من وراء أزمة ارتفاع سعر الدولار؟.. الخبراء يجيبون

*أكاديمي ليبي: أزمة الدولار «مفتعلة» في ظل امتلاك ليبيا 150 مليار دولار واحتياطي ذهب
*عبدالحفيظ الدايخ: الاعتمادات الوهمية وزيادة ثمن الواردات وتدني سعر النفط وهبوط كمية إنتاجه
*المنصوري: انهيار المنظومة الجمركية والمصرفية وارتفاع مصاريف الدولة الوظيفية وغياب سياسات المركزي وتهريب النقذ الأجنبي

لا تزال العملة المحلية تواجه اختبارًا صعبًا أمام الدولار الأميركي، في ظل موجات من الصعود والهبوط المتأثرة في الأغلب بالأخبار المتداولة أو القرارات التي تتخذها المؤسسات الاقتصادية، كان آخرها إعلان المصرف المركزي في طرابلس عن بيع العملة الأميركية للمواطنين بالسعر الرسمي ليوم الشراء بقيمة 400 دولار لكل فرد اعتبارًا من الأربعاء الماضي.

وفيما تعكف المؤسسات الاقتصادية على دراسة حزمة سياسيات اقتصادية قالوا إنها ستعمل على الهبوط بالدولار إلى مستويات سابقة، فإن سعر الدولار تذبذب خلال الأسبوع الماضي بشكل متسارع؛ تأثرًا بقرار المصرف المركزي بشأن فتح اعتمادات بنكية، بالتزامن مع مقترحات ديوان المحاسبة بمعالجة الوضع الاقتصادي، فيما جاء تذبذب الأسعار وفق طبيعة التعاملات في السوق السوداء، ومكان البيع والشراء.

خبراء واقتصاديون ليبيون تحدثوا عن جملة من العوامل التي تدفع العملة الأميركية للارتفاع أمام الدولار، معتبرين في المجمل أن الاعتمادات الوهمية وزيادة ثمن الواردات وتدني سعر النفط وهبوط كمية إنتاجه، فضلاً عن انهيار المنظومة الجمركية والمصرفية وارتفاع مصاريف الدولة الوظيفية، وغياب سياسات المركزي، وتهريب النقد الأجنبي، تُشكّل جميعًا جزءًا كبيرًا من أزمة ارتفاع سعر الدولار.

الأشهر الأخيرة أظهرت المؤشرات تراجع قيمة العملة الليبية بنسبة 50% مقابل العملة الأميركية بالسوق السوداء

وخلال الأشهر الأخيرة أظهرت المؤشرات تراجع قيمة العملة الليبية بنسبة 50% مقابل العملة الأميركية بالسوق السوداء خلال ثمانية أشهر، بعدما تخطى الدولار حاجز 7 دينارات نهاية الشهر نوفمبر الماضي، مقارنة بـ3.6 دينارات نهاية مارس 2016.

اقرأ أيضًا: 4 حلول لخفض سعر الدولار أمام الدينار

من جانبه اعتبر الدكتور جبريل العبيدي الباحث والأكاديمي الليبي أن أزمة ارتفاع سعر الدولار أمام العملة المحلية «مفتعلة»، بالنظر إلى حقائق وأرقام على أرض الواقع، حيث عقد مقارنة بين أوضاع أربعة بلدان عربية هي ليبيا ومصر وتونس والمغرب تتباين فيها سعر العملة الأميركية.

العبيدي:سيطرة جماعة الإخوان في تونس كشريك في الحكم، والمغرب كرئيس للحكومة، بينما سقوطهم في مصر وليبيا يرجح أن أزمة الدولار في البلدين الأخيرين «مفتعلة»

وقال العبيدي إن «ليبيا التي تمتلك رصيدًا يتجاوز 150 مليار دولار واحتياطي ذهب، ينحدر دينارها أمام الدولار بينما تونس التي لا تحتكم إلا على 10 مليارات احتياطي يصمد الدينار التونسي أمام الدولار»، لافتًا إلى عدم وجود تبرير اقتصادي وفق أي معيار أو مؤشر، بل تجاوزت الأزمة التحليل الاقتصادي، وعدم تجاهل سيطرة جماعة الإخوان في تونس كشريك في الحكم، والمغرب كرئيس للحكومة، بينما سقوطهم في مصر وليبيا يرجح أن أزمة الدولار في البلدين الأخيرين «مفتعلة».


أما طاهر الجياش، أحد المتخصصين الماليين من البيضاء، فقد أشار إلى أنَّ سعر الدولار يتأثر غالبًا بالأخبار أو القرارات على غرار التراجع المفاجئ في سعر الدولار بعدما تحدث خالد شكشك رئيس ديوان المحاسبة عن صرف 2000 دولار سنويا لكل كتيب قبل أن يرتفع مرة أخرى بعد نفي الصديق الكبير للخبر.

تدني سعر النفط
عضو المؤتمر الوطني السابق ورجل الأعمال عبدالحفيظ الدايخ، أشار إلى أن التهريب بواسطة الاعتمادات الوهمية أو زيادة القيمة في ثمن الواردات، يعتبر على رأس أسباب هبوط الدينار أمام الدولار، لكنه استطرد بأن السبب الأهم هو تدني سعر النفط، وهبوط كمية إنتاجه، مما ألحق أكبر الضرر بالاقتصاد الليبي.

وقال ضو المنصوري، عضو الهيئة التأسيسية للدستور، إن ارتفاع سعر الدولار مرتبط بالأوضاع العامة التي تعيشها ليبيا من جميع النواحي السياسية والاقتصادية والأمنية والدستورية، لافتًا إلى أن غياب سلطة الدولة رغم تعدد السلطات، ساهم بشكل كبير في الوصول إلى هذه النتائج، التي بدأت بقفل الحقول النفطية، وقفل صمامات بعض الحقول.

وتوقف الإنتاج في أغلب المشاريع التي أقامها النظام السابق كمشاريع الإنتاج الزراعي والدواجن والأبقار والتهريب علنًا وسرًا للنقد الأجنبي

وأشار إلى أن أزمة إنتاج النفط الذي يُشكل عصب الحياة الاقتصادية، وتوقف الإنتاج في أغلب المشاريع التي أقامها النظام السابق كمشاريع الإنتاج الزراعي والدواجن والأبقار والتهريب علنًا وسرًا للنقد الأجنبي والذهب عبر المطارات والحدود البرية، شكّل جزءًا من أزمة ارتفاع سعر الدولار.

وأردف أن «تفشي الجريمة المنظمة وائتلاف عصابات سرقة المال العام على مستويات وأنماط مختلفة كانت السبب الرئيسي في ارتفاع سعر الدولار»، معتبرًا في الوقت نفسه أن انهيار المنظومة الجمركية والمصرفية ساهم بشكل فعال في استنزاف الميزانية من خلال فتح الاعتمادات المستندية الوهمية، وارتفاع مصاريف الدولة الوظيفية في ظل غياب سياسات مصرف ليبيا المركزي الذي يعتبر المسؤول الأول عن رسم السياسات النقذية.

المصرف المركزي تحت المجهر
واتهم المنصوري المصرف المركزي قائلاً: إنه «أصبح جزءًا رئيسيًا من منظومة الفساد والتهريب»، وقال إن إرادة المجتمع الدولي تتفق على تدمير ليبيا من خلال ترهل العملية السياسية والتدخل في مشروع الدستور من خلال بعثة الأمم المتحدة، وشبه الوضع بأنه «يشكل إعادة لسيناريو العراق الذى أمضى ثلاثة عشر عاماً وما زال يراوح بين الحروب والفقر والتهجير والفساد وأصبح مشروع الدولة العراقية المستقلة مشكوكاً فيه، وستعقِبه ليبيا والحبل على الجرار».

وتوقع أن يزداد صعود سعر الدولار حال استمر ما وصفه بـ«تحالف المافيات السياسية» التي سيطرت على المشهد العام والمافيات الميليشياوية والقبلية، معتبرًا أن المواطن بات ضحية الخلافات السياسية والأمنية.

غير أن نوري السعيد، الخبير الاقتصادي، عدّد أسباب الارتفاع المتصاعد للدولار، مستشهدًا بحديث محافظ المصرف المركزي في البيضاء علي الحبري حين قال إن 200 تاجر يتحكمون في الاقتصاد الليبي، فيما أضاف السعيد عاملاً آخر يتمثل في تعدد الحكومات وانتشار الفساد الذي يضرب مؤسسات الدولة، فضلاً عن غياب الأجهزة الرقابية.

في حين لاحظ الإعلامي خالد الذيب أن مجرد إجراء بسيط تم في الشرق الليبي جعل قيمة الدينار ترتفع بسرعة وبمقدار ملحوظ، أكد أنه بالإمكان إعادة الدينار إلى وضعه السابق أو قريبًا منه، غير أنه اتهم أطرافًا سماها «الدولة العميقة» بأنها «مستفيدة من هذا الوضع فتمنع كل تحسن لحالة الدينار الليبي المريض».

«لو كان يتحكم في اقتصاد ليبيا تجار تهمهم مصلحة الوطن لما كان وصل الدولار إلى هذا المستوى»

المواطن عبدالمولى الدويلي حمّل الأزمة إلى التجار حين قال: «لو كان يتحكم في اقتصاد ليبيا تجار تهمهم مصلحة الوطن لما كان وصل الدولار إلى هذا المستوى فمن يتحكم في اقتصاد ليبيا (دواعش المال) وليس لصوص المال العام»، على حد وصفه.

وعلى الرغم من استئناف البلاد التصدير عقب استئناف الصادرات من منطقة الهلال النفطي، لكنّ العملة الأميركية واصلت الارتفاع أمام الدينار خلال الفترة الماضية؛ مما أحدث جدلاً واسعًا حول من يتحمل مسؤولية انهيار العملة المحلية، سواء سياسيات نقدية أم إجراءات اقتصادية أم خلافات سياسية، غير أن كثيرين لا يستبعدون مسؤولية الصراع الراهن الذي تشهده البلاد على هذه الأزمة.

ويشكل الواقع الاقتصادي وأزمة السيولة ضغطًا على سعر العملة المحلية التي تواصل التراجع أمام العملة الأميركية، في ظل محدودية الموارد التي يشكل النفط مصدرًا رئيسيًّا لها، فضلاً عن الانقسام السياسي وانسداد عملية التوافق والحرب ضد الإرهاب.

وخلال الأشهر الأخيرة، أظهرت المؤشرات تراجع قيمة العملة المحلية الليبية بنسبة 50% مقابل العملة الأميركية بالسوق السوداء خلال ثمانية أشهر، بعدما تخطى الدولار حاجز 7 دينارات نهاية الشهر نوفمبر الماضي، مقارنة بـ3.6 دينارات نهاية مارس.