظًا لمصرف ليبيا المركزي ومقره طرابلس.

وقال بيان ممهور بتوقيع وزير الخارجية المفوض محمد الطاهر سيالة وزعته الخارجية الليبية على تلك الجهات، طالبتهم فيه بـ«عدم الاعتداد أو التعامل مع أية مراسلات أو تعميمات أو قرارات تصدر عن الأجسام الموازية، واعتبارها كأن لم تكن». مؤكدًا على ضرورة عدم التعامل مع تلك الأجسام.

وكان مجلس النواب أصدر قراراً في 14 سبتمبر 2014، بإقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي الصديق الكبير، وتكليف نائبه علي الحبري بمهام المحافظ حتى اختيار محافظ جديد للمصرف، وهو ما أثار تساؤلات لدى الأوساط المصرفية والرأي العام أيضًا، لحساسية وضعية المصرف المركزي في الظرف الصعب الذي تعيشه البلاد.

مجلس النواب ترجم الحكم الخاص برفض الطعن المقدم من الصديق وقرر تعميمه على السفارات والمؤسسات المالية الدولية

وفي 8 أبريل 2015 أصدر مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي في البيضاء قراراً بشأن تنفيذ إقالة الصديق الكبير، وحذر في الوقت نفسه جميع المصارف والمؤسسات المالية العاملة في ليبيا أو خارجها من التعامل مع الصديق الكبير.

وفي سبتمبر 2016 انتهت رسميًا مهمة الصديق الكبير، دون أن يتطرق أي من الأطراف أو المؤسسات الاقتصادية إلى التجديد للمحافظ أو اختيار بديله.

وفي خضم ذلك حاول رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج حلحلة الأزمة، حيث التقى محافظ المصرف في البيضاء علي الحبري، ومحافظ المصرف بطرابلس الصديق الكبير، في يونيو الماضي، لكن تلك الخطوة ظلت بلا نتائج حتى الآن، بسبب الانقسام السياسي الذي لا يزال يطال العديد من المؤسسات السياسية والاقتصادية في البلاد.

ورغم اختلاف الاثنين (الكبير والحبري) حول طريقة إدارة المصرف، فإنهما يتفقان على أن الوضع المالي في البلاد «محرج جداً»، وهو ما يستدعي إنهاء الانقسام في إدارة المصرف لوضع آليات معالجة أزمة السيولة المنتشرة بأرجاء البلاد.
لمطالعة العدد 72 من جريدة «الوسط» اضغط هنا