تقرير: عودة البرلمان إلى مربع الحوار مناورة جديدة أم هو «القرار الضرورة»؟

تراجع مجلس النواب عن قراراته السابقة بتعليق مشاركته في الحوار السياسي، وقرر في جلسته الأسبوعية، الاثنين الماضي، العودة إلى طاولة الحوار، مما شكل جرعة أمل جديدة لإنقاذ الاتفاق السياسي وكسر الجمود الذي دخلته العملية السياسية منذ مدة، خاصة بعد فشل المساعي الخارجية في جمع كافة الأطراف حول طاولة واحدة، وعلى رأسهم رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني، فائز السراج، والقائد العام للجيش المشير خليفة حفتر، وكانت آخر المحاولات الفاشلة هي التي شهدتها القاهرة منتصف فبراير الماضي.

قرار 61 نائبًا الذين حضروا الجلسة يمكن تفسيره - استنادًا إلى حسن النوايا - بأنه يعكس رغبة مجلس النواب في المحافظة على الخيط الذي يشد معارضي اتفاق الصخيرات بهذا الاتفاق، ربما لسبب رئيس هو هذا الاتجاه الدولي ثم العربي نحو التمسك بالاتفاق، باعتباره الوثيقة الوحيدة المتاحة الآن للخروج من الأزمة التي تعانيها ليبيا، مما يعني التمسك بالحل السياسي للأزمة والرفض القاطع للحل العسكري، وقد تكرر هذا في عديد بيانات الأطراف الدولية المؤثرة والأطراف الإقليمية وعلى رأسها دول الجوار، أما التفسير الآخر الذي لا يستحضر حسن النية فهو لا يستبعد أن يكون القرار مناورة جديدة من رئيس البرلمان ومؤيديه، لكسب مزيد الوقت والرهان على فشل المجلس الرئاسي وحكومته وانتظار الحسم العسكري في آن معًا.

وقوبل قرار مجلس النواب بترحيب ملحوظ من طرف عديد السياسيين والنشطاء الذين رأوا فيه «خطوة مهمة باتجاه حسم الخلافات التي أعاقت جهود الحل المبذولة من جانب الأطراف الإقليمية والدولية»، في انتظار رد من قبل لجنة الحوار لدفع هذه الخطوة إلى الأمام عبر إجراءات عملية لتحريك الحوار مجددًا، وربما جاءت في هذا السياق زيارة المبعوث الأممي راعي الحوار، مارتن كوبلر، الخاطفة إلى مدينة طبرق غداة صدور قرار مجلس النواب، حيث التقى رئيس المجلس قبل أن يتوجه إلى طرابلس للاستماع إلى وجهات نظر الأطراف الأخرى، وفق ما نُـقل عنه.

وربط مجلس النواب عودته إلى طاولة الحوار بمجموعة من «الثوابت» التي تشكل في تقديره خطوات رئيسية لإنجاز حل سياسي في البلاد، وزاد رئيسه المستشار عقيلة صالح بأن اشترط أن يكون الحوار داخل ليبيا تحت إشراف الجامعة العربية والأمم المتحدة، وليس في دولة عربية على ما ذهبت بعض المقترحات في وقت سابق.

توقعات بمساعٍ إقليمية ودولية لجمع أطراف الأزمة وتحقيق أكبر قدر من التوافق.

وقال النائب إبراهيم كرنفودة إن هذه الثوابت تتضمن تشكيل مجلس رئاسي من رئيس ونائبين، على أن يقوم المجلس الرئاسي بتكليف رئيس للحكومة ليس من أعضاء المجلس الرئاسي.

ووفق هذه الرؤية يتولى رئيس الحكومة تشكيل الحقائب الوزارية ثم تقوم الحكومة بعرض برنامجها على مجلس النواب لنيل الثقة، في حين يشكل مجلس الدولة من أعضاء المؤتمر الوطني العام الذين اُنتُخبوا في 7-7-2012.
وتشمل رؤية مجلس النواب أيضًا «التأكيد على إلغاء المادة الثامنة من الاتفاق السياسي، وأن يكون الحوار السياسي داخل ليبيا، وتعقد كل جلساته داخل التراب الليبي».

في هذا الاتجاه يتوقع متابعون للشأن الليبي أن تنشط المساعي الإقليمية والدوليّة مجددًا لجمع أطراف الأزمة، خاصة السراج وحفتر وعقيلة، لتحقيق أكبر قدر من التوافق بين هؤلاء، ومن ثم فتح الطريق أمام مسار الاتفاق السياسي عبر الحوار الذي سيجمع الكل هذه المرة.

وأعادت هذه التوقعات الحديث عن المساعي الثلاثية التي بدأتها منذ أشور جارات ليبيا، مصر والجزائر وتونس، لحل الأزمة الليبية، في انتظار أن تتوج هذه المساعي في حالة كتب لها النجاح بقمة ثلاثية تطرح من خلالها مبادرة واضحة الملامح لمشروع الحل.

في السياق نفسه ينتظر أن تنشِّط الدبلوماسية المصرية الجهود التي شهدتها القاهرة الأشهر الأخيرة بمحاولة جمع الفرقاء وأطراف الأزمة، والتوصل إلى صياغة وطرح مقترحات تتعلق بإجراء تعديلات على الاتفاق السياسي ترضي هذه الأطراف على أمل أن تحقق توافقًا أكبر حول الاتفاق السياسي ومخرجاته، وما يشجع الجانب المصري على ذلك هو عدم تناقض تلك المقترحات مع الرؤية التي طرحها مجلس النواب في قراره بالعودة إلى طاولة الحوار.

وما سيجعل عنصر الاستعجال نحو هكذا تحرّك حاضرًا هو عامل الوقت، إذ أن استمرار المراوحة داخل دائرة الأزمة خلال الأشهر الستة المقبلة، وهي ما تبقى من عمر الاتفاق السياسي (سنتان) وفق مضمونه، سيقود البلاد إلى فراغ كامل، حيث تفقد كل الأجسام التشريعية والتنفيذية شرعية وجودها التي استمدتها من هذا الاتفاق، ومن ثم العودة إلى النقطة (صفر) والدخول في دوامة الخيارات البديلة.

المزيد من بوابة الوسط