2016.. عام المراحل الفاصلة في الاقتصاد الليبي

شهد العام الحالي 2016 تطورات اقتصادية هامة في ليبيا، خاصة تلك المتعلقة بالإنتاج النفطي الذي يمثل أكثر من 98 % من الاقتصاد الوطني، بدأها بسيطرة الجيش الليبي على منطقة الهلال النفطي وانتهت بإعادة فتح صمام الرياينة، وما بينهما اتفاق أنقرة بين مسؤولي المؤسسة الوطنية للنفط لم يكتمل إلى الآن، فيما شهد العام اجتماعين الأول في لندن والثاني بروما، لتخفيف حدة الأزمة الاقتصادية ومعاناة المواطنين.

بداية الانفراجة
البداية جاءت في السادس من سبتمبر عندما أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط تصدير أول شحنة من النفط الخام من ميناء الزويتينة منذ إعلان حالة القوة القاهرة في نوفمبر 2015، بعدما توصل حرس المنشآت النفطية أغلق ميناء الزويتينة إلى اتفاق مع حكومة الوفاق  في منتصف أغسطس.

التطورات الاقتصادية الهامة جاءت في أعقاب سيطرة الجيش الليبي على منطقة الهلال النفطي يوم 11 سبتمبر، بعدما شنت هجومًا مباغتًا على منطقة الهلال انتهى بإحكام سيطرتها على بوابات أجدابيا وميناء السدرة وراس لانوف وميناء الزويتينة، في عملية أطلق عليها القائد العام للجيش الفريق أول ركن خليفة حفتر الذي منح في أعقابها رتبة المشير اسم «البرق الخاطف»، وهي العملية التي انتهت بترحيب دولي وإقليمي ولقيت تأييدًا محليًا واسعًا.

انتهاء حصار الموانئ يرفع إنتاج النفط إلى الضعفين في 4 أشهر

جزء من الانفراجة على خلفية فكّ السيطرة على منطقة الهلال التي كانت تحت حراسة حرس المنشآت النفطية فرع الوسطى بقيادة إبراهيم الجضران منذ 2013، اعتمد على اختبار حسن النية مشفوعًا بمحاولات تعويض المناطق التي تضم منشآت نفطية من خلال الاهتمام بالبنية التحتية وإنشاء مجموعة من المشروعات وتوزع عادل للإنتاج النفطي.

في أعقاب ذلك أعلن صنع الله، رفع القوة القاهرة عن ميناء الزويتينة النفطي، متحدثًا عن قدرة المؤسسة على رفع الإنتاج إلى 600 ألف برميل يوميًا مقارنة بـ290 ألف برميل يوميًا وقتها؛ حيث بدأ الإنتاج في اليوم نفسه بـ20 ألف برميل، بعدما أعلنت شركة الزويتينة للنفط المملوكة للدولة في نوفمبر العام الماضي توقف صادراتها من النفط الخام بعد أمر أصدره إبراهيم جضران آمر جهاز حرس المنشآت النفطية بالمنطقة الوسطى في ذلك الوقت.

وبينما تمثل موانئ الهلال رئة المنظومة النفطية الليبية؛ حيث توجد أربعة موانئ لتصدير إنتاج الحقول الواقعة في عمق الصحراء الجنوبية، فإن عودة الموانئ النفطية إلى مؤسسة النفط  فتحت شهية التصدير مجددًا، إذ صدرت أكثر من مليوني برميل من حقلي الحريقة الحريقة والبوري، خلال الفترة التي أعقبت عملية «البرق الخاطف».

وشجعت التطورات الإيجابية وزيادة الإنتاج كلاً من أميركا وبريطانيا للجلوس مع أطراف ليبية لتدارس خطط جديدة للإنتاج والتصدير، حسبما أوردته جريدة «وول ستريت جورنال» الأميركية، فيما مثّل الحماس الدولي لاستئناف التصدير والتفاؤل المحلي دفع المؤسسة الوطنية للنفط للاجتماع مع ممثلي شركة ميليتة وإيني شمال أفريقيا لبحث برامج وخطط استكشافية جديدة لزيادة الإنتاج.

«اتفاق أنقرة» المعطل
وبالنسبة  لجهود توحيد مؤسستي النفط في البلاد، أعلن رئيس المؤسسة الوطنية للنفط ببنغازي، ناجي المغربي، عن اجتماع مرتقب برئيس المؤسسة بطرابلس مصطفى صنع الله لاستكمال خطوات توحيد المؤسستين التي بدأت في مايو الماضي بالعاصمة النمساوية فيينا.

وفي 3 يوليو وقع اتفاق بين مسؤولي المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا، خلال اجتماع عُقد في أنقرة، على هيكل جديد للمؤسسة يهدف لتنحية الخلافات بشأن مَن له حق تصدير النفط، بعدما وقع رئيسا المؤسسة في البيضاء وطرابلس، ناجي حسين المغربي ومصطفى عبدالله صنع الله، مذكرة مبادئ في 21 مايو الماضي تهدف إلى توحيد قطاع النفط والغاز في ليبيا.

اتفاق أنقرة في مهب الريح.. وعودة «الهلال النفطي» إلى الصدارة يهدد طموح المليون برميل يوميًا

واجتمع رئيسا المؤسسة في 15 مايو الماضي في العاصمة النمساوية (فيينا) للاتفاق على خطوات تهدف إلى توحيد المؤسسة ومعاودة الصادرات بشكل طبيعي بميناء مرسى الحريقة.

وعلى الرغم من زيارة مصطفى صنع الله لمدينة طبرق التفقدية وتثمين جهد العاملين بقطاع النفط بالمدينة، في رسالة إيجابية بشأن توحيد المؤسسة، اختفى الحديث عن تلك الجهود إلى نهاية العام، على الرغم من تصريحات صنع الله التي أبرز فيها حجم الأضرار التي لحقت بالاقتصاد الليبي جرّاء توقف إنتاج النفط من حقلي السرير والفيل بالجنوب الشرقي، عندما قال إن ليبيا تكبّدت خسائر بحوالي 27 مليار دولار جراء توقف الميناءين.

ارتفاع عجز المالية العامة إلى 60 % من الناتج المحلي في 2016 دفع حكومة الوفاق للسحب من الاحتياطي الأجنبي

وأعلن أن العائدات النفطية بلغت 3.87 مليارات دولار حتى نوفمبر من العام الحالي، وهو ما يعني تراجع تلك العائدات بنسبة 91 % خلال السنوات الأربعة الماضية مقارنة بما سجلته في العام 2012، عندما بلغت 45.7 مليار دولار.

في خضم التطورات السابقة خرج نائب رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني، أحمد معيتيق، ليتوقع تحصيل ملياري  يورو بإيرادات الغاز خلال العام المقبل، مقارنة بـ531 مليون يورو خلال العام الحالي 2016، كما أشار إلى أن إنتاج الكهرباء في ليبيا يغطي 70 إلى 75 % من الاستهلاك المطلوب، متوقعًا انخفاضه في مارس المقبل إلى 500 ميغاوات، مشيرًا إلى أن العجز موجود في المنطقة الغربية التي تستهلك 70 %، فيما لا تعاني المنطقة الشرقية أي عجز في إنتاج الكهرباء.

إعادة فتح صمام الرياينة
وفي 14 ديسمبر الجاري أعلنت مؤسسة النفط إعادة فتح خطي الأنابيب الرابطين بين حقل الشرارة النفطي بمصفاة الزاوية لتكرير النفط وحقل الفيل للنفط بمجمع ميليتة، بعد إغلاق استمر عامين، قبل أن تعلن في 26 ديسمبر عن ارتفاع طفيف في الإنتاج اليومي إلى 622 ألف برميل يوميًا.

وبلغ إنتاج ليبيا قبل الاتفاق نحو 600 ألف برميل يوميًا ليرتفع إلى المثلين منذ سبتمبر، وهو موعد السيطرة على منطقة الهلال النفطي، وقالت المؤسسة إنها قد تضيف 175 ألف برميل يوميًا أخرى إلى الإنتاج خلال شهر و270 ألف برميل يوميًا خلال ثلاثة أشهر بعد إعادة فتح خطوط الأنابيب الممتدة من حقلي الشرارة والفيل.

تقرير صادر عن البنك الدولي يتوقع زيادة إنتاج النفط تدريجيًّا دون الوصول إلى طاقة الإنتاج الكاملة قبل 2020

ولا يزال الإنتاج يقل كثيرًا من مستواه قبل 2011 حينما كانت ليبيا تنتج ما يزيد على 1.6 مليون برميل يوميًا، وهي إحدى دولتين عضوين بمنظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) جرى إعفاءهما من اتفاق خفض الإنتاج الذي تم التوصل إليه في الآونة الأخيرة.

وكان تقرير صادر عن البنك الدولي توقع زيادة إنتاج النفط تدريجيًّا دون الوصول إلى طاقة الإنتاج الكاملة قبل 2020، نظرًا للوقت اللازم لاستعادة البنية التحتية النفطية المتضررة ضررًا بالغًا.
ويتوقع أن يتعافى إجمالي الناتج المحلي الليبي ليبلغ حوالي 23 % في عام 2018، وسيتحسن كل من رصدي المالية العامة وميزان الحساب الجاري تحسنًا كبيرًا، مع تحقيق الموازنة وميزان المدفوعات فوائض متوقعة بداية من العام 2020 فصاعدًا.

«الهلال النفطي» في الصدارة مجددًا
وخلال الأسابيع الماضية عادت قضية الموانئ النفطية إلى الواجهة مجددًا بعد اشتباكات مفاجئة اتهمت خلالها القيادة العامة للجيش الوطني، المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق ومجموعة مسلحة بالتعاون مع إبراهيم الجضران بالعمل على شن هجوم على الموانئ، وهو ما نفاه المجلس الرئاسي، غير أن التصريحات المتبادلة كشفت تصاعد دخان تحت ركام خلافات سابقة بشأن المنطقة النفطية التي تمثل رئة المنظومة النفطية الليبية.

اجتماعا لندن وروما
في خضم التطورات السابقة جاء «اجتماع لندن» على مدار يومي 31 أكتوبر و1 نوفمبر بالعاصمة البريطانية لندن بدعوة من بعض الدول تتقدمها أميركا وبريطانيا والمؤسسات الدولية تحت عنوان «الحوار الاقتصادي الليبي»؛ في محاولة لفهم السياسات المالية والهيكلية لمواجهات التحديات الاقتصادية في ليبيا.


اجتماعا لندن وروما قطعا شوطًا كبيرًا في طريق تدارك مزيد من المخاطر الاقتصادية

وأسفر الاجتماع عن نتائج إيجابية هامة من بينها تخصيص 8.640 مليارات دينار ليبي لصالح حكومة الوفاق، بهدف تغطية الاحتياجات الضرورية لتسيير المؤسسات الحكومية.

وفي 17 نوفمبر استضافت العاصمة الإيطالية روما لقاءً دوليًّا لمواصلة مناقشات «اجتماع لندن»؛ حيث ناقش 3 ملفات رئيسة هي «ميزانية 2017، وأزمة السيولة والاستعانة بمؤسسات اقتصادية دولية كجهات استشارية للحكومة»، أسفر عن نتائج إيجابية هامة من بينها إنجاز الميزانية العامة للدولة لعام 2017.

احتياطيات البنك المركزي
وعلى خلفية ما سبق حذَّرت دراسة حديثة للبنك الدولي من أن احتياطيات ليبيا سوف تنفد خلال أقل من أربعة أعوام، إذا ما استمر الانقسام السياسي والصراع بين الأطراف الليبية، وأشارت الدراسة إلى انخفاض احتياطيات البنك المركزي إلى 70 مليار دولار في 2016 مقابل 120 مليار دولار في العام 2012، أي أن الاحتياطيات النقدية استنفدت 50 مليار دولار خلال 4 سنوات.

وفي ظل ارتفاع عجز المالية العامة إلى مستوى قياسي يُقدَّر بنحو 60 % من إجمالي الناتج المحلي في 2016، لجأت حكومة طرابلس إلى السحب من احتياطيات البنك المركزي التي انخفضت إلى 70 مليار دولار في 2016 من 120 مليار دولار في 2012.

صندوق موازنة الأسعار
وعلى خلفية اجتماعي روما ولندن وبالتوازي مع أزمة توفير السلع الغذائية الأساسية والارتفاع القياسي في الأسعار، أعلن المجلس الرئاسي في 21 نوفمبر عن إعادة تفعيل صندوق موازنة الأسعار لتوفير السلع الغذائية، وتخصيص 300 مليون دينار للصندوق، خصمًا من حساب الطوارئ، وذلك لاستعماله في توريد سلة غذائية من السلع الأساسية.

للاطلاع على العدد (58) من «جريدة الوسط» اضغط هنا (ملف بصيغة pdf)