الأزمة الليبية بين أيدي اللاعبين الدوليين

قالت مصادر دبلوماسية لـ«الوسط» إن مناورات دبلوماسية أوروبية انطلقت أخيرًا لإنقاذ مذكرة التفاهم «الإيطالية - الليبية» على خلفية السعي لانتزاع توافق دولي وإقليمي لحلحلة الأزمة الليبية، في مساقٍ يبدو فيه الحراك السياسي بشأن الأزمة الليبية منحصرًا خلال الأيام الأخيرة بين أيدي اللاعبين الدوليين، دون ظهور ملامح مبادرة واضحة لحل هذه الأزمة.

يسعى جنتيلوني إلى تجنب ظهور تصدع في هذه المرحلة «الحساسة»

ويجري رئيس وزراء إيطاليا، باولو جنتيلوني، محادثات في لندن مع رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي، اليوم الخميس، وسط توقعات بأن يخيم عليها بشكل رئيس مستقبل التعامل مع المجلس الرئاسي في ليبيا، بعد أن أبدت عدة عواصم أوروبية من بينها بريطانيا اهتمامًا صريحًا بإحداث تقارب بين أطراف الأزمة في كل من شرق وغرب ليبيا، وفق ما جاء على لسان وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون، الاثنين الماضي في بروكسل، فيما اعتبره الدبلوماسيون أولى خطوات انفتاح لندن على قائد الجيش الليبي المشير خليفة حفتر.

مخاوف أوروبية
ويسعى جنتيلوني، وفق مصادر متابعة للملف الليبي، إلى تجنب ظهور تصدع في هذه المرحلة «الحساسة» على الجبهة الأوروبية بشأن إدارة الملف الليبي في وقت تتصاعد فيه خشية الاتحاد الأوروبي من انفراد روسي - أميركي مرتقب بهذا الملف.

وفي السياق نفسه تتوجه الممثلة العليا للسياسة الخارجية الأوروبية، فيديريكا موغيريني، إلى واشنطن للاجتماع مع ميشيل فلين مستشار الأمن القومي وياراد كوشنر (صهر الرئيس دونالد ترامب ومستشاره) ومسؤولين آخرين، في أول اتصال رسمي بين المسؤولين الأميركيين والأوروبيين منذ وصول ترامب للبيت الأبيض.

ولم تنتظر موغيريني زيارة نائب الرئيس الأميركي، مايك بينس، يوم 19 فبراير الجاري، وفضلت التوجه إلى العاصمة الأميركية لبحث مسائل يعتبرها الأوروبيون ملحة وفي مقدمتها الأوضاع في ليبيا وسورية.

لمطالعة العدد 64 من جريدة الوسط، إضغط هنا

وأشرفت موغيريني، أمس الأربعاء، في العاصمة المالطية فاليتا على تخريج دفعة من خفر السواحل الليبيين يناهز عدد أفرادها «ثمانين» في رسالة أوروبية واضحة على جدية تعامل الاتحاد في خطته لمساعدة ليبيا في مهمة التصدي للهجرة غير الشرعية.

ومع ما أثارته مذكرة التفاهم التي اعتمدها الاتحاد الأوروبي من تساؤلات، لاسيما بعد أن انتقدتها الأمم المتحدة ومنظمات الدفاع عن حقوق اللاجئين، يسود الاعتقاد بأن الاتحاد الأوروبي الذي يرفض التعليق على مجمل هذه الانتقادات يركز على مساعدة إيطاليا وألمانيا اللتين تواجهان استحقاقات انتخابية شرسة.

وحسب مصادر «الوسط» بات الاتحاد الأوروبي يدرك أن نجاح خطته لاحتواء الهجرة المقبلة من ليبيا ودول جنوب الصحراء لا يمكن أن يتم سوى عبر تمكين السلطات الليبية من بسط سيطرتها الفعلية على الأرض من الناحية الأمنية، وتمكين حكومة وفاق فعلية من إدارة الوضع في البلاد من الناحية السياسة، وهو أمر غير ممكن في ظل انتشار التنظيمات والتشكيلات المسلحة غرب البلاد.

وفيما أجرى الرئيس التونسي، الباجي قائد السبسي، محادثات في روما تمحورت حول دور الأطراف الإقليمية ودول الجوار في المساعدة على حل الأزمة الليبية، يريد الاتحاد الأوروبي بدوره إحداث انفتاح على روسيا ومصر تحديدًا لجرهما نحو التأثير على سلطات شرق البلاد؛ كي تقبل بتعاون أفضل مع المجلس الرئاسي الذي بات الاتحاد الأوروبي يقبل بأن يتم تغييره بشكل أو بآخر.

معادلة جديدة
وعُـلم من مصادر أوروبية في بروكسل أن الاتحاد الأوروبي قرر استضافة وزير الخارجية المصري، سامح شكري، في جلسة رسمية لمجلس وزراء الشؤون الخارجية يوم 6 مارس المقبل في مبادرة لحث مصر على القيام بدور في توجيه فرقاء الأزمة الليبيين.

وفي حوار خاص أجرته جريدة «الوسط» مع السفير البريطاني لدى ليبيا بيتر ميليت، قال الأخير «إن دول الجوار لديها مصالح كما ندرك أهمية دورها، ونقدر عاليًا الجهود التي تبذلها دول الجوار لتحقيق السلام في ليبيا». مضيفًا: «نحن على تواصل مع أصدقائنا في القاهرة، والجزائر وتونس بخصوص هذه المبادرات، وجاهزون للعمل معهم لضمان أن تستعيد ليبيا استقرارها وازدهارها».

وقال دبلوماسيون إن الاتحاد الأوروبي بات يوقن أن استمرار تقديم دعم غير محدود للمجلس الرئاسي بتشكيلته الحالية سيزيد من تقلص هامش تحركه، وسيفتح المجال لمزيد المنافسة بين دوله، كما سيتسبب في تعزيز النفوذ الروسي ليس في ليبيا فحسب، بل في وسط «المتوسط» وربما في ظهور معادلة قوة جديدة واقتسام نفوذ بين حلف الناتو وروسيا في المنطقة.

تعاون محدود
وللتأكيد على هذه المخاوف قال دبلوماسي أوروبي لـ«الوسط» إن حلف شمال الأطلسي (ناتو) لا يبدي سوى تعاون محدود حتى الآن مع عملية «صوفيا» البحرية الأوروبية قبالة ليبيا في البحر المتوسط، وإنه لا يوجد اقتسام للمعلومات بين الطرفين.

كوبلر أبلغ الأوروبيين بأن رفع الحظر عن السلاح للحرس الرئاسي سيكون بمثابة خطأ كبير وغير شرعي.

وأكد المصدر نفسه أن الاتحاد الأوروبي وعلى الرغم من ترديده في هذه المرحلة المراهنة على الحرس الرئاسي للحصول على موقع في طرابلس، فإن غالبية دوله ترفض هذا التوجه، وإن المبعوث الأممي مارتن كوبلر أبلغ الأوروبيين بأن رفع الحظر عن السلاح للحرس الرئاسي سيكون بمثابة خطأ كبير وغير شرعي.

وقال المصدر إنه توجد تساؤلات حول هذا الحرس، وإن الأجهزة الأمنية الأوروبية تبدي تحفظها تجاه العناصر التي سيتم تجنيدها في صفوفه، لكنّ السفير بيتر ميليت أشار في حواره مع «الوسط» إلى دعمه إدماج «الميليشيات» كأفراد داخل الجيش والشرطة بشرط خضوعهم لعملية فحص دقيقة وبعد اجتياز التدريبات اللازمة.

كل ذلك يعيد السؤال مجددًا: هل هناك مبادرة غربية تنخرط فيها روسيا لوضع خارطة طريق لحل الأزمة الليبية أساسها اتفاق الصخيرات، وهل يتطلب ذلك جمع أطراف الأزمة الرئيسيين قبل إطلاق هذه المبادرة، أم أن الحراك السياسي سيبقى على حاله، اجتماعات واتصالات هنا وهناك، دون طرح مبادرة مجمع عليها دوليًا؟ وفي السياق أين موقع المبادرة الثلاثية (مصر الجزائر تونس) إن أعلنت كما ينتظر المتابعون للشأن الليبي وتداعياته؟