«17 فبراير» .. الدروس والنتائج في دراسة لـ «الناتو»

قالت ورقة بحثية أعدتها شعبة الأبحاث بكلية الدفاع التابعة لحلف شمال الأطلسي «ناتو» «إن الأزمة في ليبيا غذت أزمة أمنية أوسع في منطقة الساحل والصحراء الأفريقية، وسط تخوفات وسائط أوروبية من انتقال العنف والاضطرابات إلى داخل أوروبا نفسها، خاصة أن منطقة شمال أفريقيا تعد الحدود الجنوبية الحقيقية للقارة الأوروبية».

وأكدت الورقة البحثية التي تناولت الأوضاع الأمنية في ليبيا ومنطقة شمال أفريقيا وتأثيرها على أمن القارة الأوروبية، أن الأمن في المنطقة من أولويات القارة، وليس من المخاوف الهامشية لأوروبا، مقارنة بباقي منطقة الشرق الأوسط، مشيرة إلى أن ساحل البحر المتوسط الجنوبي يمثل الحدود الجنوبية الحقيقية لأوروبا.

الأزمة في ليبيا غذت أزمة أمنية أوسع في منطقة الساحل والصحراء الأفريقية

وجاءت الهجمات الأخيرة التي شهدتها فرنسا وألمانيا وبلجيكا لتثبت الطبيعة المتداخلة لأمن كل من جنوب وشمال البحر المتوسط، فمعظمها نفذها أشخاص من أصول عربية من شمال أفريقيا، تم تجنيدهم للانضمام إلى صفوف «داعش» في سورية.

وحول الوضع داخل ليبيا، تحدثت الورقة عن تفكك الجيش الوطني خلال الحرب التي تلت الثورة في 17 فبراير 2011، وظهور عشرات المجموعات المسلحة، وقالت: «من المستحيل تقريباً دمج جميع تلك المجموعات في بناء عسكري موحد يدعم السلطة المدنية».

ورأت أن «حكومة الوفاق الوطني تواجه مأزقاً لتشكيل قوة عسكرية موحدة يتمثل في رفض التشكيلين العسكريين الأكبر الاندماج في قوة موحدة، في إشارة إلى (عملية الكرامة) وعملية (فجر ليبيا)».

وحظيت حكومة الوفاق منذ تشكيلها بدعم واعتراف دولي واسع، إذ رأت القوى الغربية أن تشكيل حكومة موحدة في ليبيا سيفتح الباب أمام تدخل خارجي للتعامل مع أزمتي الهجرة غير الشرعية والإرهاب.
وتمثل أزمة الهجرة من شمال أفريقيا، وبشكل خاص من ليبيا، بعداً آخر للمخاوف الأمنية الأوروبية، وهي الأزمة التي نتجت ليس فقط عن الحرب الأهلية في سورية، لكن أيضاً عن الحروب والفقر في منطقة الصحراء بأفريقيا، وتغذت على الأزمة الأمنية والسياسية الراهنة في ليبيا.

وتطرقت الورقة أيضاً إلى العلاقات الاقتصادية بين أوروبا ودول جنوب البحر المتوسط، ولفتت إلى ترابط المسارين الاقتصادي والسياسي لدول أوروبا، وقالت إن السياسات الأوروبية نحو منطقة جنوب البحر المتوسط اقتصادية بطبيعتها لكنها تهدف بالأساس إلى تعزيز الأمن الإقليمي، إذ تعتقد أوروبا أن تحسين الأوضاع الاقتصادية في تلك المنطقة يقضي على دوافع الهجرة إليها، وبالتالي تحسين النظام الاجتماعي الأوروبي.

وفي ظل التغيرات السياسية التي شهدتها دول المنطقة منذ ثورات الربيع العربي العام 2011، رأت الورقة البحثية أنه لم يعد متاحاً للولايات المتحدة وحلفائها من القوى الغربية وحدها تحديد الخيارات السياسية المتاحة لدول منطقة شمال أفريقيا دون الأخذ في الاعتبار توجهات قوى دولية أخرى مثل روسيا والصين، فروسيا أظهرت اهتماماً متزايداً بمنطقة شمال أفريقيا خلال 2016، والصين تربطها علاقات اقتصادية قوية مع دول المنطقة، لكن تبقى الولايات المتحدة وأوروبا هما الضامن الأمني الأول لدول المنطقة. وبالنسبة للولايات المتحدة، فإن الأمن البحري في البحر المتوسط هو العامل الأهم، رغم مخاوفها حول المجموعات المتطرفة في ليبيا ومنطقة الساحل.

السياسات الأوروبية لم تسهم كثيراً في تحسين الأمن بدول الربيع العربي أو حتى ضمان حماية مصالحها

ومثلت ثورات الربيع العربي، أو كما وصفتها الورقة بـ«الصحوة العربية»، اختباراً للسياسة الخارجية والأمنية المشتركة للاتحاد الأوروبي، إذ غيرت النظام السياسي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأسفرت عن تغيرات كبيرة في ميزان القوى. وبدأت التعددية القطبية في تأكيد نفسها في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

ورأت الورقة أن السياسات الأوروبية نحو دول الربيع العربي لم تسهم كثيراً في تحسين الأمن في منطقة جنوب البحر المتوسط أو ضمان حماية مصالحها بالمنطقة، وجاءت السياسات الأوروبية غير ذات صلة بالمخاوف الأمنية والأزمة الاقتصادية التي تواجهها دول جنوب «المتوسط».

وكان من المتوقع من أوروبا والمجتمع الدولي الانخراط بشكل أكثر جدية مع دول الربيع العربي، خاصة ليبيا ومصر وتونس، عن طريق تقديم مساعدات اقتصادية وسياسية، لكنها اكتفت بتقديم دعم سياسي ومالي محدود لا يتناسب مع التغيرات الكبيرة التي شهدتها الدول الثلاث.

وكان صندوق النقد الدولي قال إن دول الربيع العربي تحتاج نحو 225.7 مليار دولار مساعدات خارجية لتعويض الخسائر الاقتصادية الناتجة عن ثورات الربيع العربي والأزمة المالية العالمية. وقال مصرف «إتش إس بي سي» بالإمارات إن التكلفة المباشرة للربيع العربي تبلغ 800 مليار دولار.

وقدمت دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ودول مجموعة الثمانية و«شراكة دوفيل» مساعدات بقيمة 11 مليار دولار، فيما قدم صندوق النقد الدولي 6.58 مليار دولار، مقارنة بـ16 مليار دولار قدمتها دول الخليج إلى مصر فقط خلال العامين 2013 و2014.
الأزمة في ليبيا
تحدثت الورقة البحثية بشكل مفصل عن الأزمة الليبية، وذكرت أن الوضع في ليبيا جاء نتيجة مباشرة لأحداث الربيع العربي، ورفض نظام معمر القذافي الموافقة على طلبات المتظاهرين، خاصة في برقة. لكن، كما هو الحال في سورية، تنبع الأوضاع الراهنة داخل البلاد من ثلاثة عوامل رئيسية عقب 2011، هي طبيعة حكم نظام القذافي، الذي اعتمد على «الأهواء الشخصية»، وتفكك الجيش الليبي خلال الحرب وتشكل عشرات المجموعات المسلحة، وانهيار الدولة مع اختفاء النظام لغياب مؤسسات حكومية فعالة تستطيع إدارة الدولة.

الدول التي خططت لتغيير نظام القذافي لم تتحمل مسؤولية عواقب قراراتها واختارت تجاهل الأحداث أو دعمت الأطراف التابعة لها

ولفتت الورقة إلى استحالة دمج المجموعات المسلحة التي ظهرت عقب 2011 في قوة موحدة تكون نواة جيش ليبي وطني يدعم السلطة المدنية، مع ظهور تحالفين عسكريين متنافسين، أحدهما يعارض جميع القوى الإسلامية في الدولة، في إشارة إلى عملية «الكرامة» والآخر يدعم المجموعات الإسلامية الوسطية، في إشارة إلى عملية «فجر ليبيا»، وكلاهما يضغط من أجل إعادة تشكيل الدولة لتكون «دولة فيدرالية وليست موحدة».

ورأت أن «حكومة الوفاق الوطني لم تتمكن من إنشاء قوة عسكرية موحدة تستطيع من خلالها فرض إرادتها وشرعيتها»، وأشارت إلى المأزق الذي تواجهه الحكومة من أجل تشكيل قوات موحدة وقالت: «رغم دعم مجموعات مصراتة الرئيسية لها، لا تستطيع الحكومة إقناعهم بالاندماج مع قوات (عملية الكرامة) في بناء عسكري موحد، وفي المقابل لن توافق القوات الموالية للمشير خليفة حفتر على الاتفاق المدعوم من الأمم المتحدة دون تعيينه قائداً لعاماً للقوات المسلحة».

وعزت الورقة البحثية سرعة انهيار الدولة في ليبيا عقب سقوط القذافي إلى غياب وجود مؤسسات حكومية فعالة تستطيع إدارة الدولة عقب اختفاء النظام الحاكم، وقالت إن معمر القذافي حول الدولة إلى «جماهيرية» زاعماً أنها الصورة الأمثل للديمقراطية، وبالتالي لم يتقبل أية معارضة، واقتصر دور المؤسسات الحكومية على خدمة النظام فقط، ولهذا كانت النتيجة انهيار الدولة نفسها فور انهيار النظام الحاكم، وكانت المؤسسة الوطنية للنفط والمصرف المركزي المؤسستين الوحيدتين اللتين حافظتا على تواجدهما خلال الحرب الأهلية التي اشتعلت منذ العام 2011، ونجحتا في تفادي الانخراط في الصراعات السياسية.
وانتقدت أيضاً القوى الغربية التي شاركت في العملية العسكرية العام 2011، وقالت: «إن الوضع الحالي في ليبيا ينبع أيضاً من عدم رغبة القوى التي خططت لتغيير النظام لتحمل مسؤولية عواقب قراراتها. فتلك الدول اختارت إما تجاهل تطور الموقف، أو دعم الأطراف التابعة لهم فقط، وبالتالي زيادة انقسام المشهد السياسي بعد رحيل القذافي».

انهيار الأمن بعد الثورة يعود إلى طبيعة نظام القذافي وتفكك الجيش وعشرات المجموعات المسلحة وغياب مؤسسات حكومية فعالة

ولفتت الورقة إلى بعد إقليمي آخر للأزمة، يتمثل في الدعم الذي توفره دول إقليمية لأطراف بعينها في ليبيا، فقائد الجيش الليبي المشير خليفة حفتر يحظى بدعم الإمارات ومصر، وفي الغرب تحظى مجموعات طرابلس ومصراتة بدعم قطر. ونتيجة لذلك، رأت الورقة البحثية أنه من المستحيل تقريباً تحقيق توافق بين التحالفين العسكريين الأكبر في ليبيا، «عملية الكرامة» و«فجر ليبيا»، لتشكيل جيش وطني موحد. ويتمحور الصراع حالياً بين ثلاث حكومات تتنافس جميعها على الشرعية، وتنقصها قوة عسكرية موحدة لتحقيق نصر عسكري حاسم.

وتحدثت الورقة عن «تهديد مزدوج» ينمو داخل ليبيا، مشيرة إلى تهديد المجموعات المتطرفة وظهور مجموعات مثل «أنصار الشريعة» وتنظيم «القاعدة» عقب ثورة 2011، مروراً بظهور تنظيم «داعش»، وقالت إن ظهور «داعش» السريع في ليبيا أزعج أوروبا، ليس فقط خوفاً من انتقاله إليها، لكن أيضاً خوفاً من التهديد الذي يمثله على الحكومة الوليدة في تونس، خاصة عقب سلسلة من الهجمات شنها مقاتلو التنظيم داخلها.

وتزامن ذلك مع زيادة تدفق المهاجرين عبر سواحل ليبيا وتزايد نشاط الشبكات الإجرامية وشبكات تهريب المهاجرين، مما دفع القوى الدولية للتحرك لحل الأزمة السياسية في ليبيا.

وتطرقت الورقة البحثية أيضاً إلى الصراعات التاريخية بين الأقاليم في ليبيا، وذكرت أن إقليم برقة كان دائماً معارضاً لنظام معمر القذافي، بسبب الانقلاب العسكري العام 1969 الذي أوصله إلى السلطة، الذي عكس النموذج التقليدي للسلطة. فالانقلاب العسكري أتى بقبائل من وسط ليبيا وجنوبها إلى السلطة، بعد أن كانت خاضعة لحكم السنوسي الملكي بين العامين 1951 و1969، المعتمد على قبائل برقة.
ونتج ذلك عن تهميش منطقة ساحل طرابلس، خاصة القبائل في طرابلس ومصراتة، وبالتالي زيادة العداوة بين المجتمعات الرئيسية في الشرق والغرب للنظام الجديد.

وتحدثت أيضاً عن ثلاث حوادث شهيرة، قالت إنها تسببت في زيادة السخط بين الأقاليم ونظام القذافي الحاكم، أولاهما مقتل أكثر من 1200 سجين في معتقل أبو سليم العام 1996، معظمهم من أفراد «الجماعة الليبية المقاتلة»، من برقة، عقب احتجاجات موسعة ضد الأوضاع داخل المعتقل.

والحادثة الثانية هي إصابة نحو 413 طفلاً بمرض الإيدز داخل أحد مستشفيات بنغازي، نهاية التسعينات، بسبب ضعف الالتزام بمعايير النظافة، واتهم نظام القذافي طبيباً فلسطينياً وخمس ممرضات بلغاريات في القضية، وتم سجنهم وتعذيبهم قبيل ترحيلهم من ليبيا.

أزمة الهجرة غير الشرعية من شمال أفريقيا تمثل بعداً آخر للمخاوف الأمنية في أوروبا.. وتغذت على الأزمات السياسية والأمنية في ليبيا

والثالثة كانت العام 2006، وكانت عبارة عن صور انتشرت في الإعلام لبرلماني إيطالي يرتدي قميصاً يحمل رسوماً مسيئة للرسول، صلى الله عليه وسلم، تسببت في أعمال شغب وتظاهرات في بنغازي تعامل معها الأمن ونتجت عن مقتل عدد من المتظاهرين.

وتزامنت تلك الأحداث مع تغير داخل نظام معمر القذافي، حيث بدأ نجل القذافي، سيف الإسلام، خطوات مبدئية لتحديث الدولة والنظام وتخطي العزلة الدولية لليبيا. وقرر النظام وقتها الانفتاح قليلاً إلى المطالب الشعبية.

وذكرت الورقة أن قرار بعض القوى الغربية مثل بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة وقطر والإمارات إطاحة معمر القذافي واستبدال النظام في ليبيا، جاء نتيجة السمعة التي اكتسبها النظام الليبي من دعمه أنشطة عارضتها تلك الدول واعتبرتها تهديداً للاستقرار والأمن الدولي.

علاقات اقتصادية
وبلغة الأرقام، تظهر أهمية منطقة البحر المتوسط بالنسبة للتجارة الدولية، ففي العام 2003 على سبيل المثال، عبرت نحو 20 ألف سفينة البحر المتوسط، وعبرت 61 ألف سفينة خلال مضيق جبل طارق، وعبرت 14500 سفينة عبر قناة السويس، وعبرت 42 ألف سفينة بين البحر المتوسط والبحر الأسود عن طريق بحر مرمرة ومضيق البوسفور.

وتوضح الإحصاءات التجارية مدى اعتماد منطقة المغرب العربي على أوروبا اقتصادياً. ففي العام 2012، مثلت التجارة التونسية مع دول الاتحاد الأوروبي 56% من إجمالي تجارتها الدولية، وبلغت التجارة الجزائرية مع دول الاتحاد 50% من إجمالي تجارتها، وفي المغرب 44% من إجمالي أنشطتها التجارية بالعام نفسه، وذلك بالمقارنة مع دول أخرى بالمنطقة مثل تركيا (32%) ومصر (23%) ولبنان (27%).

حكومة الوفاق الوطني أمام مأزق مع رفض أكبر تشكيلين مسلحين الاندماج في مؤسسة عسكرية موحدة

ودائماً ما عُنيت دول أوروبا بتنمية المسار الاقتصادي لتعزيز الأمن، ولهذا طرحت مبادرات عديدة لمواجهة الإرهاب والتهريب والجريمة المنظمة بالشراكة مع دول شمال أفريقيا، وسعت لتعزيز علاقاتها التجارية مع دول المغرب العربي ودول جنوب البحر المتوسط عن طريق إبرام اتفاقات تجارية وروابط اقتصادية أتاحت الدخول الحر لبعض المنتجات الصناعية من دول جنوب البحر المتوسط إلى الأسواق الأوروبية، وتهدف السياسات الاقتصادية الأوروبية العامة إلى تحسين الوضع الاقتصادي لدول المنطقة وبالتالي القضاء على أسباب الهجرة إلى أوروبا.

وأقامت أوروبا برنامجاً للشراكة الأورومتوسطية لتحفيز التنمية الاقتصادية وتعزيز المنافسة بين القطاعات الصناعية في دول المنطقة وأوروبا، لكن الشراكة لم تؤتِ ثمارها المرجوة، وأبدت دول شمال أفريقيا استياءها من العملية التي تقع برمتها تحت إدارة المفوضية الأوروبية.

المزيد من بوابة الوسط