الجزائر ترعى مفاوضات سرية وعلنية بين الأطراف الليبية حول «هيئات الحكم»

أبلغت الجزائر خلال الأسبوعين السابقين عدة أطراف ليبية تم استقبالهم في الكواليس أو في العلن، آخرهم رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج، مبادراتها الرامية لإنهاء «الانقسام حول مسألة هيئات الحكم»، حيث يشير مقربون إلى أن أبرز جناحين عبَّرا بإيجابية عن الرسائل الدبلوماسية المتبادلة.

واستقبلت الجزائر مختلف الشخصيات الليبية لـ«تقريب وجهات نظر الأطراف المعنية، للتوصل إلى حل وسط مقبول من الجميع، مع وجود انقسامات حول مسائل تتعلق بهيئات الحكم تضمنها الاتفاق السياسي، حيث هيكل قيادة القوات المسلحة وقوات الأمن الليبي يشكلان العظم الحقيقي للخلاف»، بحسب مصدر جزائري مقرب من ملف الحوار الليبي.

وعاد أبرز طرفين في عملية المصالحة وهما فائز السراج رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق، وخليفة حفتر قائد الجيش الليبي بمقترحات المبادرة الجزائرية لدراستها، والمتعلقة بالتوفيق بين الخيارين السياسي والعسكري في إدارة السلطة مستقبلاً.

فترة انتقالية شاملة
وفضلاً عن إدراج تعديلات باتفاق الصخيرات يوائم المتغيرات السياسية والأمنية، فإنه في هذا الإطار، قدمت الجزائر مقترحات تعتبرها ناجحة لحل الأزمة، كأن يتم الرجوع إلى عدد من الاتفاقات التاريخية بين الليبيين الموقعة العام 2011، ثم العمل على فترة انتقالية شاملة وديمقراطية تفضي إلى مصالحة وطنية ومؤسسات جديدة تجمع كل الليبيين.

وتعدّ زيارة السراج إلى الجزائر الثانية من نوعها خلال شهرين، فقد سبق له أن أجرى زيارة مماثلة في نهاية شهر أكتوبر الماضي، واستقبله حينها الوزير الأول عبدالمالك سلال، ووزير الشؤون المغاربية والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية، عبدالقادر مساهل، وهما المسؤولان اللذان أجريا لقاءات أيضًا خلال الأسبوع الماضي مع خليفة حفتر.

السراج يعلن مد يده إلى الأطراف الليبية كافة المعنية بالعملية السياسية لـ«الجلوس إلى طاولة الحوار»

وأكد السراج عقب المباحثات التي أجراها مع المسؤولين الجزائريين أنه يمد يده إلى الأطراف الليبية كافة المعنية بالعملية السياسية لـ«الجلوس إلى طاولة الحوار لحل مشاكلنا بأنفسنا بعيدًا عن التدخلات الخارجية»، على حد تعبيره.

واعتبر السراج أن «هذا الهدف لن يتأتى إلا حين نتخلى عن الخلافات الموجودة حاليًا، ونحاول فتح صفحة جديدة لبناء وطننا وتحقيق أمنه واستقراره».

وأكد الخبير الأمني الجزائري في مجال الدفاع، أكرم خريف، أن طبيعة الرسائل المتبادلة التي حرصت الجزائر نقلها من حفتر إلى السراج هي «دبلوماسية بالأساس تحث الطرفين على التخلي على العنف، وتلح على فتح حوار بينهما بوساطة جزائرية».

واستبعد خريف في تصريحات لـ«بوابة الوسط» أن تكون «ذا محتوى عسكري والدليل على ذلك هو عدم تدخل قائد الأركان أحمد قايد صالح، ولا حتى إقحام وزير الداخلية في المحادثات».

ردود إيجابية مقابل ضمانات
وبحسب الخبير الأمني فإن «كلا الطرفين أعطيا ردًا إيجابيًا لدراسة المبادرة الجزائرية، بعد أن أعطت السلطات الجزائرية ضمانات لتقديم دعم للأطراف لدى وصولهما إلى حل سلمي وحكومة وحدة».

وقال المحلل السياسي الجزائري والباحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، الدكتور يوسف بن يزة، إن «الفرقاء في ليبيا يدركون حجم الخطر الذي يمثله وجود ما يسمى داعش في بلدهم، لذلك تأتي مبادرات الجزائر من أجل جمع أكبر قدر من الأطراف لتشكيل جبهة داخلية موحدة، لإرساء مؤسسات للدولة الليبية من جهة وتوحيد الميليشيات من أجل مكافحة الإرهاب».

وتابع بن يزة لـ«الوسط» إن هذه في اعتقاده أهم رسالة تعمل الجزائر على توصيلها لكل الأطراف، وهناك رسائل أخرى تهدف إلى ضرورة الحيلولة دون التدخل الأجنبي في ليبيا سواء سياسيًا أو عسكريًا، من خلال الإسراع في إيجاد حل داخلي للأزمة على ضوء التجارب الماثلة في كل من العراق وسورية واليمن.

رهانات حفتر والسراج
وحول رهانات حفتر والسراج، فيرى الباحث الجزائري أنهما «يشكلان جناحي عملية المصالحة. الأول يتكفل بالجانب العسكري بينما يتولى الثاني الجانب السياسي. وربما تكمن الصعوبة في كيفية تحديد أولوية أحد الخيارين السياسي والعسكري أو العمل على تنفيذهما معًا».

من جهة أخرى، يدعو المحلل السياسي بن يزة إلى «تشكيل جيش ليبي موحد ونزع سلاح الميليشيات، ليكون ضامنًا لنجاح العملية السياسية، على اعتبار أن الجيوش لها دور الضامن في المجتمعات المنقسمة على نفسها، ولذلك فوجود حكومة وحدة وطنية في بيئة تعج بالسلاح قد يقلل من فرص نجاحها».

«المشكلة الأمنية في ليبيا يمكنها أن تعيق أي حل سياسي»

ويضيف أن «المشكلة الأمنية في ليبيا يمكنها أن تعيق أي حل سياسي وقد حدث ذلك من قبل، ولهذا يرى من الحكمة أن تنصب المبادرة الجزائرية على تشكيل جيش ليبي قوي، يحمي العملية السياسية في بداياتها ومن ثمة المرور إلى تشكيل باقي المؤسسات».

وبالتزامن مع زيارات حفتر والسراج، ترددت أنباء عن لقاءات سرية أجريت تحت رعاية جزائرية ضمت أطرافًا من المؤتمر الوطني العام المنتهية ولايته، ومن جماعة الإخوان المسلمين الليبية مع شخصيات من المجلس الرئاسي في الجزائر، ضمن مساعي المصالحة وتوحيد الجهود لبناء مؤسسات دولة موحدة.

ويعلق بن يزة على لقاءات الإسلاميين بقوله إن «تيار الإخوان سيكون جزءًا من أي عملية سياسية في ليبيا بطريقة أو بأخرى ولا يمكن تجاهله، انطلاقًا من عدة معطيات؛ فقد ساهم في وجوده، عداؤه للقذافي وتصدره للمشهد السياسي أثناء وعقب الإطاحة به، فضلاً عن قربه جغرافيًا واجتماعيًا من مسقط رأس هذا التيار في مصر، وتمركزه شرق ليبيا تاريخيًا. دون استثناء دور القوى الإقليمية التي تدعم هذا التيار خاصة قطر وتركيا».

حدود وتكوين العسكريين
ولم تكن أجندة المشاورات السياسية لحل الأزمة الوحيدة في حقيبة السراج غداة لقائه المسؤولين الجزائريين، بل سعى إلى إقناعها بإعادة تفعيل عدة اتفاقات أمنية واقتصادية مجمدة، وطلب إعادة فتح الحدود ولو جزئيًا ومهد إلى ذلك قبل يوم واحد من الزيارة من قرب منفذ ايسين، عندما طالب الجزائر بفتح الحدود.

ووفق بيان يشير إلى مضمون الزيارة نشرته الصفحة الرسمية لحكومة الوفاق الليبية عبر فيسبوك، فقد «أكد الطرفان بدء العمل الثنائي بين البلدين على المستوى الوزاري واللجان الفنية في الفترة القادمة، ودراسة الاتفاقات الثنائية المشتركة الأمنية منها والاقتصادية، كما تطرق الطرفان إلى الإجراءات المقترحة لفتح منفذ إيسين البري في أقرب وقت ممكن، وتسهيل الإجراءات لتنقل المواطنين من البلدين».

خريف يرجح فتح المعابر بين الجزائر وليبيا لكن يستبعد تدريب الحرس الرئاسي

وفي مايو 2013 قررت الجزائر غلق حدودها البرية مع ليبيا بشكل كامل، خوفًا من تسلل المجموعات «الإرهابية» النشطة في ليبيا وتهريب السلاح بعد أشهر من اعتداء إرهابي جنوب البلاد، استهدف منشأة غازية بعين مناس خلّف عددًا من القتلى الأجانب. لتعيد فتحها في شهر ديسمبر 2014، بشكل استثنائي، أمام الحالات الإنسانية فقط.

ويعتقد أكرم خريف أنه من المحتمل أن تُفتح المعابر بين الدولتين لاحقًا، لكن فيما يتعلق بالاتفاقات الأمنية السابقة يستبعد أن يتم تدريب الحرس الرئاسي، مثلاً لأن المنظومة الدراسية العسكرية شبه جامدة، مما يعني أن الأكاديمية العسكرية والمدارس مفتوحة للطلبة العسكريين الليبيين، لكن لبرامج تكوينية عادية للضباط وضباط الصف وليس لتكوين «مشخص» مثل تكوين الحرس الرئاسي.

المزيد من بوابة الوسط