بعد حسم معركة الـ «عمارات 12».. الجيش يواجه اختبارين

بإعلانه التحرير الكامل لمحور غرب بنغازي بدأ الجيش الوطني الليبي في ملاحقة من وصفهم ببقايا «الجماعات الإرهابية» التي كانت متحصنة في منطقة قنفودة، مع تحريره عدد من المدنيين الذين كانوا محتجزين في عمارات 12، بالتزامن مع إعادة تشغيل المدخل الغربي لمدينة بنغازي بعد 3 سنوات من إغلاقه، وقوبل انتصار الجيش باحتفالات شعبية واسعة لم يعكرها غير حادث تمثيل بجثث عدد من قتلى تنظيم «داعش»، وتسبب في غضب حقوقي، ومطالبات متعددة بمحاكمة المنفذين الذين كانوا يرتدون زيًا عسكريًا.

لمطالعة العدد 70 من جريدة «الوسط» انقر هنا

ورأى مراقبون أن حادث التمثيل بالجثث فرض على الجيش الليبي اختبارًا أخلاقيًا واجهه سريعًا بالتبرؤ من منفذيه، وإعلان إحالتهم إلى محاكمة عسكرية، فيما بقي الاختبار الرئيس المتمثل في توظيف الانتصار في عمارات 12 لصالح حل الأزمة الليبية قائمًا.

قُتل المخزوم إثر استهدافه في قصف مدفعي للجيش الليبي على عمارات 12 الأحد قبل الماضي

التمثيل.. الإدانة والحساب
وأظهرت مقاطع فيديو وصور جرى تداولها عبر وسائل التواصل الاجتماعي عملية التمثيل بعدة جثث، من بينها جثة القيادي فيما يعرف بـ«مجلس شورى ثوار بنغازي» قائد «سرايا الفاروق» جلال المخزوم الذي قتل الأسبوع الماضي على أيدي قوات الجيش في منطقة العمارات 12 (غرب بنغازي)، وهي موضوعة على الصندوق الأمامي لسيارة أحاط بها المسلحون.

وقُتل المخزوم إثر استهدافه في قصف مدفعي للجيش الليبي على عمارات 12 الأحد قبل الماضي، وفق الناطق باسم القوات الخاصة الليبية العقيد ميلود الزوي، وحسابات مقربة من مجلس شورى ثوار بنغازي.

وفي وقت لاحق ذكر المسؤول الإعلامي للقاطع الرابع بالمحور الغربي بمدينة بنغازي، المنذر مازق الخرطوش، أن المخزوم دفن بواسطة عناصر «داعش» بالعمارات 12 مما دعا البعض للقول إن التمثيل بالجثة كان جزءًا من عملية أكبر شملت نبش مقابر مقاتلي الجماعات المسلحة.ووصف المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الواقعة بـ«الوحشية»، وزاد مجلس الدولة فطالب بإحالتها إلى المحكمة الجنائية الدولية، باعتبارها «جرائم الحرب». وقال المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق إن «ما قام به بعض ممن نسبوا أنفسهم إلى قوات الجيش الليبي في مدينة بنغازي من نبش القبور والتمثيل بجثث الموتى صورة وحشية».

ورأى المجلس أن هذا السلوك «ينم على عدم إنسانية من قام بهذا العمل الإجرامي وانسلاخه من أخلاق الرجال، فضلا عن أخلاق الإنسان».

وأعرب المجلس في بيان أصدره الأحد عن استنكاره الشديد لهذه الأعمال الإجرامية، ودعا أعيان قبائل المنطقة الشرقية والشخصيات السياسية والنشطاء ووسائل الإعلام ومسؤولي المؤسسات العسكرية والأمنية إلى استنكار هذا الفعل، والعمل على تقديم الجناة إلى العدالة لينالوا جزاءهم العادل.

كما عبر رئيس المجلس فائز السراج عن إدانته لما سماه «نبش القبور» و«التمثيل بالجثث» وشعارات «الفتن والجهوية»، مؤكدا أن ليبيا «لن تكون تحت حكم فردي أو عسكري».

السراج: تابعنا وباستياء شديد ما قام به بعض ممن نسبوا أنفسهم إلى قوات الجيش الليبي في مدينة بنغازي من عملية نبش للقبور

وقال السراج، خلال كلمة ألقاها، مساء الأحد،عبر قناة «ليبيا الرسمية»: «تابعنا وباستياء شديد ما قام به بعض ممن نسبوا أنفسهم إلى قوات الجيش الليبي في مدينة بنغازي من عملية نبش للقبور وتمثيل بجثث الموتى بصورة وحشية بعيدة كل البعد عن قيمنا وأخلاقنا وديننا»، متعهدا بعمل «كل الممكن لتقديم الجناة إلى العدالة لينالوا جزاءهم ويكونوا عبرة لمن يعتبر».

أما المجلس الأعلى للدولة فطالب بعد اجتماع تشاوري طارئ عقده رئيسه عبدالرحمن السويحلي، الأحد الماضي، مع عدد من أعضاء المجلس بحضور النائب الثاني للرئيس ومقرر المجلس في طرابلس، بمخاطبة الأمم المتحدة والمنظمات الدولية بشأن ما وصفها بـ«انتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الحرب» التي ارتكبت في بنغازي مؤخرًا.

وقال المجلس في بيان نشره عبر صفحته على «فيسبوك» إن الاجتماع ناقش مستجدات الأوضاع السياسية والأمنية في البلاد، خاصة موقف مجلس الدولة من الأحداث الأخيرة في طرابلس وبنغازي.

وأشار البيان إلى «ضرورة مخاطبة الأمم المتحدة والمنظمات الدولية بشأن انتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الحرب التي ارتكبت من قبل قوات عملية الكرامة في بنغازي مؤخرا»، واستنكر الاجتماع ما وصفه بـ«الأعمال الإجرامية الوحشية»، مستهجنا «تصاعد خطاب الكراهية والعنف في البلاد»، وفي غضون ذلك طالب تحالف القوى الوطنية قيادة القوات المسلحة باتخاذ الإجراءات القانونية والعسكرية اللازمة حيال جريمة «التمثيل بالجثث والتنكيل بها»، من قبل «بعض منتسبي القوات المسلحة»، معلنا عن إدانته للحادث.وقال التحالف في بيان إنه «استنادا على مبادئ تحالف القوى الوطنية الراسخة التي تدعو إلى احترام حقوق الإنسان وآدميته، واتساقا مع المبادئ التي لا تتجزأ كالعدالة وسيادة القانون وحق الجميع في حرية التعبير، فإن التحالف يدين ما قام به بعض منتسبي القوات المسلحة من تمثيل بالجثث والتنكيل بها»، واعتبر التحالف أن «هذا السلوك البشع يتنافى مع كل القوانين والأعراف الدينية والإنسانية، ولا يتماشى أبدا مع أدبيات الشرف العسكري»، منبها إلى أنها «جريمة يدينها القانونان الليبي والدولي».

وطالب التحالف «قيادة القوات المسلحة باتخاذ الإجراءات القانونية والعسكرية اللازمة حيال الجريمة، انحيازا للحق وترسيخا للعدالة وإثباتا لأبناء هذا الشعب بأن لا أحد فوق القانون وأن الجميع متساو أمامه»، واستنكر تحالف القوى الوطنية في ختام بيانه «التضييق على الإعلام، واستهداف الإعلاميين وقمع حرية التعبير وحق التجمع والتظاهر الذي تكفله كل الدساتير والقوانين»، وتجاوبا مع هذه المطالب أمرت القيادة العامة للقوات المسلحة آمري الوحدات العسكرية في بنغازي بتقديم مرتكبي الانتهاكات بعد تحرير غرب بنغازي للشرطة العسكرية فورا، مشيرة إلى اتخاذ التدابير اللازمة بحق من ظهر في مقاطع التنكيل بجثث الإرهابيين لتقديمهم إلى المحاكمة العسكرية.

وأكدت القيادة العامة، في بيان أصدرته الاثنين، إحالة الذين ظهروا في مقاطع الفيديو الخاصة بالتمثيل بجثث الإرهابيين للمحاكمة لإدارة الشرطة العسكرية والسجون العسكرية فورا.

العميد ونيس بوخمادة: ستتم محاسبة كل من شارك في التمثيل بجثث مقاتلي التنظيمات الإرهابية

ولفتت القيادة إلى «تشكيل لجنة تحقيق وسيتحمل مرتكبو الانتهاكات مسؤولية أفعالهم المخالفة للقانون والتعليمات»، وأشارت القيادة إلى أن هذه الأفعال لا تعبر عن توجهاتها «وإنما هي ردود أفعال فردية وشخصية»، مؤكدة احترام العمل بالاتفاقات والتشريعات الدولية الراعية للإنسانية تحت أي ظرف».

من جانبه أكد العميد ونيس بوخمادة أنه ستتم محاسبة كل من شارك في التمثيل بجثث مقاتلي التنظيمات الإرهابية، واصفا هذه التصرفات بـ«غير المسؤولة» لا تمثل المؤسسة العسكرية ولا القوات الخاصة، وشدد بوخمادة على أن هذه الأعمال ذات طابع فردي ولن يسمح لشخص بتشويه صورة هذه المؤسسة العريقة، التي قدمت تضحيات جمة وأسهمت في كل محاور القتال، وقدمت «شهداء وجرحى وسطرت ملاحم تاريخ نضالي لاجتثاث الإرهاب والتطرف»، وأضاف بوخمادة أن هذه التصرفات ردود فعل فردية وشخصية، موضحا أن «لا ديننا ولا أخلاقنا تسمح بالتنكيل بالجثث»، ولا يجوز مقارنة تصرفات الإرهابيين الذين يقطعون الرؤوس ويذبحون ويحرقون الجثث ويهدمون الأملاك الخاصة والعامة، بتصرفات العسكريين المجبرين على اتباع الأوامر والتحلي بالانضباط العسكري بعيدا عن العواطف وردود الفعل.

ما بعد الانتصار
جاءت هذه التفاعلات بالتزامن مع مواصلة قوات الجيش ملاحقة بقايا المجموعات المسلحة في عمارات 12، في أعقاب نجاحها في تحرير المنطقة بالكامل، وفق ما أعلن المسؤول الإعلامي للقاطع الرابع بالمحور الغربي بمدينة بنغازي المنذر مازق الخرطوش، والسب الماضي أعلن الخرطوش أن قوات الجيش الوطني الليبي تمكنت من قتل 23 مقاتلا تابعين لتنظيم «داعش» حاولوا الفرار من عمارات 12 غرب بنغازي تجاه محور الصابري.وقال الخرطوش في تصريحات إلى «الوسط» إنه جرى تحرير أربع نساء وطفل من الأسر في منطقة العمارات، وتحويل اثنين منهم إلى أحد المستشفيات لسوء حالتهم الصحية.

وأوضح أن «(الكتيبة 146) التابعة للجيش الليبي فقدت ثلاثة جنود من خيرة مقاتليها، و(الكتيبة 123) فقدت جنديا، و(الكتيبة 212) فقدت جنديا، كما فقدت الصاعقة جنديا، وذلك خلال عملية اقتحام ما تبقى من عمارات 12، التي تم تطهيرها وتحريرها العمارات بالكامل، ونوه الخرطوش إلى أن «الهندسة العسكرية» بدأت بتمشيط المنطقة لتطهيرها من الألغام، محذرا المواطنين من الاقتراب من عمارات 12 حتى يتم الإعلان عن خلوها من الألغام الأرضية.

في السياق نفسه، أكدت مصادر عسكرية وأمنية متطابقة القبض على ثلاثة مقاتلين من «التنظيمات الإرهابية» غرب بنغازي، بعد فرارهم من «عمارات 12»، الواقعة بين بوصنيب وقرية المجاريس في منطقة قنفودة غرب بنغازي، وأوضحت المصادر في تصريحات إلى «الوسط» أن قوات الجيش وعناصر مركز شرطة القوارشة تمكنوا من القبض على ثلاثة مقاتلين من «التنظيمات الإرهابية» تسللوا من «عمارات 12»، محاولين الفرار داخل مدينة بنغازي.

الزوي: لدينا عسكريين مخطوفين وآخرين فقد الاتصال بهم في «العمارات 12» أثناء المواجهات المسلحة ضد التنظيمات الإرهابية

وتابعت: «جرى نقلهم وتسليمهم للجهات المختصة بعد انتهاء التحقيقات الأولية معهم، لاتخاذ الإجراءات القانونية حيالهم»، مؤكدة أن قوات الجيش والأمن تلاحق إحدى السيارات المشتبه بها بمنطقة أم مبروكة غرب مدينة بنغازي.

كما أكد مسؤول بجهاز المباحث العامة بنغازي القبض على ثمانية مقاتلين من التنظيمات الإرهابية، بينهم مصري الجنسية، تسللوا خارج «العمارات 12».

وقال المسؤول نفسه في تصريح خاص إلى «الوسط» إنه «تم إلقاء القبض على أربعة منهم بإحدى المزارع بمنطقة تيكا، من قبل تحريات جهاز المباحث العامة، بينما تم إلقاء القبض على البقية في مزارع أخرى بمناطق غرب المدينة»، مشيرا إلى إحالة المقبوض عليهم إلى الجهات المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية حيالهم بعد انتهاء التحقيقات الأولية معهم.

في سياق متصل، كشف الناطق باسم القوات الخاصة العقيد ميلود الزوي العثور على سبع جثث تعود لعسكريين في «العمارات 12»، موضحا في تصريح لـ«الوسط»، أول من أمس الثلاثاء، أن الجثث «تم التعرف عليها من ملابسهم العسكرية».

وأوضح الزوي أن لديهم عسكريين مخطوفين وآخرين فقد الاتصال بهم في «العمارات 12» أثناء المواجهات المسلحة ضد التنظيمات الإرهابية، لافتا إلى أن التنظيمات الإرهابية كانت تحتجز عائلات عالقة ومخطوفين وسجناء الشرطة العسكرية من مسؤولي النظام السابق، وسبق للناطق باسم القيادة العامة للجيش، العقيد أحمد المسماري، أن أعلن السبت عن العثور على عدد من المقابر الجماعية في منطقة «العمارات 12» بمنطقة قنفودة غرب بنغازي، مشيرا إلى أنه «سيتم انتشال الجثث عن طريق الهلال الأحمر الليبي، واتخاذ ما يلزم من إجراءات» بشأنها.من جهة ثانية، أعلنت القوات الخاصة (الصاعقة) في بنغازي، الثلاثاء، افتتاح كامل طريق طرابلس المعروف بـ«المدخل الغربي»، بعد إغلاقه لنحو 3 سنوات.

وشارك أهالي المدينة القيادات الأمنية من الجيش والشرطة احتفال الافتتاح بالطريق، التي تؤدي إلى ضواحي المدينة، القوارشة وتيكا والحليس وقمينس والمقرون، ومن جانبه هنأ رئيس مجلس النواب المستشار عقيلة صالح القيادة العامة للقوات المسلحة وغرفة عمليات «الكرامة» على تحرير منطقة قنفودة بالكامل، وكذلك منطقة «الهلال النفطي»، متمنيا أن تحقق القوات انتصارات أخرى.

وقال صالح إنه «مع هذه الانتصارات سيتحقق الأمن والأمان والاستقرار والرخاء للشعب الليبي»، داعيا لضحايا الأحداث المسلحة من قبل القوات المسلحة بالرحمة وأن يكون مصيرهم الفردوس الأعلى»، وللجرحى بالشفاء العاجل، واعتبر أن انتصارات القوات المسلحة تمثل هزيمة لـ«الميليشيات الإرهابية التي عاثت فسادا في البلاد وأرهبت وأرعبت النساء والأطفال والعجزة، وسببت في تردي الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في ليبيا»، وفق قوله.
لمطالعة العدد 70 من جريدة «الوسط» انقر هنا