سواحل ليبيا.. بوابة العبور إلى «الآخرة»

شهدت السواحل الليبية وغيرها من المناطق مئات من القصص الإنسانية التي جعلت البلد المطل على البحر المتوسط بوابة العبور إلى الآخرة، خلال العام الذي أوشك على الرحيل، مخلفة بحسب مدير الإدارة العامة لأمن السواحل التابعة لوزارة الداخلية عقيد طارق شهبون ضبط وإنقاذ أكثر من 9592 مهاجرًا غير شرعي خلال العام 2016 في المنطقة الواقعة من القره بولي إلى زوارة غرب ليبيا، على الرغم من ضعف الإمكانات.

المؤسسات الليبية من جانبها تحاول إيجاد حلول لأزمة المهاجرين إذ عقدت على مدار العام الحالي ورش عمل وخضعت عناصر حرس السواحل الليبية لعمليات تدريب على يد الأوروبيين، فضلاً عن جهود أوروبية مماثلة للحد من تلك الظاهرة التي باتت في تصاعد مستمر.

شهبون من جانبه طالب المسؤولين بضرورة تنفيذ توصيات على أرض الواقع لتكون دافعًا لمنتسبي الإدارة العامة لأمن السواحل لبذل مزيد من الجهد لمكافحة ظاهرة الهجرة غير الشرعية التي أصبحت من أهم القضايا التي تنهك الدولة الليبية.

شهبون: ضبط وإنقاذ أكثر من 9592 مهاجرًا غير شرعي خلال العام الماضي في المنطقة الواقعة من القره بولي إلى زوارة.

ونوه مدير الإدارة العامة لأمن السواحل التابعة لوزارة الداخلية في تصريحه إلى أن «نزيف الهجرة لن يتوقف ما لم تتوحد الجهود بين الجهات ذات العلاقة لمنع تدفق المهاجرين غير الشرعيين من الحدود الجنوبية للبلاد»، بحسب ما نشرته إدارة الإعلام والتواصل بمجلس الوزراء.

وكان الاتحاد الأوروبي قد وافق على تخصيص حزمة جديدة من مساعدات إنسانية بقيمة 37 مليون يورو لحماية المهاجرين في ليبيا ومنطقة شمال أفريقيا، وتقوية أنظمة التعامل مع المهاجرين وطالبي اللجوء، إذ خصص الصندوق حوالي 20 مليون يورو لمساعدة خمسة آلاف مهاجر في ليبيا كمرحلة أولى، ونحو 11.5 مليون يورو لتنفيذ مشروعات في تونس و5.5 ملايين يورو لدعم برامج منع العنصرية وكراهية الأجانب، وهي ظواهر يعانيها المهاجرون في المغرب.

وقال إن حزمة المساعدات في ليبيا تعتمد بالأساس على زيادة حماية ومساعدة المهاجرين الأكثر عرضة للانتهاكات، والمجتمعات المضيفة، إلى جانب مساعدة المهاجرين الذين يتم إنقاذهم في البحر المتوسط، وتوفير احتياجات المهاجرين في مراكز الاحتجاز بالإضافة إلى تعزيز برامج إعادة إدماجهم في دول المنبع.

السواحل الليبية تشهد في جهتها الغربية خصوصًا تصاعدًا مضطردًا في حركة الهجرة غير الشرعية. 

وأشار مفوض سياسة الجوار الأوروبي ومفاوضات التوسع يوهانس هان إلى أن «حزمة المساعدات الجديدة من الاتحاد الأوروبي هدفها تحسين حماية ومساعدة المهاجرين، ومساعدة المهاجرين العالقين في ليبيا على العودة إلى بلادهم إذا رغبوا في ذلك. وأيضًا مساعدة شركائنا من دول أفريقيا لزيادة قدراتهم على مواجهة الأزمة».

السواحل الليبية تشهد في جهتها الغربية خصوصًا تصاعدًا مضطردًا في حركة الهجرة غير الشرعية؛ حيث يخوض المهاجرون الحالمون ببلوغ أوروبا سباقًا مع الوقت ليستقلوا مراكب الهجرة قبيل حلول فصل الخريف.

وفي ظل الطقس المتقلب وانشغال السلطات الليبية بالوضع الداخلي تنطلق أسبوعيًا أعدادًا متزايدة من المراكب التي غالبًا ما تغرق قبل بلوغها السواحل الإيطالية، الوجهة الأبرز لدخول أوروبا. وبعد إغلاق طريق البلقان أصبح الطريق البحري انطلاقًا من ليبيا الممر الرئيس نحو أوروبا، خاصة بالنسبة للوافدين من القارة الأفريقية جنوب الصحراء.

ومع تزايد أعداد الراغبين في الإبحار من ليبيا تحول الأمر إلى تجارة مربحة للمهربين الذين يعملون على تنظيم الرحلة انطلاقًا من المياه الليبية، فيما تتراوح التسعيرة للفرد الراغب في الهجرة عبر القوارب التقليدية بين 400 وألف يورو، وفقًا لشهادات بعض الناجين الذين أنقذتهم البحرية الإيطالية نقلت عنهم وكالة الأنباء الفرنسية.

يقوم المهربون باحتجاز الراغبين في الهجرة وسط ظروف غير إنسانية في منازل بزوارة وصبراتة. 

وقبل ركوب البحر يقوم المهربون باحتجاز الراغبين في الهجرة وسط ظروف غير إنسانية في منازل بمنطقتي زوارة وصبراتة؛ حيث تقدم لهم وجبة غذائية واحدة في اليوم انتظارًا ليوم الإبحار.

الزوارق المطاطية التي تكتظ بعشرات المهاجرين والمزودة بكميات قليلة من الوقود بالكاد تكفي للوصول إلى المياه الدولية؛ حيث يمكنها إطلاق استغاثة أملاً في إنقاذ مَن عليها من قبل خفر السواحل أو البحرية الإيطالية أو حتى سفن عملاقة يصادف مرورها بجانب زورقهم المتواضع قليل الإمكانات.

وفي بعض الأحيان يقوم المهربون بنقل الراغبين في الهجرة بقوارب أكثر متانة لمسافة معينة؛ حيث يتم بعد ذلك نقلهم إلى مراكب أكثر هشاشة في عرض البحر، ويعود المهربون بسفنهم الأفضل حالاً إلى البر مرة أخرى لنقل دفعة جديدة من المهاجرين.

المآسي التي ترددت على مدار العام الحالي 2016 قبالة السواحل الليبية لم تكن بعيدة عن تلك التي امتدت إلى سواحل أوروبا. 

المآسي التي ترددت على مدار العام الحالي 2016 قبالة السواحل الليبية لم تكن بعيدة عن تلك التي امتدت إلى سواحل أوروبا في الجهة المقابلة التي يسمع عنها العالم يوميًا من غرق المئات ومن بينهم نساء وأطفال وحتى رضع، يبدو أنها غير كافية لإثناء كثير من الأشخاص في العدول عن رغبتهم في خوض المخاطرة وركوب البحر.

ووفقًُا لأحدث تقرير إحصائي صادر عن وزارة الداخلية الإيطالية، وصل السواحل الإيطالية منذ مطلع يناير الماضي حتى نهاية العام نحو 164 ألف شخص، بزيادة قدرت بنحو عشرة آلاف مقارنة بالعام الماضي. واستنادًا إلى المعطيات نفسها، وصل مجموع المهاجرين في نهاية 2016 إلى أكثر من 192 ألف شخص، كما ارتفع عدد الذين ماتوا غرقا من المهاجرين خلال رحلة عبور المتوسط منذ بداية عام 2016 إلى أكثر من 3600 مهاجرًا غير شرعي.

وحسب إحصاءات الإنتربول (الشرطة الجنائية الدولية) هناك نحو 800 ألف شخص ينتظرون على السواحل الليبية لكي يجدوا الفرصة على الإبحار للوصول إلى «أرض المهجر» الأوروبية، وألا تتحول الزوارق المطاطية الهشة التي يستقلونها إلى قوارب موت تزف أجسادهم وأحلامهم إلى أعماق البحار.

للاطلاع على العدد (58) من «جريدة الوسط» اضغط هنا (ملف بصيغة pdf)

المزيد من بوابة الوسط