نقيب الصحفيين المصريين الأسبق: شعبية حفتر هبطت كثيرًا ودخول طرابلس بالقوة مستحيل

رأى نقيب الصحفيين المصريين الأسبق، مكرم محمد أحمد، أن القاهرة ملزمة بتكريس المزيد من الجهد لسرعة إنهاء الصراع في ليبيا، حفاظًا على كيان الدولة الليبية من التفكك والانهيار، كاشفًا عن مجمل التوافقات التي سبق للقاهرة أن توصلت إليها مع أطراف الأزمة.

وطرح مكرم محمد أحمد قراءة شاملة للوضع في ليبيا، مركزًا على الانقسامات القائمة في المدن الثلاث الكبرى، مستبعدًا أن تنجح قوات الجيش الليبي في دخول طرابلس بقوة السلاح، خاصة مع تراجع شعبية المشير خليفة حفتر، خلال الفترة الأخيرة.

وتحدث نقيب الصحفيين المصريين الأسبق عن «نسبة غير قليلة من القيادات الليبية، لا تزال في مستويات السلطة العليا مشغولة بطموحاتها بأكثر من انشغالها بالصالح الوطني العام، تحركها الرغبة في الاستئثار بالسلطة والانتقام من خصومها السياسيين».

نسبة غير قليلة من القيادات الليبية لا تزال مشغولة بطموحاتها بأكثر من انشغالها بالصالح الوطني العام 

وفي مقال لافت نشرته جريدة الأهرام شبه الرسمية، اليوم السبت، تحت عنوان «صراع حفتر والسراج علي السلطة في ليبيا»، قال مكرم محمد أحمد إن شعبية القائد العام للجيش الليبي المشير خليفة حفتر هبطت كثيرًا في الآونة الأخيرة لأسباب عدة، أهمها تشدد المشير حفتر هو وحليفه عقيلة صالح رئيس مجلس النواب المنتخب في طبرق في قضية المصالحة الوطنية بين شرق ليبيا وغربها وإصرارهما على فرض شروطهما بالكامل في مشروع وطني يتعلق بالمصالحة يتطلب بالضرورة تنازلات مشتركة من كل الأطراف.

وأضاف: «الحق أن شعبية المشير حفتر كانت إلى وقت قريب تغطي معظم ربوع المنطقة الشرقية وتتجاوزها إلى الكثير من أجزاء المنطقة الغربية رغم حملات الغرب التي صورت حفتر على أنه مجرد تكرار لصورة العقيد القذافي في استعلائه وغروره المصطنع ينطوي في داخله على ديكتاتور!، لكن هذه الشعبية هبطت كثيرًا في الآونة الأخيرة لأسباب عدة أهمها تشدد المشير حفتر هو وحليفه عقيلة صالح رئيس مجلس النواب المنتخب في طبرق في قضية المصالحة الوطنية بين شرق ليبيا وغربها وإصرارهما على فرض شروطهما بالكامل في مشروع وطني يتعلق بالمصالحة يتطلب بالضرورة تنازلات مشتركة من كل الأطراف».

وأبدى نقيب الصحفيين المصريين الأسبق أسفه لاستمرار الفوضى في ليبيا، «على الرغم من كل الجهود التي تبذلها مصر ــتساندها دول الجوار الجغرافيــ من أجل تحقيق مصالحة وطنية شاملة تنهي الصراعات القبلية والجهوية التي مزقت البلاد، وتقلص سطوة الجماعات المسلحة وأولاها داعش على معظم المدن الليبية حفاظًا على وحدة الدولة والأرض، وتهيئ المناخ الصحيح لإعادة بناء مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها الجيش والأمن وتعيد الاستقرار إلى ربوع البلاد، وتؤمن مصادر قوتها الاقتصادية المتمثلة في حقول البترول وموانئه داخل منطقة الهلال النفطي تحت سلطة الدولة المركزية، بعيدًا عن صراع الميليشيات المسلحة».

يظهر غالبية الليبيين في الشرق والغرب والجنوب استياءهم البالغ وضجرهم الشديد من عبثية المشهد السياسي

وقال: «مع الأسف لا تزال الفوضى تضرب أطنابها في ليبيا رغم كل هذه الجهود ولا تزال قوى التخريب تعمل معاولها لهدم أي إنجاز يتم تحقيقه على أرض الواقع، ولا تزال نسبة غير قليلة من القيادات الليبية في مستويات السلطة العليا مشغولة بطموحاتها بأكثر من انشغالها بالصالح الوطني العام، تحركها الرغبة في الاستئثار بالسلطة والانتقام من خصومها السياسيين»!.

وأضاف: «يظهر غالبية الليبيين في الشرق والغرب والجنوب استياءهم البالغ وضجرهم الشديد من عبثية المشهد السياسي خاصة في المدن الأساسية الثلاث، بنغازي ومصراتة وطرابلس الأكثر فاعلية وتأثيرًا في حياة الشعب الليبي، الأمر الذى تبدى بوضوح شديد في خروج تظاهرات ضخمة في مدينة طرابلس تطالب بإخراج جميع الميليشيات المسلحة من العاصمة، كما تبدى في موجة الغضب البالغ التي اجتاحت مدينة بنغازي من عناصر الجيش الليبي المنفلتة بعد أن سيطرت عليها الرغبة في الانتقام من بعض جماعات المتطرفين التي لا تزال تشكل جيوبًا لتنظيم داعش داخل بنغازي إلى حد نبش قبور قتلى هذه الجماعات وإخراج جثثهم والتمثيل بها علنًا في مواكب تطوف شوارع المدينة».

أحداث بنغازي محت دور الجيش في عملية استرداد رأس لانوف والسدرة

ورأى مكرم محمد أحمد أن المشهد الليبي تغير فجأة، لافتًا إلى أنه كان يوحي قبل أقل من شهرين فقط بالأمل والتفاؤل عندما اجتمع في القاهرة في غضون شهري يناير وفبراير الماضيين أكثر من 64 شخصية ليبية يمثلون كل القبائل وجميع القوى السياسية والجهوية، وكل نخب المثقفين والمهنيين المهتمين بالشأن العام، على رأسهم الأقطاب الثلاثة حفتر وعقيلة صالح وفائز السراج رئيس المجلس الرئاسي».

وأضاف: «اتفقوا جميعًا على الخطوط العريضة لخارطة طريق تعالج أوجه القصور في اتفاق الصخيرات المتمثلة في وضع المؤسسة العسكرية الليبية وقائدها الأعلى والقائد العام للجيش الليبي وقضايا أخرى تتعلق بإعادة تشكيل المجلس الرئاسي ومجلس الدولة تفتح الطريق أمام المصالحة الوطنية الشاملة، ثم جاءت عملية استيلاء الميليشيات الجهوية والإسلامية وفي القلب منها تنظيم داعش وجماعة الإخوان المسلمون على رأس لانوف والسدرة الميناءين المهمين لتصدير البترول داخل الهلال النفطي لتعيد الأمور إلى سيرتها الأولى وتعود الفوضى تضرب أطنابها في البلاد رغم نجاح الجيش الوطني بقيادة حفتر في استعادة الموقعين رأس لانوف والسدرة».

وتساءل عن المسؤول عن إفشال جهود المصالحة الوطنية!؟، وعن حدود مسؤولية الأقطاب الثلاثة، السراج وحفتر وعقيلة عن هذا الفشل؟! مضيفًا: «متى تخرج ليبيا من هذه المتاهة الشائكة التي تهدد وجود الدولة الليبية كما تهدد أمن مصر».

وتابع: «أظن أن الوصول إلى إجابات صحيحة وشاملة لهذه الأسئلة الثلاثة يتطلب أولاً، رؤية أبعاد الصراع داخل المدن الثلاث وفي مقدمتها مصراتة التي يعتقد البعض أنها المسؤولة عن تصدير الفوضى إلى معظم أرجاء ليبيا».

تبدلت الأوضاع في بنغازي رغم أن الجيش الوطني الليبي تحت قيادة حفتر نجح في القضاء على معظم الجماعات المسلحة

وأضاف: «تبدلت الأوضاع في بنغازي رغم أن الجيش الوطني الليبي تحت قيادة حفتر نجح في القضاء على معظم الجماعات المسلحة التي تتبع داعش باستثناء بعض الجيوب الصغيرة أخطرها في قنفودة داخل منطقة العمارات الـ12».

وتابع قائلاً :«سارعت قوات حفتر بعد نجاحه في استعادة رأس لانوف والسدرة في منطقة الهلال البترولي إلى تحرير منطقة قنفودة مستخدمة في ذلك أساليب أشد قسوة طالت أكثر من 90 أسرة تعرضت لتجاوزات غير إنسانية شملت نبش القبور والتنكيل بالجثث علنًا والقتل عمدًا لضحايا عزل لا تحمل السلاح».

واستطرد مكرم محمد أحمد: «برغم إعلان حفتر استنكاره هذه الممارسات المنافية لروح الإسلام والأخلاق العربية وقواعد الحرب ونصوص الاتفاقات الدولية، كما يقول حفتر في بيانه الذى يدعو إلى تقديم مرتكبي هذه الجرائم لمحاكمات عسكرية والمثول أمام لجان التحقيق التي تم تكليفها، إلا أن ما حدث في بنغازي أساء كثيرًا إلى سمعة الجيش الوطني الليبي وأظهر ضعف انضباطه كما قلل من شعبية حفتر إلى حد اتهامه بانه تأخر عمدًا في تحرير قنفودة ليتمكن من السيطرة على كل الأطراف في بنغازي».

وحسب تقدير مكرم محمد أحمد، فقد «محت أحداث بنغازي دور الجيش في عملية استرداد رأس لانوف والسدرة، ودفعت الممثل الخاص لسكرتير عام الأمم المتحدة إلى إصدار بيان عاجل يؤكد رفضه خطاب الكراهية والعنف والانتقام والتمثيل بالجثث التي ارتكبها الجيش في مدينة بنغازي».

تخضع طرابلس لسيطرة عدد من الجماعات المسلحة يرتكز كل منها في إحدى مناطق المدينة

وفيما يخص طرابلس، قال نقيب الصحفيين المصريين الأسبق إنها «تخضع لسيطرة عدد من الجماعات المسلحة يرتكز كل منها في إحدى مناطق المدينة، تغلق مخارجها ومداخلها بحواجز عازلة ونقاط تفتيش مسلحة تجعل منها دولة داخل الدولة!، أخطرها الجماعة السلفية المقاتلة التي يتشكل معظمها من الأفغان العرب العائدين من أفغانستان وينتمون إلى تنظيم القاعدة وتمولهم دولة قطر ويحتلون منطقة الغابة وسط طرابلس، وكثيرًا ما تشتبك هذه الجماعات في صراعات مسلحة لأتفه الأسباب، آخرها اقتحام عدد من المسلحين منطقة سوق الجمعة مقر المجلس الرئاسي في قاعدة أبوستة البحرية».

وتعليقًا على تهديد ما سماه «القيادة العامة لقوات حفتر» بدخول العاصمة بالقوة، قال مكرم محمد أحمد :« يكاد يجمع المراقبون على صعوبة أن لم يكن استحالة دخول قوات حفتر مدينة طرابلس بقوة السلاح بدعوى أن قوات حفتر التي لا تزال غير قادرة على تأمين نفسها بصورة كافية في منطقة بنغازي لا تستطيع اقتحام طرابلس عنوة».

واستطرد قائلاً: «ما من شك في أن دخول الصراع بين الميليشيات المسلحة والجيش الوطني الليبي بقيادة حفتر مرحلة النزاع على السيطرة على حقول البترول وموانئه يشكل متغيرًا خطيرًا يزيد من خطورة الموقف، إن شملت المعارك مناطق التصدير بخزاناتها ومضخاتها وبنيتها الأساسية في موانئ التصدير بشكل يمثل تهديدًا قويًا ومباشرًا لعمليات تصدير النفط إن تضررت هذه المنشآت أو أصابها الحريق».

وتابع: «إذا كان هذا الاحتمال يشكل قلقًا لقوى الغرب التي تعطى الأولوية لاستيراد البترول الليبي لقربه من أوروبا، فضلاً عن جودته الفائقة، فإنه يشكل عامل إزعاج دائمًا للأمن المصري يلزم مصر بتكريس المزيد من الجهد لسرعة إنهاء هذا الصراع رغم كل ما حدث حفاظًا على كيان الدولة الليبية من التفكك والانهيار، خاصة أن كل الفرقاء الليبيين كانوا قد توافقوا في اجتماعات القاهرة على مجموعة من الثوابت الأساسية تشكل ضمانات مهمة لجميع أطراف الأزمة».

مصر ملزمة بتكريس المزيد من الجهد لسرعة إنهاء هذا الصراع حفاظًا على كيان الدولة الليبية

وكشف نقيب الصحفيين المصريين السابق أن هذا التوافق تضمن «الالتزام بوحدة التراب الليبي وحقن الدماء وضرورة المحافظة على مدنية الدولة والتداول السلمى للسلطة ورفض كل أشكال التهميش والإقصاء والتأكيد على وحدة الجيش الليبي ونبذ التدخلات الأجنبية».

وأضاف: «لم يعد باقيًا من أوجه الخلافات الجوهرية التي تباعد بين مواقف الأطراف سوى عدد محدود من القضايا تتعلق بعملية بناء هيكل الدولة الجديد، تتمثل أولاً في قضية الحفاظ على وحدة المؤسسة العسكرية واستمرارها وإبعادها عن التجاذبات السياسية وأهمية وجود قائد أعلى للقوات المسلحة مدنى يخضع لسلطاته القائد العام للجيش الليبي، وتتمثل ثانيًا في مراجعة أعداد المجلس الرئاسي الذى يمثل أعلى سلطة تنفيذية ويتشكل الآن من تسعة أعضاء يرأسهم فائز السراج، أثبت التجربة العملية ضرورة خفض هذا العدد إلى ثلاثة شخوص يمثلون الشرق والغرب والجنوب، كما تتمثل أخيرًا في توسيع نطاق مجلس الدولة وهو مجلس استشاري يقابل البرلمان، بحيث يضم أعضاء المؤتمر الوطني المنتخبين العام 2012 مع استمرار جميع شاغلي المناصب الرئيسة في مناصبهم لحين انتهاء الفترة الانتقالية وإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية في موعد أقصاه فبراير2018.»

وختم مكرم محمد أحمد قائلاً: «بالطبع، يصعب وجود ضمان حقيقي، يؤكد أن هذه الخطط سوف تمضي في طريقها المرسوم دون عوائق في ظل هذه الفوضى التي تضرب أطنابها ووسط هذه التدخلات المحمومة من قوى الخارج، لكن أيًا كان ما يحدث في ليبيا فليس أمام مصر، تعاونها دول الجوار الجغرافي سوى أن تستأنف جهودها وسط هذه المصاعب وتواصل السير على الشوك مهما طال الطريق إلى أن يتحقق أمن ليبيا وتنحسر قوى الشر والإرهاب حفاظًا على أمن ليبيا والأمن المصري».

المزيد من بوابة الوسط