آراء سياسيين ومثقفين ليبيين عن قرار منع السفر دون موافقة أمنية

تواصلت على مدار الأيام الماضية ردود فعل غاضبة لحقوقيين ومثقفين ليبيين إزاء قرار الحاكم العسكري بمنع سفر الليبيين والليبيات من الفئات العمرية بين 18 و45 عامًا إلى خارج البلاد دون موافقة أمنية مسبقة، وهي الخطوة التي أعقبت قراره السابق بمنع سفر الليبيات دون سن الستين من غير محرم.

لمطالعة صفحات العدد 67 من «الوسط» اضغط هنا

وتزامن ذلك مع تخصيص وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في الحكومة الموقتة خطبة صلاة الجمعة لمواجهة التيار الرافض لقرار الحاكم العسكري، وعنونتها بـ«العلمانيين ومحاولتهم إفساد المرأة المسلمة»، وهو ما اعتبره المثقفون «مساسا صارخا بالحقوق، وتكبيلاً غير مبرر للحريات، وعودة غير مسؤولة لقواعد بالية».رئيس اتحاد المنتجين الليبيين للإذاعة والتلفزيون الهادي البكوش أكد أنه لا ينتقد شخصية صاحب القرار لاحترامه الكامل للمسؤولين، وإنما يضع علامات الاستفهام، منها أن القرار الأخير يعد إصلاحًا لقرار رقم 6 الذي سبقه وكان ينص على حظر سفر النساء دون مِحرم حتى سن 60 من العمر، لكن القرار الجديد يحدد من هن دون 45 عامًا، مما يعني استثناء أعمار النساء من 45 إلى 60 عامًا.

وأضاف البكوش «القرار للأسف خص مجموعة بعينها من المدن الليبية ولم ينفتح على بقية المدن، وفي حين قيد ذلك حرية بعض المواطنين، لم ينطبق على مواطنين آخرين، نظرًا لأن الجهة التي أصدرت القرار لا تتحكم في كل منافذ الوطن».

البكوش «القرار للأسف خص مجموعة بعينها من المدن الليبية ولم ينفتح على بقية المدن»

وتابع قائلاً: «القرار يحد من حرية المواطن التي كفلها له الدستور، وذلك لا يعطى الحق لأية جهة في الحد من تلك الحريات. وحتى «إذا افترضنا أن هذه الحرية تمس أمن الوطن من بعض الأشخاص، فكان يفترض في مصدر القرار تحديد أسماء هؤلاء الأفراد، ووضعهم في قائمة استثنائية من دور القضاء ذات الشأن، لتقرر اتخاذ قرار منع السفر من عدمه».

وخلص البكوش إلى أن القرار سيزيد معاناة المواطنين عند السفر فوق معاناتهم في مطارات العالم.بينما يرى الإعلامي عزالدين عبدالكريم أن الأمر برمته فكريا ودينيا وأمنيا لا يستحق النقاش، لأنه «سيقودنا إلى جدال مع الصخر»، ولأنه بالمختصر المفيد ممارسة لـ«عنجهية سلطوية» تتكئ على قوتها في السيطرة، وتُنصب نفسها سلطانا نيابة عن الله من ناحية، وعن الوطن من ناحية أخرى، «في حين أن الأمر لا علاقة له بالله وحاشاه ما يفعلون ويسوقون، والسادة الذين يسوقون حرصهم عن الوطن يدركون تماما لماذا هم يتبنون الأمر، لكنهم يبررون لضغوطات واقعة عليهم، ولا يمكنهم الاعتراف وعليه يحيلون الأمر لعلوم استخباراتية، وفي تبنيهم لهذا المبرر يفضحون جهلهم المدقع بمبادئ العلوم الاستخباراتية».

وأضاف عبدالكريم أن للقرار أبعادًا أخرى غاية في الاستهتار بقيمة المواطن من حيث سحب الاختصاصات الأصيلة لولي الأمر في البيت العائلي، وكان من الأجدر أن تطلب موافقة ولي الأمر الكتابية.المحامية والحقوقية الليبية نيفين عبدالحميد الباح، بدورها اعترضت على القرار لأنه «يمس الحقوق والحريات، مشيرة إلى أن حرية التنقل من الحقوق الأصيلة للإنسان التي نصت عليها التشريعات الوطنية، وأكد عليها الإعلان الدستوري الليبي. الأكثر من ذلك تأكيد اتفاق الصخيرات على تلك الحقوق، كما أنه يندرج ضمن المواد التي نص عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في العام 1948».

أما الأستاذ المتقاعد زهرة الترهوني فانضمت هي الأخرى إلى المعارضين للقرار، مؤكدة أنه «يحض على الجور والتعسف وتقييد حرية المرأة، خاصة في الحالات الاضطرارية مثل السفر الطارئ للعلاج أو الحج». واستشهدت على رجاحة رأيها بموقف المذهب المالكي، وقالت: «إنه يبيح لمن لا مِحرم لها السفر في عصبة نساء لأداء فريضة الحج والعمرة».

ويعارض عمران عمر عمار، موظف بشركة طيران، القرار، قائلاً: «العالم تجاوز القواعد البالية التي تحد من التنقل وتعيق تطوره. أنا أعرف كثير الفتيات اللواتي تحصلن على قرارات إيفاد ولم يقمن بتنفيذها لأنه لا يوجد لهن مِحرم، فضاعت أحلامهن بطبيعة الحال».الكاتب الصحفي إبراهيم فرج وصف القرار بأنه «تراجعي»، يهدف فقط إلى حفظ ماء الوجه، لاسيما في ظل القرار السابق بشأن عدم سفر المرأة دون محرم. رغم ذلك فالقرار في حد ذاته معيب جدًا. وتساءل: «كيف يحدد السفر من حيث المنح أو المنع من خلال الفئة العمرية للمسافر، فإن كان المنع لدواعٍ أمنية وفقًا للادعاءات فيجب أن يشمل كافة الفئات العمرية، خاصة أن الإخلال بالأمن لا يقتصر على فئة عمرية بعينها».

الباحثة في الحقوق المدنية، أحلام بن طابون، تؤكد أن ترجمة القرار تعني سلب الحقوق والحريات، فضلًا عن مخالفته الإعلان الدستوري الذي يضمن للمواطن حرية التعبير والتنقل، كما يخالف المادة 13 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، إذ تنص تلك المادة على: (1) لكل فرد حرية التنقل واختيار محل إقامته داخل حدود كل دولة. (2) يحق لكل فرد أن يغادر أية بلد بما في ذلك بلده كما يحق له العودة إليه.وقالت بن طابون: «حتى لو كان الموضوع له علاقة من ناحية الأمن، فأنا كمواطنة أولاً، وباحثة في حقوق المدنية ثانيًا، أتمنى تأسيس دولة قوية تحافظ على أمنها القومي، لكن ذلك لن يتحقق في نظري بهذه الطريقة التعسفية، إذ ينبغي أولًا تنشيط عمل الاستخبارات العامة والأمن الداخلي والخارجي، أو تكون هناك دلائل قطعية واضحة ومنطقية لا تقارير كيدية».

من جانبها قالت فطيم محمد بن سعيد، مدرسة، إن قرار الحصول على الموافقة الأمنية يعتبر إذلالاً وتضييق خناق وإجراءات روتينية لا مبرر لها، وأضافت: «أنا ضد محاصرة المرأة بهذا القرار التعسفي، حيث أنه يضع المرأة في دائرة الشك، ويرجع بنا إلى عهود الحرملك، خصوصًا في ظل حال البلاد الراهن، حيث أضحى تعداد الأرامل والأيتام في ارتفاع، ومع تعذر العلاج وسوء العناية الصحية وكذا التعليم، ما يستدعي السفر إلى دول الجوار، وفي حين برر الناظوري القرار الأول الذي يمنع المرأة من السفر دون مِحرم بحماية المرأة من الاختراق، إلا أن القرار ذاته ينطوي على استثناء لعضوات البرلمان والدبلوماسيات اللاتي يكلفن بمهام للدولة في الخارج، وهؤلاء هن من يحملن أسرار الدولة ويمثلنها، وهن أكثر عرضة للاختراق وهدف قائم للعدو».أما الإعلامية حنين أبوشوشة فتقول «أنا ضد التعديل الذي طرأ على القرار بمنع الجنسين إلا بموافقة أمنية، لأن القرار في شكله الأول يمثل انتهاكًا للحريات والحقوق الأساسية، وكذلك يخالف الإعلان الدستوري، وكل المواثيق والمعاهدات الدولية، ولأن الأسباب التي استند إليها القرار خوفًا من استقطاب المرأة من أجهزة مخابرات دول أخرى، أعتقد أن العذر في حده ذاته إهانة للمرأة الليبية، ولما قدمته في هذه المرحلة بالذات من دعم للحرب ضد الإرهاب، وإن كان هناك خيانة وتهم حقيقية فكان يجب على الجهات المعنية تقديم ما لديها أمام الجهات المختصة من قضاء ونيابة، لمحاكمة من تورطوا في هذه القضايا سواء كان رجلاً أو امرأة».

وأضافت «المرأة إنسان ومواطن مثلها مثل الرجل... وأعتقد أن تفعيل منظومة الجوازات والتدابير الأمنية كافية وتغني عن طوابير أمام الجهات المعنية بالموافقة على السفر».

العبيدي: «صدور القرار في حد ذاته مشكلة أو بالأحرى أثار مشاكل».

وترفض الحقوقية فريدة الزليطني القرارين المتعلقين بالسفر واعتبرتهما تعديًا على حق من حقوق الإنسان، التي يضمنها الدستور الملكي مرورًا بالإعلان الدستوري، والاتفاق السياسي ومشروع الدستور الذي لم ير النور.فيما عارض الإعلامي أحمد العيساوي القرار، مشيرًا إلى أنه «يضع وجه المرأة الليبية بالوحل أمام باقي دول العالم، خاصة أن المرأة الليبية هي الأم والأخت والعمة والخالة والجارة والصديقة والزميلة والزوجة». ويؤكد الممثل جمال محمد أنه يجب أن «نفهم لماذا هذا القرار، حسب ماعلمنا لأسباب أمنية وليست دينية، إذا تم ضبط حالات تم تجنيدها وتسخيرها ضد الوطن فأنا مع القرار، ولكن قد تخرج أي أخت صحبة محرم وتخون بلادها وأهلها، وقد تخرج أخت بمفردها وتكون عفيفة شريفة. الخلل في التأسيس والتربية وحب الوطن».

بينما يقول الشاعر والممثل المسرحي أحمد العبيدي إن «صدور القرار في حد ذاته مشكلة أو بالأحرى أثار مشاكل، لأننا في الأساس بليبيا نحرص على سفر المرأة بمحرم بغض النظر عن أي فكر أو توجه، لكن صدور قرار بذلك من الحاكم العسكري في ظل هذه الظروف وبحجة أمنية، يعد قرارًا معيبًا، وعلى الحاكم العسكري الاهتمام بالأمور الكلية وليست الجزئية».
لمطالعة صفحات العدد 67 من «الوسط» اضغط هنا

المزيد من بوابة الوسط