سويسي لـ«الوسط»: ما نراه الآن هو «حوار الطرشان» ويجب مشاركة شخصيات وطنية مشهود لها بالنزاهة

السفير إبريك سويسي مارس العمل السياسي منذ أن كان طالباً في الستينات والسبعينات، بمشاركته في مظاهرات الطلبة، وكان من مؤسسي المعارضة الليبية في الخارج، إذ شارك في تأسيس العديد من المنظمات والحركات المعارضة في المهجر، وقام النظام السابق في العام 1969 بهدم ثلاثة منازل لعائلته في مدينة درنة في يوم واحد على خلفية تصريحات لقناة «M.B.C.» ضد نظام العقيد القذافي، واليوم هو سفير ليبيا لدى المملكة الهولندية.

لمطالعة العدد 69 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

«الوسط» التقت السفير إبريك سويسي، ليتحدث عن الأزمة الليبية وأوضاع الجالية الليبية في هولندا، ودور الحكومة الهولندية والاتحاد الأوروبي في حل هذه الأزمة.ففي رأيه أن المهربين في سواحل ليبيا هم مجرد حلقة في منظومة متكاملة تشغلها المافيا في إيطاليا، وهو يرى أن المرشح لمنصب ممثل الأمين العام في ليبيا يجب أن يكون من دولة ليس لها أجندة في ليبيا، أو تكون لها مشاكل مع الدول العظمى.

وبالنسبة للانسداد السياسي في ليبيا، يرى سويسي أن حل الأزمة الليبية يأتي من الليبيين أنفسهم دون تدخل أطراف إقليمية أو دولية، وكل ما ابتعد التدخل الخارجي كانت فرصة التوصل لحل أفضل أكبر، وشدد على أن أي دور أجنبي يجب أن يقتصر على تقريب وجهات النظر وليس فرض شروط واتفاق معين.

سألناه في البداية عن أوضاع أبناء الجالية الليبية في هولندا؟ والعقبات التي تواجههم وكيف يتم التعامل معها؟
- فأجاب السفير سويسي قائلاً: عدد الجالية الليبية ليس كبيرا في دولة هولندا، فهم لا يتجاوزون 1500 شخص، منهم مجموعة تعيش في مراكز إيواء المهاجرين التي تديرها الحكومة الهولندية، ولدينا تواصل معهم، ونحاول حل مشكلهم وفق الإمكانيات المتاحة والصلاحيات القانونية المخولين بها.

وهناك مجموعة أخرى دخلت هولندا بطريقة غير قانونية، وفشلوا في تصحيح أوضاعهم القانونية، أو رُفضت طلبات لجوئهم، وبالتالي قبضت عليهم الشرطة الهولندية، فمَن يرغب منهم في العودة نساعده بإصدار وثيقة سفر ومنحه مصاريف الرحلة، كما تمنحه الحكومة الهولندية مبلغاً مالياً يقدر بنحو ثلاثة آلاف يورو، هذا بالنسبة لمَن يرغب منهم في العودة إلى ليبيا، أما مَن يرفض العودة، فيبقى في مركز إيواء اللاجئين إلى حين تسفيره عن طريق منظمة الأمم المتحدة إذا كان يشكل خطورة على الأمن الهولندي ويتم ترحيله وتسلميه إلى مطار معيتيقة في العاصمة طرابلس.وبالنسبة لباقي أعضاء الجالية، فهم يتوزعون بين الأكاديميين والأطباء والمهندسين وخبراء النفط الذين يعملون في شركة «شل» المعروفة، بالإضافة إلى عدد من رجال الأعمال، إذ يعمل نحو 500 ليبي في مشاريع صغيرة يملكونها مثل المطاعم والمتاجر الصغيرة، وبعض هؤلاء متزوج من هولنديات ومندمجون في المجتمع الهولندي.

أيضاً أود أن أوضح أن هناك مطالب ببناء مدرسة ليبية لأبناء الجالية، خصوصاً العاملين في المركز الإسلامي بمدينة يوتراخت، ونحن بدورنا خاطبنا الجهات المسؤولة في وزارة التعليم الليبية، وننتظر الموافقة، ورصد ميزانية لإنجاز هذا المشروع.

عدد الجالية الليبية ليس كبيرًا في دولة هولندا فهم لا يتجاوزون 1500 شخص

ما رؤيتكم للأوضاع السياسية في ليبيا حالياً؟ وكيف يمكن الخروج منها؟
ـ بصراحة هناك فشل سياسي واضح في ترجمة الإنجازات العظيمة التي قام بها الجيش الليبي في مواجهة الإرهاب في بنغازي، فلم يجر إبرازها سياسياً ولا حتى إعلامياً بالقدر الكافي في المحافل الدولية والإقليمية، وهذا يتطلب جبهة سياسية وإعلامية قوية.

على سبيل المثال، عملية الجيش لتحرير الموانئ النفطية خلال شهر سبتمبر الماضي، وتسليمها إلى المؤسسة الوطنية للنفط في طرابلس مرت مرور الكرام. لذا أرى أنه يجب الاستعانة بأهل الخبرة في العلاقات الدولية، وهم موجودون داخل ليبيا وخارجها، بالاستفادة منهم كمستشارين لمجلس النواب ورئاسة المجلس، على أن يضع هؤلاء المستشارون عدة خطط جاهزة لنفس الإشكالية، على أن يختار منها ما هو مناسب مع بقاء الخيارات الأخرى جاهزة لتنفيذها في أي وقت.وفي تقديري، أن الأزمة السياسية الليبية قد تعقدت عندما أجرى الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة السابق برنارد ليون انقلاباً بإضافة اسم (أحمد معيتيق) إلى المجلس الرئاسي عند إعلانه في الصخيرات، لإرضاء ميليشيات مصراتة ونرجسية سياسييها، فالمشكلة بدأت من الأمم المتحدة.

والحل يأتي من الليبيين أنفسهم دون تدخل أطراف إقليمية أو دولية وكلما ابتعد التدخل الخارجي كانت فرصة الحل أفضل، فالدور الأجنبي يجب أن يكون في تقريب وجهات النظر وليس لفرض شروط واتفاق معين، وبعبارة أخرى يجب أن يعمل المبعوث الأممي وفق ما قام به السيد أدريان بيلت خلال مرحلة الاستقلال، أي أن يكون دوره التنسيق بين الأطراف الليبية والمحافظة على بقاء العملية السياسية ليبية بشكل كبير.

برأيك ما الذي يعيق لقاء كل من حفتر والسراج؟
- فشل لقاء القائد العام للجيش، المشير خليفة حفتر، مع رئيس المجلس الرئاسي، فائز السراج، راجع لجدول الأعمال الذي حمل نقاطاً وشروطاً لن يقبل بها المشير حفتر، لذلك يجب عدم الزج بقائد الجيش في المفاوضات السياسية.

والبيان الأخير الذي أصدرته اللجنة الوطنية المصرية المعنية بليبيا، الثلاثاء، يأتي في إطار التوازن مع جميع الأطراف والحفاظ على مساعيها في حل الأزمة السياسية، فالموقف المصري مبني على دعم الشرعية متمثلة في مجلس النواب ودعم الجيش الليبي ومحاولة جمع الفرقاء الليبيين وفق حل سياسي يحافظ على مؤسسات الدولة ووحدة الأراضي الليبية.

هل ترى أن دول الجوار الثلاث «مصر–تونس–الجزائر» قادرة على فرض حلول سياسية للأزمة الليبية؟
- أعتقد أن الحل سوف يكون بعيداً عن دول الجوار، فالجزائر لها مصالحها الخاصة، وكل دولة لها أجندة، وهناك بعض الأزمات التي رافقت عملية تنفيذ الاتفاق السياسي كانت بسبب تدخل هذه الدول، ولكن يجب أن أشير إلى أن إهمال الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو الوضع في ليبيا، خصوصاً في مرحلة بناء الدولة قد ساعد في استمرار الأزمة الليبية.كيف يمكن تعظيم دور هولندا في حل الأزمة الليبية باعتبارها لاعباً مؤثراً على الموقف الأوروبي؟
ـ هناك تواصل مستمر بين السفارة الليبية والحكومة الهولندية، ولدى المسؤولين الهولنديين اهتمام كبير بالأزمة الليبية، وهم مستعدون لتقديم المساعدة، لكن انشطار أطراف النزاع وانقسامهم إلى مجموعات مختلفة يصعب المهمة، لذا تركز الحكومة الهولندية على طرح رؤيتها من خلال الاتحاد الأوروبي، ومع ذلك فإن الحكومة الهولندية بدأت بالفعل بالمساعدة، إذ تتولى تدريب خفر السواحل الليبي وفق عملية «صوفيا» التي أطلقها الاتحاد الأوروبي، وهنا يجب أن أشير إلى أنه للأسف جرى اختراق عملية التدريب بإرسال عناصر تابعة للميليشيات في طرابلس.

لماذا برأيك ينقسم الموقف الأوروبي حول الأوضاع في ليبيا؟
ـ من الواضح أنه لا يوجد تنسيق بين الدول الأوروبية مثل إيطاليا وفرنسا وبريطانيا، وهو أمر راجع إلى أن وزيرة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبية فريديريكا موغيريني تعمل على فرض الأجندة الإيطالية بشكل مكثف، وسيطرة موغيريني نتيجة لضعف الموقف الأوروبي، إذ يطغى هاجس الهجرة غير الشرعية على المعالجة الأوروبية للأزمة الليبية، وهذا ما لاحظناه حتى في الانتخابات سواء البرلمانية أو الرئاسية في بعض الدول الأوروبية، حيث تبقى قضية الهجرة في الصدارة، وعلى سبيل المثال فإن الانتخابات الهولندية التي سوف تجرى في الفترة المقبلة يركز فيها المرشحون والإعلام على إشكالية المهاجرين والهوية.

فشل لقاء حفتر والسراج راجع لجدول الأعمال الذي حمل نقاطاً وشروطاً لن يقبل بها حفتر

وهنا أود التأكيد على أن تحميل ليبيا مسؤولية الهجرة غير الشرعية هو أمر غير صحيح، وبالتالي فإن جزءاً كبيراً من المعالجة غير صحيح، لأن ليبيا في الأساس دولة عبور وليست دولة مصدر للهجرة غير الشرعية، وهناك مافيات أوروبية تقوم بتجارة البشر عبر ليبيا، فالمهربون في سواحل ليبيا هم مجرد حلقة في منظومة متكاملة تشغلها المافيا في إيطاليا، ودورهم يكمن في نقل هؤلاء الليبيين من الأراضي الليبية إلى أوروبا عبر البحر.

ما قراءتك للهجوم الأخير على المنشآت النفطية؟ ومن المستفيد من تجدد الصراع هناك؟
- أعتقد أن الهجوم على منطقة المنشآت والموانئ النفطية في «الهلال النفطي» هو محاولة واضحة من قبل بعض الأطراف لتقوية موقفها في التفاوض وإملاء شروطها في عملية إجراء التعديلات على الاتفاق السياسي، خصوصاً أن ورقة النفط هي إحدى أهم الأوراق التي تعكس السيطرة الاقتصادية لأي حكومة وما يشكله النفط من عامل لاستمرار وحدة ليبيا.

ما السيناريو المحتمل لإخراج البلاد من حالة الانسداد السياسي الحالية؟
- كما قلت لك سابقاً، يجب أن يكون حل الأزمة الليبية في إطار ليبي صرف، ولأن الانقسام السياسي أصبح انشطارياً في البلاد، وكل طرف انقسم إلى عدة مجموعات، لذلك أرى ضرورة جمع أعضاء المؤتمر الوطني الذين اُنتُخبوا في 2012 وأعضاء مجلس النواب، لعقد جلسات حوار للخروج بحل، لأن المقترحات الأخرى مبنية على أجندات أجنبية، وفكرة الحوار من حيث المبدأ هي فكرة رائعة، لكن ما نراه الآن هو «حوار الطرشان»، لأن بعض من شاركوا في الحوار لا قدرة لديهم ولا وزن سياسياً لهم، وبالتالي لم يكن الحوار متوازناً، لذلك أدعو إلى أهمية مشاركة شخصيات وطنية مشهود لها بالنزاهة وجرى استبعادها في الفترة الماضية، كما يجب عدم التحاور مع الميليشيات التي تحمل السلاح.ماذا تتوقع بخصوص الممثل الجديد للأمم المتحدة في ليبيا؟
ـ أعتقد أن اختيار رئيس الوزراء الفلسطيني السابق، فياض سلام، كان اختياراً غير موفق، فالمشكلة ليست في شخص سلام فياض ولكن الأمم المتحدة والدول العظمى لديها ملف الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي وهذا الأمر سوف يؤثر على أي مرشح فلسطيني آخر، لذلك من وجهة نظري الشخصية أرى أن أهم شيء في المرشح لمنصب ممثل الأمين العام في ليبيا أن يكون من دولة ليس لديها أجندة في ليبيا وليس لديها مشاكل ترتبط بتأثير مع الدول العظمى.

كسفير ليبي لدى هولندا إلى من تتبع.. حكومة الوفاق الوطني أم الحكومة الموقتة؟
- أولاً أنا لا أتعامل مع حكومة الوفاق الوطني متمثلة في المفوض بمهام وزير الخارجية محمد سيالة، لأنها حكومة لم تنل ثقة مجلس النواب بعد، وأنا مع شرعية مجلس النواب وأمثل كل ليبيا بشكل عام.

وأساس الانقسام السياسي في ليبيا هو ثقافة خلفها النظام السابق عبر 42 سنة من تعطيل الحياة السياسية، حتى عاشت ليبيا في تصحر سياسي خلال أربعة عقود حتى صارت جميع القيادات التي جاءت بعد ثورة فبراير هي قيادات «الصدفة»، فليس لديهم خلفية ولا تجربة سياسية، وأغلبهم أكاديميون وليسوا حتى تكنوقراط، حيث جرى تشكيل المكتب التنفيذي خلال الثورة وسط تجاهل الكثير من الكفاءات التي كانت متواجدة في مدينة بنغازي، وما نفقده الآن هو وجود قيادات من أمثال مصطفى بن عامر ومنصور الكيخيا.

هل هناك تضخم في عدد العاملين بالسفارة كما يتردد عن باقي السفارات والقنصليات الليبية في الخارج؟
- كان عدد موظفي السفارة الليبية في هولندا لا يتجاوز 16 موظفاً، بما في ذلك أنا شخصياً، لكننا قمنا بتقليص العدد إلى 9 موظفين لعدم وجود كفاءة لدى البعض، بل أقوم أنا شخصياً بطباعة بعض المراسلات والتقارير التي أرسلها إلى وزارة الخارجية الليبية.

وأود أن أشير إلى أنه في حالة وجود موظفين أكفاء فإن السفارة تحتاج إلى خمسة موظفين فقط، لذلك لا يوجد أي تضخم في عدد العاملين بالسفارة، لأنني منذ البداية اتبعت معايير عند قبول أي مرشح للعمل في السفارة، فكل من جرى ترشيحه، وهو لا يجيد اللغة الإنجليزية أو الفرنسية بطلاقة، رفضت تعيينه.

فقد رفضت ترشيح ملحق ثقافي لعدم وجود عدد كبير من الطلبة الليبيين في هولندا، كما رفضت أيضاً تعيين ملحق عسكري لعدم وجود أي تعاون عسكري مع هولندا.

أما عن المصاعب التي تواجهنا، فأبرزها الأزمة المالية التي تمر بها أغلب السفارات الليبية في الخارج، حيث نبقى لمدة ستة أشهر دون رواتب.
لمطالعة العدد 69 من جريدة «الوسط» اضغط هنا