إجراءات «الرئاسي» هل تكون البداية لتجفيف منابع الاقتصاد الأسود؟

بدأ المجلس الرئاسي هذا الأسبوع خوض معركة ضد شبكات تهريب الوقود، أحد روافد الاقتصاد الأسود الذي يهدد أمن البلاد واقتصادها، ويعد تهريب الوقود أحد مسارب الاقتصاد الأسود الذي انتعش مع ما تمر به ليبيا من أزمة سياسية وانفلات أمني، فإلى جانب عصابات تهريب الوقود المدعم إلى الخارج، هناك الاتجار في البشر، وما يرتبط بها من تجارة سلاح ومخدرات، ومضاربات غير مشروعة.

البداية جاءت على لسان رئيس مؤسسة النفط الليبية، مصطفى صنع الله، الجمعة الماضي عندما كشف عن قيام عصابات التهريب بسرقة مخصصات الوقود من محطة تحلية زوارة، التي توقفت عن العمل، مما فاقم أزمة نقص الوقود وعدم توافره بالسعر الرسمي في مدينتي زوارة والزاوية.وناشد صنع الله «أهالي المنطقة الغربية عمومًا وأهالي مدينة الزاوية وزوارة خصوصًا أن يكونوا يدًا واحدة ضد العصابات الإجرامية لأنهم المتضرر الأول من هذه العصابات». وقد استفادت عصابات تهريب الوقود من الانقسام السياسي، إذ انقسمت إدارات شركات التوزيع الأربع التي كانت وحدها مخولة بمنح تراخيص المحطات منذ العام 2007

ولعل ما تردد حول وفاة أسرة ليبية كاملة اختناقًا بسبب استخدام الفحم في التدفئة، تعكس «آلاف الحالات المأساوية التي يعاني منها المواطن البسيط نتيجة ممارسات عصابات تهريب الوقود المدعوم إلى الخارج»، على حد تعبير صنع الله نفسه، وبعد تصريحات صنع الله بيوم خرج المجلس الرئاسي، السبت، بحزمة إجراءات لمكافحة تهريب الوقود، منها:

استفادت عصابات تهريب الوقود من الانقسام السياسي وانقسام إدارات شركات التوزيع الأربع التي كانت وحدها مخولة بمنح تراخيص المحطات منذ العام 2007

ـ إصدار الأوامر لحرس وأمن السواحل بإيقاف ومصادرة أي سفينة أو باخرة تهريب وقود تقترب من السواحل الليبية
ـ إحالة قوائم بأسماء «سراق المال العام» إلى القضاء، تمهيدًا لإصدار مذكرات ضبط من الشرطة الدولية بحقهم.
ـ إحالة قوائم أخرى بأسماء السفن المتورطة في عمليات التهريب إلى المنظمة الدولية للبحار لاتخاذ الإجراءات الرادعة بحقها.
ـ إنزال حالة القوة القاهرة بالموانئ التي أصبحت بؤرًا لتهريب النفط ومشتقاته، ومن ثم إغلاق تلك الموانئ.

وتوج المجلس الرئاسي هذه الإجراءات باتفاق مع إيطاليا للبناء على معاهدة الصداقة والشراكة والتعاون وإعلان طرابلس الموقع العام 2012 كالتزام مشترك في مكافحة الهجرة غير الشرعية والاتجار البشر ومكافحة تهريب الوقود عبر البحر المتوسط.لكن تبقى صورة هذه التجارة غير المشروعة وأبعادها، وما هي آليات تهريب الوقود في ليبيا، وكيف تعمل العناصر المسؤولة عن عمليات نقله إلى الخارج أو بيعه في السوق السوداء؟، ومن هي الجهات الراعية والمستفيدة؟

أسئلة تطرح نفسها بعد التصريحات الأخيرة لصنع الله، وتكشف أن مهمة تطبيق حزمة إجراءات الرئاسي الأخيرة تحتاج إلى حكومة وفاق فعَّالة تستفيد من خبرات الأجهزة الأمنية في كل مناطق ليبيا، كي تضطلع بمسؤولياتها في مواجهة روافد الاقتصاد الأسود من تهريب للوقود وللبشر إلى عصابات الاتجار في السلاح والمخدرات.

تهريب الوقود أدى إلى ارتفاع الأسعار في السوق السوداء وتوفير مصدر مهم للإيرادات للجماعات المسلحة

هذه الأسئلة أجاب عنها تقرير للأمم المتحدة أعده ستة من الخبراء الدوليين المحايدين في مارس الماضي، وصف فيه مسار تهريب النفط من زوارة إلى مالطا، وألقى الضوء على التجارة في المنتجات المدعومة التي اعتبر أنها «توفر دخلاً إضافيًا للجماعات المسلحة والشبكات الإجرامية من خلال هوامش ربحها في السوق السوداء، بما في ذلك الوقود ودقيق القمح ومعجون الطماطم والسكر والشاي والأرز والمعجنات».

ونوه فريق الخبراء إلى أن «تهريب الوقود أدى إلى ارتفاع الأسعار في السوق السوداء، وتوفير مصدر مهم للإيرادات للجماعات المسلحة والشبكات الإجرامية»، مشيرًا إلى أن «مدينة زوارة هي إحدى المناطق التي تحقق إيرادات عالية للغاية».

ووصفوا «طريق تهريب الوقود من مصفاة الزاوية، إذ يوزع الوقود بعد ذلك على الموردين في المنطقة المحيطة، وتباع كميات كبيرة منه إلى المهربين». وقال التقرير إن السفن تهرب الوقود من مالطا باتجاه الجنوب وتقطع ما بين 40 و 60 ميلاً بحريًا قبالة الساحل الليبي حيث تغلق نظام التعرف الآلي، ثم تقفل عائدة إلى مالطا بعد شحنها».وأضاف: «تنتظر السفن على بعد 12 ميلاً بحرياً على الأقل قبالة الساحل، خارج المياه الإقليمية المالطية، حتى تفرغ الوقود إلى سفن أخرى تحمله إلى الساحل». وساق التقرير مزاعم يجري التأكد منها أن «أمن هذه المصفاة تكفله جماعتان مسلحتان، هما: لواء الكفرة بقيادة مختار أخوراش، وجماعة أخرى مجهولة الهوية».

ونقل الخبراء عن مصادر لم تحددها أن عملية البيع غير المشروع للوقود تجري عن طريق تلك الجماعة مجهولة الهوية، وليس عن طريق لواء الكفرة. واتهموا عائلات بـ«إدارة عمليات تهريب الوقود في زوارة، وأنواع أخرى من التهريب من قبيل تهريب الأشخاص أو السجائر أو المخدرات».

وأورد الفريق الأممي معلومات عن «شبكة يديرها فهمي بن خليفة (المعروف أيضاً باسم فهمي سليم) الذي يسيطر على إحدى الميليشيات ويمتلك أسهماً في شركة (إيه دي جي) المالطية».

الأحوال الاقتصادية المزرية في ليبيا وغياب أي جهاز أمني نظامي تهيئ الظروف المثالية لازدهار تهريب الوقود

وقال إنه «يرأس مجلس إدارة شركة ليبية، هي شركة Tiuboda المحدودة لخدمات النفط والغاز التي طلبت الحصول على ترخيص لاستيراد الوقود من ليبيا وتصديره إلى مالطا. ووفقاً لما ذكرته السلطات المالطية، رفض الطلب بسبب الحالة في ليبيا». وأشار الخبراء إلى أن السلطات المالطية تدرك الأنشطة التي تقوم بها تلك الشركة.

وخلص التقرير إلى أن «الأحوال الاقتصادية المزرية في ليبيا وغياب أي جهاز أمني نظامي تهيئ الظروف المثالية لازدهار تهريب الوقود».

هذا عن جانب من آليات تهريب الوقود كما وصفها التقرير الأممي، لكن يبقى السؤال هل تكون إجراءات الرئاسي الأخيرة بداية لمعركة أشمل ضد أذرع الاقتصاد الأسود، الذي تمدد وانتعش في ظل الأزمة الليبية خلال السنوات الأخيرة؟ ذلك ما يجيب عنه نجاح المسار السياسي في التوافق حول حكومة فعَّالة تنهض بتلك المهمة، مستفيدة من خبرة أجهزة أمنية لم تتوقف عن أداء دورها.

المزيد من بوابة الوسط