الغنوشي لـ«الأناضول»: التوافق في ليبيا «ممكن».. ودورنا «مساعدة» الدبلوماسية

رجح رئيس حركة النهضة التونسية راشد الغنوشي إمكانية الوصول إلى وفاق في ليبيا بعد أن «تعبت» كل الأطراف من الحرب الدائرة في البلاد منذ سقوط نظام معمر القذافي في 2011، نافيًا قيام حركته بدور «دبلوماسي» في هذا الملف، مشيرًا إلى أن ما يجري هو مجرد «جهود مساعدة» للقيادة التونسية.

جاء ذلك في مقابلة أجرتها وكالة أنباء الأناضول مع الغنوشي في مكتبه بضاحية مونبليزير بالعاصمة تونس، تطرق خلالها إلى الجهود المبذولة من جانب حركته لحل الأزمة في ليبيا، التي اعتبر حلها مفتاحًا لحلّ مشاكل داخلية ذات طابع أمني واقتصادي في تونس ومصر.

«إخوان» مصر
كذلك تطرقت المقابلة إلى الأوضاع الداخلية في تونس والانتخابات البلدية المقبلة، علاوة على مدى إمكانية الوساطة بين النظام المصري وجماعة الإخوان المسلمين.

وقال الغنوشي إن «الظرف الآن في ليبيا مناسب للتوصل إلى توافقات، فالأطراف كلّها تعبت من الحرب وليس من بيت هناك إلا وفيه بكاء وضحايا، ولا يبدو أن طرفًا من الأطراف لديه شعور بأنه قادر أن يحسم المعركة بالقوة لصالحه».

الغنوشي: الظرف الآن في ليبيا مناسب للتوصل إلى توافقات، فالأطراف كلّها تعبت من الحرب

وأضاف أن «هناك توازن قوى في ليبيا، وبالتالي فهذه اللحظة مناسبة لاقتراح التوافقات، وأن يتنازل كل طرف في النزاع عن شيء كان يطالب به لصالح الآخرين وهكذا».

وحول الانتقادات التي وجهها معارضو النهضة في تونس للدور «الدبلوماسي» الذي يقوم به رئيس الحركة، قال الغنوشي: «ليست دبلوماسية أصلاً، ويمكن تسميتها بـ(دبلوماسية شعبية)، ويمكن ألا تسميها دبلوماسية، هي فقط جهود مساعدة للدبلوماسية التونسية».

مبادرة الرئيس
وأوضح أن «الدبلوماسية يقودها رئيس الدولة الباجي قايد السبسي في هذه البلاد، بينما يساعده وزير الخارجية خميس الجهيناوي، كما يساعد المجتمع السياسي والمدني في ذلك، ونحن من بينهم، ونجري بعض الوساطات لإنجاح مبادرة رئيس الدولة في حل الإشكال الليبي».

وفي بداية شهر يناير الماضي، أعلن الرئيس التونسي مبادرة لـ«رأب الصدع» في ليبيا، بالتنسيق مع مصر والجزائر، مشيرًا إلى توجه لعقد اجتماعات على مستوى وزراء الشؤون الخارجية للبلدان الثلاثة، وبعد ذلك على مستوى رؤساء الدول.

وفي هذا الاتجاه، أشار الغنوشي إلى أن حركته «تحتفظ بعلاقات قوية مع كل الأطراف الليبية سواء الإسلاميين وغير الإسلاميين والقبائل وجماعة النظام القديم، وحريصون على تمتينها وتوظيفها لصالح استتباب السلم في ليبيا، الذي إذا لم يتحقق، فيهدد التجربة التونسية وكل المنطقة».

وتابع: «لذلك لا نعتبر المسألة الليبية خارجية في تونس، بل هي جزء من السياسة الداخلية التي يجب أن تراعي الوضع وحقائق الجغرافيا، التي تقول إن تونس جزء لا يتجزأ من ليبيا، وليبيا جزء لا يتجزأ من تونس وكذلك الجزائر».

عامل مساعد
ووفق ذلك «الجغرافيا تفرض علينا، والجوار يفرض علينا بذل الجهد لاستتباب السلم في أقرب الجيران لدينا، ونحن بذلك نساعد ولا نقفز فوق الدبلوماسية، إنما عامل مساعد لإنجاح مبادرة الرئيس».

رئيس حركة النهضة: مبادرة الصخيرات كأنها توقفت، وكأن هناك نوع من المأزق في جمع دول الجوار العربي

وأوضح الغنوشي: «في لقائي مع مارتن كوبلر (المبعوث الأممي إلى ليبيا مؤخرًا) في روما وجدته في حيرة من الوضع الليبي، لأن مبادرة الصخيرات كأنها توقفت، وكأن هناك نوع من المأزق، أن يجمع دول الجوار العربي، ويستعين بها باعتبارها الأقرب والأعرف بليبيا، والأكثر تأثرًا بالوضع في هذا البلد إيجابًا أو سلبًا».

وبشأن تحفظات النظام المصري على العلاقات مع الإسلاميين في ليبيا لاسيما جماعة الإخوان المسلمين التي يصنفها داخليًا على قائمة الإرهاب، قال الغنوشي إنه «إذا شعر النظام المصري بأن مصلحة مصر وأمنها لا يتحقق إلا باستتباب السلم في ليبيا، سيفعل ذلك».

واعتبر الغنوشي أن «جزءًا كبيرًا من مشكلات مصر لن يجد حله إلا في ليبيا، فكان هناك حوالي 4 ملايين عامل مصري رجعوا من ليبيا، كما ذبح عدد من مواطنيها هناك».

وشدد على أن «مصر لا تستطيع أن تواصل تحمّل تكاليف الفوضى في ليبيا والحرب الأهلية هناك، لذلك هي مضطرة أن تتجاوز بعض التحفظات لديها خاصة بالإسلاميين. أتصور أن القاهرة وصلت إلى قناعة أن تميّز بين مشكلات داخلية وبين وضع خارجي له انعكاس على الوضع الداخلي».

أطراف ثلاثة
وتابع الغنوشي: «إذا نجحت مبادرة الرئيس السبسي سيكون من علامة ذلك لقاء وزراء الخارجية في تونس، وهذا أعلن عنه أصحاب المبادرة وأن يكون لقاء قمة في الجزائر». وبحسب مصادر دبلوماسية للأناضول، فإن اجتماع وزراء خارجية تونس والجزائر وليبيا مازال محل تشاور بين الأطراف الثلاثة.

وفي سياق مساعيه الرامية إلى حل الأزمة الليبية، قال الغنوشي: «نظمت لقاء انعقد في تونس بين أحمد أويحيى مدير الديوان الرئاسي الجزائري والشيخ علي الصلابي القيادي الإسلامي البارز في ليبيا ضمن هذه المساعدة». ولم يعط مزيدًا من التوضيحات بشأن ما دار في هذا اللقاء.

وعقب سقوط نظام معمر القذافي العام 2011 إثر ثورة شعبية، دخلت ليبيا في مرحلة من الانقسام السياسي، تمخض عنها وجود حكومتين وبرلمانيين وجيشين متنافسين في طرابلس غربًا ومدينتي طبرق والبيضاء شرقًا.

وعلى الرغم من مساعٍ أممية لإنهاء هذا الانقسام، عبر حوار ليبي، جرى في مدينة الصخيرات المغربية، وتمخض عنه توقيع اتفاق في 17 ديسمبر 2015، انبثقت عنه حكومة وحدة وطنية (حكومة الوفاق الوطني) باشرت مهامها من العاصمة طرابلس أواخر مارس الماضي، إلا أنها لا تزال تواجه رفضًا من الحكومة والبرلمان اللذين يعملان شرق البلاد.

وإلى جانب الصراع على الحكم، تشهد ليبيا منذ الإطاحة بنظام القذافي، فوضى أمنية بسبب احتفاظ جماعات مسلحة قاتلت النظام السابق بأسلحتها.

الغنوشي: كانت لي دعوة إلى حلّ توافقي بين الجيش والإخوان وبقية أطراف المجتمع المصري ولا تزال الدعوة مستمرة

وفي سياق آخر خارجي يتعلق بالوساطة بين النظام المصري وجماعة الإخوان المسلمين، قال الغنوشي: «ليس هناك أي شيء حتى الآن». واستدرك: «كانت لي دعوة إلى حلّ توافقي بين الجيش والإخوان وبقية أطراف المجتمع المصري ولا تزال الدعوة مستمرة، وإلى الآن لم أتلق استجابة».

الانتخابات المحلية
وحول الأوضاع الداخلية في تونس، تحدث الغنوشي لـ«الأناضول» عن إقرار البرلمان الأسبوع الماضي قانون الانتخابات المحلية الذي يسمح بمشاركة العسكريين والأمنيين في الانتخاب لأول مرة في تاريخ تونس.

وردًا على المخاوف التي أعرب عنها البعض من مشاركة الأمنيين في الانتخابات البلدية المتوقع إجراؤها نهاية هذا العام أو بداية العام المقبل، قال الغنوشي: «هذه توجسات لها اعتبارها، فنحن تجربة ديمقراطية حديثة، ومن الطبيعي أن يتوجس الناس من كل جديد».

وأضاف أن «تونس تعودت أن تُجري فيها انتخابات منذ أكثر من نصف قرن، ولا يشارك فيها العسكريون ولا الأمنيون، لأول مرّة في تاريخ البلاد تُقدِم البلاد على شيء جديد، وكل ارتياد لمنطقة جديدة يتوجس الناس فيها».

وأوضح الغنوشي: «ليست لي توجسات، لأن التجربة الديمقراطية لم تبدأ في تونس، بل بدأت في بلاد أخرى منذ مئات السنين، يشارك فيها كل المواطنين، والمواطنة هي تعطي الحق للمشاركة بل وجوبها، وهذا رأيي منذ البداية، ولا أستطيع فرضه كقرار (داخل حزبي)، ولكن بعد دورات متتالية من النقاش حصلت القناعة بهذا».

وبشأن مشاركة حزب حركة النهضة في الانتخابات البلدية، والمحافظة على التوافق القائم مع حزب «نداء تونس»، قال الغنوشي: «نحن حريصون على استمرار تجربة التوافق، لأن مفتاح التجربة التونسية الذي جعلها استثناء في الربيع العربي حتى الآن هو اعتماد نهج التوافق بديلا عن نهج المغالبة والحكم بـ51 بالمائة أو بأغلبية حزب واحد».

وشدّد الغنوشي: «نحن حريصون على ألا يحدث في الانتخابات البلدية استقطاب ثنائي بين تيارين، وإنما أن تتمّ الانتخابات في ظلّ توافقات، ونحن منفتحون على التوافقات مع الجميع بما في ذلك تشكيل قائمات مشتركة».

وتابع الغنوشي: «لكن إلى حد الآن النهضة لم تضبط استراتيجيتها بعد، هي حريصة على العمل المشترك والتوافق، وعلى انتخابات بلدية تعزز ديمقراطيتنا ولا تجعل منها صدمة وتراجعا إلى الوراء، وإنما مضيا إلى الأمام، وبلادنا احتاجت ولا تزال محتاجة، وستستمر إلى أمد محتاجة إلى تجربة التوافق».

المزيد من بوابة الوسط