الاتحاد الأوروبي يواجه معادلة جديدة في ليبيا

أعلن الاتحاد الأوروبي مجددًا دعمه للاتفاق السياسي في ليبيا وحرصه على مواكبة جهود المجلس الرئاسي في طرابلس، في بسط الاستقرار والاستجابة للحاجيات الأساسية للسكان، والدفع نحو حل سياسي للأزمة التي تمر بها البلاد.

وجاء تأكيد هذا الموقف في اتصال هاتفي أجرته الممثلة العليا للسياسة الخارجية الأوروبية فدريكا موغيريني، مع رئيس حكومة الوفاق الوطني فائز السراج، الذي وجهت له الدعوة لزيارة بروكسل لكن دون تحديد موعد لذلك.

وهذه ليست المرة الأولى التي تخاطب فيا موغيريني رئيس حكومة الوفاق، الذي سبق أن اجتمعت به عدة مرات، وليس للمرة الأولى التي يتحدث فيها الدبلوماسيون عن زيارة مرتقبة للسراج إلى بروكسل.

ولكن يبدو من الواضح أن الاتحاد الأوروبي وعلى الرغم من جهوده في التحكم على جوانب محددة من إدارة الأزمة الليبية خاصة ملف الهجرة غير الشرعية، فإنه فقد مجمل خيوط تحركه في معاينة هذه الأزمة بسبب عوامل ثلاثة رئيسة وفق الدبلوماسيين، أهمها على الإطلاق تغير الخارطة العسكرية على الأرض، ومعادلة القوة في البلاد بعد إحكام الجيش الوطني الليبي قبضته على غالبية مناطق الشرق، مما يفرضه موضوعيًا كمخاطب رئيس في أي سعي لحلحلة الأزمة.

التقارب المعلن بين سلطات شرق ليبيا من حكومة وبرلمان وجيش مع روسيا، يحد عمليًا من أي ضغط أوروبي على هذه الأطراف

تقارب الجيش مع روسيا
كما أن التقارب المعلن بين سلطات شرق ليبيا من حكومة وبرلمان وجيش مع روسيا، يحد عمليًا من أي ضغط أوروبي على هذه الأطراف على الرغم من وضع الاتحاد الأوروبي لرئيس البرلمان المنتخب عقيلة صالح على قائمة العقوبات الأوروبية، في خطوة بات من الصعب فهمها وفق المراقبين.

أما العنصر الثالث في تراجع التأثير الأوروبي على الأزمة فإنه تمثل في التغير المسجل في واشنطن، ووصول فريق جمهوري جديد للبيت الأبيض بقيادة الرئيس ترامب، الأكثر انفتاحًا على الأطروحات الروسية والمصرية في إدارة ملفات المنطقة بما فيها ليبيا.

وأكد مصدر دبلوماسي مطلع على حيثيات وتفاصيل الإدارة الأوروبية للملف الليبي أن الرئيس التشادي، إدريس دبي، الذي اجتمع مع الممثلة العليا للسياسة الخارجية الأوروبية موغيريني الأسبوع الماضي في بروكسل، فاجأها بأنه أعلن تأييده للمشير خليفة حفتر قائد الجيش الليبي في سعيه لإعادة بسط الاستقرار في ليبيا.

ووفق نفس المصدر فإن الرئيس التشادي أشار بشكل محدد إلى تبعات الزعزعة القائمة في ليبيا على بلاده، وعلى ملف الهجرة غير الشرعية، واعتبر أن الموقف السليم يتمثل في الوقوف إلى جانب الطرف الراغب في بسط الاستقرار والأقدر عليه أيضًا.

وتمسكت موغيريني حتى الآن بخط بدأت تحوم من حوله الشكوك والمتمثل في دفع المجلس الرئاسي على البقاء في طرابلس، والقبول بالتعيش مرحليًا مع الميليشيات التي تساوم يوميًا على أمن وسلامة المجلس الرئاسي نفسه.

والتصقت المسؤولة الأوروبية بشكل واضح بالموقف الإيطالي وموقف حكومة رينزي تحديدًا، التي كانت وراء تعيينها في منصب الممثلة العليا للسياسة الخارجية الأوروبية في بروكسل. وقال دبلوماسي إيطالي لـ"بوابة الوسط" إن وزير الخارجية الإيطالي الجديد أنجلينو الفانو، الذي لا ينتمي إلى نفس حزب موغيريني يبدو أكثر جدية وواقعية في التعامل مع الملف الليبي.

وبين المصدر أن خطة الفانو تتمثل في التخلص تدريجًا من إرث دبلوماسية رينزي وموغيريني في الوقت نفسه، والتوجه نحو انفتاح متوازن على أطراف الأزمة الليبية الرئيسيين، بشكل يعيد روما إلى دائرة الدول والأطراف القادرة على التوسط في الأزمة.

ويعتري الطموح الرئيس لألفانو حاليًّا سعيه لإقامة علاقات مباشرة مع المشير خلفية حفتر حسب المصدر، وعلى الرغم من رفض هذا الأخير المساعدات الإيطالية لشرق ليبيا. مشترطًا وضع حد للانتشار العسكري الإيطالي غرب البلاد.

تسعى موغيريني إلى تأكيد الحضور الأوروبي في ليبيا عبر ملف معروف وهو ملف الهجرة غير الشرعية

التنسيق الأميركي الروسي
وأمام مخاطر مواجهة عزلة متصاعدة بسبب التنسيق الأميركي الروسي وتقدم الجيش الليبي، والتغير المسجل في روما تسعى موغيريني إلى تأكيد الحضور الأوروبي في ليبيا عبر ملف معروف وهو ملف الهجرة غير الشرعية والمساعدات الإنسانية، ولكونها تفتقد إلى خريطة طريق واضحة ومحددة أو قادرة على لعب دور سياسي، بسبب اعتمادها حتى الآن على الدعم الشخصي الذي تلقته من وزير الخارجية الأميركي السابق جون كيري، وفي ملفات المنطقة خاصة سورية وليبيا ومصر.

وأكد خبير عسكري أوروبي حسن الاطلاع لـ«بوابة الوسط» أن موغيريني تواجه موقفًا دقيقًا حتى في ملف الهجرة؛ حيث إن الحصيلة الفعلية لعملية صوفيا البحرية التي نشرها الاتحاد الأوروبي تبدو مخيبة للآمال، وأن هناك تكتمًا كبيرًا في بروكسل على نتائجها الفعلية، مع استمرار الكوارث الإنسانية وتصاعد أنشطة مهربي البشر في المناطق التي يسيطر عليها نظريًا المجلس الرئاسي المدعوم من مكتبها.

ويتمثل هاجس الدبلوماسية الأوربية في بروكسل حاليًّا في أن تشهد الفترة المقبلة تنسيقًا بين دول الجوار الليبي الثلاث تونس والجزائر ومصر، وبمواكبة روسية أميركية قادرة على تحريك مسارات الأزمة وإرساء تفاهم بين الأطراف الليبية، يرسي في نهاية المطاف مخرجًا توافقيًا يرضي دول الجوار الأكثر تضررًا من الأزمة، وهو ما عبر عنه بواقعية الرئيس التشادي إدريس دبي، ورئيس الدورة الحالية للاتحاد الأفريقي خلال محادثاته في بروكسل.

ووصف النائب الإيطالي ادمونو شيرايلي خلال جلسة لجنة الشؤون الخارجية في مجلس البرلمان الإيطالي في روما، يوم الثلاثاء، خطط الحكومة الإيطالية السابقة في ليبيا بالكارثي، وقال في مداخلة مطولة إنه حان الوت لإيطاليا أن تتوسط بين طرابلس وطبرق، وهو تأكيد من داخل إيطاليا على فشل المقاربة الإيطالية الأوروبية المتبعة حتى الآن.

المزيد من بوابة الوسط