تجارة الملح تراث مدينة زوارة الاقتصادي

اشتهرت مدينة زوارة في القرن الثاني قبل الميلاد في عهد ماسينيسا وكان اسمها في ذلك العهد «كاساس» بتصدير الملح «تيسنت» كما يسميه سكان المدينة بلغتهم الأمازيغية، وكان جل الاقتصاد مبنيًّا على الملح واستخراج حجر الجير من الأسباخ المجاورة في ذلك الوقت. ما ساعد سكان المدينة على ممارسة هذه التجارة هو موقعها الجغرافي، حيث يحيط بها العديد من الملاحات الكبيرة، فقام سكان المدينة باستغلال هذه الملاحات وبناء سدود لحصر مياه الأمطار وانتظارها حتى تجف وتتحول إلى ملح طبيعي جاهز للاستعمال.

يقول الصادق امحمد معمر تاجر في سوق الملح، من سكان مدينة زوارة، مواليد 1970، يعمل مدرسًا في قطاع التعليم، وانخرط في مجال التجارة من سنة 1996 إلى الوقت الحالي: «كنت في بداية العمل تاجرًا للفواكه في هذه السوق التي كان معظمها يبيع العنب والتين واللوز وغيرها من الثمار التي تزرَع في مزارع المدينة كل في موسمه»، ولكن بعد فترة قصيرة تغير نشاط الصادق التجاري وبدأ يعمل على تجارة الملح كما غير أغلب التجار نشاطهم إلى هذا المجال حتى سمي المكان «سوق الملح».

سوق الملح «أسوق أن تيسنت»
هي عبارة عن مجموعة من الحانات أغلبيتها من الصفيح والخشب المتهالك وبقايا الأثاث القديم يتجمع فيها مجموعة من تجار المدينة لبيع الملح وزيته، بالإضافة لبعض أنواع الثمار أحيانًا، تقع السوق مقابل الملاحة التي يتجمع فيها الملح على الطريق الساحلي عند المدخل الشرقي للمدينة.

في نهاية التسعينات، حسب قول معمر، بدأت المضايقات من قبل الحرس البلدي لغرض إلغاء هذه المهنة حتى نفيت هذه السوق، بداية بنقلها عدة مرات لأماكن بعيدة عن المكان المعروف، ونتيجة لذلك تقلص الإقبال من الوافدين للسوق واستمر الوضع على هذا الحال ثم تحسن قليلًا بعد فترة حين تم العودة إلى المكان المتعارف عليه مجددًا.

«يجب الاهتمام من قبل مسؤولي المدينة بهذه السوق وتجهيزها وإعدادها في نفس المكان ولكن بمظهر حضاري ومنظم، باعتبارها ثروة اقتصادية لبلدية زوارة» هذا ما أوصى به معمر السلطات المحلية.

كيف يجمع الملح؟
بعد موسم هطول الأمطار تتشبع الملاحة بالمياه بشكل كافٍ حتى نهاية فصل الربيع، حيث يبدأ تكوين الملح وتسمى تلك الفترة «فترة التكوين».

وبعدها يتوجه بعض من أهالي المدينة وتجار الملح برفقة عمال لجمع الملح، حيث يتم تقشير الملح من الأرضية باستخدام أدوات حادة، مقتصرين على الطبقة السطحية حتى لا يختلط الملح بالتراب ويتلف أو يستعمل كملح ملوث، ثم يجمع الملح في أكوام ويوضع عليها علامة لمعرفة صاحبها، بعد ذلك يتم تكييس الملح في أكياس إلى أحجام ثم يجري نقلها إلى السوق، حيث قال الصادق: «أنا لا أحصد الملح بنفسي، هناك مَن يقوم بهده الخدمة ونحن التجار نشتري هذه البضاعة الجاهزة لبيعها في السوق، هكذا تتم عملية المتاجرة في الملح».

أثناء حديثنا مع الصادق وصل إلينا رجل جاء ليشتري، وبادر بسؤال عن أسعار الملح، أجابه معمر قائلًا: «الكيس الكبير بخمسة دنانير والصغير بثلاثة».

يونس عون أحد سكان مدينة طرابلس، هو أحد زبائن السوق المعروفين، وهو يتردد على السوق باستمرار منذ فترة طويلة، قال إنه يشتري الملح لاستعماله كملح طعام وأحيانًا يستعمل في زيت الملح لمرض المفاصل الذي يعانيه منذ فترة طويلة.

زيت الملح «أودي أن تيسنت»
يأتي موسم تجميع الزيت في فترة يسميها أهل مدينة زوارة «أوسو»، غالبًا يكون في العشرة الأيام الأولى من شهر أغسطس، حيث يذوب الملح ويرتفع الزيت إلى الأعلى على السطح، بعدها يتم تجميع الزيت وتعبئته في قوارير بلاستيكية، عادة يكون سميكًا للغاية وليست له رائحة ودرجة الملوحة فيه عالية جدًّا، ويستعمل لعلاج أمراض المفاصل والبرد والجروح البسيطة وتشققات الأرجل، حيث قال الصادق «زيت الملح ميزته ينفع ما يضر».

في رأي علماء الطب أن الملح مادة غذائية ودوائية لا يمكن الاستغناء عنها، ولكن يجب ألا نسيء استعماله، وذلك بالإفراط في تناوله ودون رأي طبي، حيث إن حواس الجسم تتأثر بالملح سريعًا فيسبب لها الهيجان والحركة الزائدة، كما يسبب التهاب الأغشية المخاطية للمعدة والأمعاء والأوردة والشرايين وغيرها، كما يتعب الكبد والكليتين والمجاري البولية، ويؤثر في البدينين أكثر من تأثيره في النحفاء. حيث تكثر الرواسب في الدم والبول، وتورم أجفان من يفرطون في تناوله ويجفف جلدهم. والملح كالسكر تمامًا يفيدان ولكن الإفراط في تناولهما يضر أشد الضرر، فعلى الإنسان أن يكون حكيمًا وحذرًا في استعمالهما.

يقول الصادق إن هناك العديد من الزبائن من مناطق مختلفة من ليبيا حيث كان بعضهم من التجار الكبار في البلد لاستعمالهم الملح في العديد من المجالات، على سبيل المثال شركة الكهرباء كانت تأخذ كميات كبيرة من الملح، حيث تستعمل للخطوط الأرضية لتخفيف الصدمة الكهربائية، ويستعمل الملح الملوث «بقايا الملح» لأماكن التجمع الصرف الصحي حتى تُكون طبقة سطحية من الرواسب بحيث يطول عمر الغرفة، ويستعمل أيضًا في أعلاف الحيوانات كعلاج للمعدة ويستعمل كملح للطعام، وعلاج للبرد بحيث يسخن الملح ويوضع على مكان الألم، ويستخدم الملح أيضًا في الأماكن المعرضة لتساقط الثلوج عند وضع الملح يذوب الثلج بشكل سريع وغيرها الكثير.

المزيد من بوابة الوسط