الشيخ أسامة التريكي يروي أسرار خطفه في مصراتة ويكشف تفاصيل ما جرى «خلف الجدران»

بسرد مفزع عرض الشيخ أسامة التريكي ما تعرض له خلال عملية اختطاف، قرر بعدها مغادرة ليبيا بتذكرة «ذهاب بلا عودة»، متمنيًا أن يعود الأمن إلى البلاد كي يتمكن وقتها من أخذ حقه من خاطفيه الذين بدوا من روايته كـ«رجال المافيا»، على الرغم من ادعاء بعضهم الدفاع عن الإسلام والانتساب لبعض الجماعات التي ترفع شعارات دينية.

وعبر صفحته في «فيسبوك» قدم الشيخ أسامة، وهو نجل عالم الدين الراحل مصطفى التركي وقريب وزير الخارجية الليبي السابق عبدالسلام التريكي، ظروف وملابسات خطفه وتعذيبه في مصراتة.

وبدأت قصة التريكي بتهديدات أوقفها تدخل الوسطاء قبل أن يعود أصحابها إلى الظهور العلني، ومن ثم خطفه وهو في وسط أبنائه، وصولاً إلى نقله إلى مكان ناءٍ، جرت فيه الوقائع التي قال الرجل إنها دفعته في النهاية لاصطحاب أسرته إلى خارج ليبيا.

فتح بابي وأخرجني وضربني بأخمص البندقية ، ودفعني أمامه بقوة وأطلق رصاصة أو أكثر بجانبي وسط رعب أطفالي

وقال التريكي «منذ شهور وبعد أن تحدثت في إحدى الإذاعات المحلية اتصل بي أحدهم، وقال لي: «إذا خرجت غدًا من بيتك سأقوم بتفجيرك فقمت بإرسال رقمه إلى بعض العاملين في جهات أمنية ولكنهم هونوا من الأمر، وما أظنهم فعلوا له شيئًا».

وأضاف: «قبل مدة أرسل لي أحدهم باسمه الصريح رسالة على الخاص يقول فيها ما ملخصه بعد السب الفاحش، إنه إذا لم تسكت سنقوم بقتلك ورميك مثل الكلاب».

واستطرد: «استطعنا معرفته ومعرفة مكانه وأنه رجل متزوج ولديه أولاد، فذهب إليه بعض أقاربي وطلبوا منه الاعتذار فقال لهم: لن ألتقي بالشيخ أسامة إلا بحضور الشيخ فلان!(.) وذكر شخصًا من مصراتة صاحب توجه سياسي متطرف».

وتابع: «عندما كثرت عليه الضغوط وافق على الاعتذار في لقاء بين العائلتين، ولكنني فضلت عدم تكبير الموضوع، فهذه التهديدات وغيرها اضطرتني لترك الصلاة في المسجد، بل وانتقلت لصلاة الجمعة في مسجد بعيد بعد أن صرح لي خطيب مسجدنا بأنه يقصدني شخصيًا في تهجمه وتحريضه في خطبة الجمعة. وقال لي إنه فعل ذلك بسبب كلامي على قناة التناصح وشيخها».

لحظة الخطف
أضاف التريكي «يوم الخميس 22 ديسمبر الساعة الثامنة صباحًا كنت أوصل أولادي وبناتي للمدرسة، وعلى مسافة 60 مترًا تقريبًا من بيتي في الدافنية قفز لي من خلف مرتفع ترابي شخص يحمل كلاشينكوف، ويوجهه لي مباشرة وهو يصرخ ويطلب مني التوقف والنزول».

واستطرد موضحًا: «فتح بابي وأخرجني وضربني بأخمص البندقية على رأسي، ودفعني أمامه بقوة وأطلق رصاصة أو أكثر بجانبي وسط رعب أطفالي، ثم جاء صاحبه بسيارة مظللة الزجاج وأدخلاني وهو يضع فوهة الكلاشينكوف في صدري، وقائد السيارة معه بندقية رشاش آلية».

رأيت شعر لحيتي بين أصابعه، ثم قال لي وهو يضربني : أنت تقول إن فجر ليبيا ليسوا شهداء وإن فلان ليس على حق!

وواصل التريكي: «خلال كل هذا كان يسبني بأفحش العبارات، وقال لي ما معناه: إن فلان الفلاني يبحث عنك! وذكر اسم شيخ معروف بيني وبينه خلافات، ثم عندما خرجنا على الساحلي وقرب مدخل منطقة زريق انضم إلينا قريب صاحب الكلاشينكوف، ويظهر أنهما هما المنفذان الرئيسيان للعملية، وعندما دخل هذا بدأ مباشرة في ضربي على وجهي ورأسي وهو يسب ربي وديني وأهلي، وحاول إخراج مسدس يحمله خلفه لقتلي ولكن السائق منعه بيده وقال له: لا تفعل».

وحسب التريكي فقد قال له خاطفه بشكل هيستيري إنه هو الدولة والحكومة وأن الميليشيات هي من تحكم! ثم «أخذ يصرخ في وجهي بصرخة فرعون وهو يمسك بلحيتي وينتفها ويقول حرفيًا (إني ربكم إني ربكم!) تعالى ربنا عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا».

وأضاف: «رأيت شعر لحيتي بين أصابعه، ثم قال لي وهو يضربني: أنت تقول إن فجر ليبيا ليسوا شهداء وإن فلانًا ليس على حق، وذكر اسم قريبه المصاب في حرب فجر ليبيا، فقلت له: أنا لم أقل هكذا والله أعلم بنية كل شخص منهم وعمله، ثم ذكر عائلتي وعمي علي التريكي رحمه الله وسبهم ووصفهم أنهم من الأزلام وغيرها من الشتائم المعتادة من هؤلاء، وهددني بالقتل كثيرًا وتوعدني بأبشع مصير ثم أخذوني إلى بيتهم».

جئناك بـ «الزنديق»
بعد ذلك أضاف الشيخ أسامة التريكي: «أدخلوني مربوطًا إلى بيتهم وذهبوا بي مباشرة إلى قريبهم المصاب في فجر ليبيا، وأيقظوه من نومه وهم يقولون له لقد جئناك بهذا الزنديق! وغيرها من الألفاظ التي لا أستطيع نقلها لبشاعتها، ثم اجتمع أقارب آخرون وأخذوا في ضربي وتعذيبي وقاموا بحلق لحيتي، وهم جميعًا يسبونني بما فيهم قريبهم المصاب».

أخذوني لغرفة مغلقة بباب حديدي داخل سكن للعمال الأفارقة وقاموا بتعذيبي بأشكال مختلفة

ونوه التريكي إلى أنهم حاولوا منذ خطفه وحتى إطلاقه إقناعه بأنهم فعلوا كل ذلك بسبب «مشكلة شخصية بيني وبين أحد أقربائهم»، لكن «ما رأيته من حقد وتخطيط وانتظار للكمين لمدة ثلاثة أيام كما قالوا لي هم أنفسهم، والأسلحة المتنوعة وهو يعلمون يقينًا أنني لا أحمل أي سلاح معي ولا يوجد أي قوة أمنية تحميني، وما رأيته من كلامهم وأفعالهم السابقة تدل على أن الموضوع أكبر بكثير من المشكلة الشخصية».

ولتأكيد كلامه قال التريكي: «عندما وصلتني تهديداتهم المبطنة، طلبت اللقاء بكبارهم لحل المشكلة بطرق شرعية ولكنهم أغلقوا هواتفهم ولم يردوا، والعجيب أنني قرأت بالأمس لشخص لا يخاف الله على فيسبوك يتكلم على هذه المشكلة الشخصية، وقال: إن الشيخ أسامة ضرب قريبهم المذكور بعصا، وكسر أسنانه ورجله وسجنه ثلاثة أيام! وهذا كذب وافتراء منقطع النظير».

ويظن الشيخ التريكي أن «نشر هذا الكذب كان لتبرير هذه الجريمة البشعة التي أعتقد أنها نتجت عن حقد قديم»، ورأى الشيخ أسامة أنهم «يفعلون ذلك لأنني تعرفت على هؤلاء الذين عذبوني، وأذكر أنه قبل فجر ليبيا كانت علاقتنا ممتازة، ولكن يظهر أن الحقد بدأ ينمو منذ أن قلت في فجر ليبيا الحديث النبوي المعروف «القاتل والمقتول في النار».

وذكر الشيخ أسامة أنهم (الخاطفون) «شاركوا بقوة في معارك فجر ليبيا وأصيب أحدهم، ولم يناقشني أي أحد منهم حول كلمتي تلك، ولا أستبعد مشاركة أطراف أخرى غير مرئية بالتحريض والتشجيع، ولم يجدوا الشجاعة وخافوا أن يقوموا بهذه العملية بأنفسهم، فوجدوا في هذه المشكلة الشخصية غطاءً لتنفيذ هدفهم في الانتقام مني وإسكاتي».

تعذيب وإهانة
يعود الشيخ أسامة التريكي إلى تفاصيل عملية خطفه، فيقول: «أخرجوني من بيتهم في نفس السيارة وأخذوني لغرفة مغلقة بباب حديدي (شيللا) داخل سكن للعمال الأفارقة قرب أرضهم، وقاموا بتعذيبي بأشكال مختلفة مثل ضربي بعصا مكنسة حتى تكسرت، وحلق شعر رأسي بصورة مشوهة وتصويره، وإحضار «رمانة» وتهديدي بتفجيرها عليّ، وأحدهما رفع فوق رأسي فأسًا يهددني به».

ويضيف: «كي ترتاح قلوبهم جاؤوا بشخص غريب لم أتوقع وجود مثله عندنا، ولعله زعيم عصابتهم وهو نحيل يلبس لباس عصابات الأفلام الأميركية، وفي رقبته عدد كبير من السلاسل وفي يديه (أصابعه) مجموعة خواتم ضخمة وجسمه ممتلئ بالوشم».

أحدهما طلب أخذي لمنطقة السكت أكثر من مرة وهي منطقة زراعية واسعة، وقالوا لي سنرميك في بئر

ويتابع التريكي: «هذا الكائن الحي منذ أول لحظة من دخوله لم يتوقف عن لعن ربنا ولعن دينه (سبحانه وتعالى)، فطلب منه منفذا العملية وهما يبتسمان أن يشاركهما في التعذيب، فجاءني وسألني: ما اسمك؟ فقلت: أسامة التريكي، فقال: هل يقرب لك التريكي الذي من أزلام القذافي؟ فقلت له: نعم عمي! فقام بضربي ثم حاول إخراج شيء من خلف بنطاله وأظنه سكينًا، فأمسكوه أو تظاهروا بذلك، فقام هذا المجرم بأخذ قنينة ماء قريبة وسألهم: هل هي (بوخة)؟ ثم صبها داخل قميصي في ذلك البرد، ثم خرجوا وهم يتوعدوني بالقتل والعذاب وأغلقوا على باب الغرفة بقفل».

ويكمل: «جلست في الغرفة بمفردي وأنا أذكر ربي وأدعوه بما أعلمه من أذكار وخير، وكنت أتوقع السجن الطويل أو القتل، لأن أحدهما طلب أكثر من مرة أخذي لمنطقة السكت وهي منطقة زراعية واسعة، ويقول لي إنهم سيرمونني في بئر، ولكن بعد مدة لا أدري قدرها وبفضل الله وعفوه ورحمته لي ولأطفالي جاء أحدهما، صاحب الكلاشينكوف، وفتح الباب وقال بصوت عادي: اخرج يا أسامة فاستبشرت خيرًا لأنه ناداني باسمي وكان من قبل لا يناديني إلا بـ.. من الكلمات القبيحة».

ويقول التريكي: «أظن أنه جاءتهما مكالمة من جهة أو شخص يطلب منهما إطلاق سراحي لأن الخبر بدأ ينتشر، بعد أن ذهب جيراني الأفاضل مع ابني مصطفى وعمره 13 سنة وكان معي في لحظة الخطف إلى مركز شرطة الدافنية وفتحوا بلاغًا بالخطف، والبعض ذهب للقوة المشتركة وغيرها من الجهات الأمنية».

طلبت فور رجوعي لبيتي من جيراني وولدي مصطفى أن يغلقوا المحضر خوفًا على عائلتي

ويواصل التركي: «أخذوني في السيارة وأرجعوني لبيتي في الدافنية ولكنهم وجدوا بعض الأشخاص قرب سيارتي فأنزلوني على مسافة بعيدة نسبيًا، وكانوا يحذرونني من نشر أي كلام بالخصوص، ولهذا طلبت فور رجوعي لبيتي من جيراني وولدي مصطفى أن يغلقوا المحضر خوفًا على عائلتي».

وما زاد من قلق الشيخ أسامة أن ابنه الكبير (عبدالله) كان ما زال في مدرسته الثانوية، فخاف أن يقوموا بخطفه كرد فعل على البلاغ.

ويكمل التريكي: «اتصلت بصاحب حافلة ابني وطلبت أن يضعه قرب باب البيت تمامًا وأعطيته أجرة التوصيل الشهرية، وقررت مع عائلتي مغادرة ليبيا فورًا وقلت لهم: هذه المرة رجعت حيًا بفضل الله، ولكن المرة المقبلة لا أظن ذلك والله أعلم، وخيّرتهم بين دراستهم وبين أن يفقدوني نهائيًا فقرروا ترك مدارسهم وأهلهم».

مع صلاة العصر في يوم الخميس نفسه يكمل الشيخ أسامة: «خرجنا من الدافنية، ومساء يوم الجمعة خرجنا من ليبيا بتذاكر ذهاب فقط على الرغم من الجروح والكدمات في رأسي ووجهي وكافة أجزاء جسدي».