درنة.. مشهد قاتم وصوم عن الرأي ومؤسسات أمنية لمجاراة الإعلام (استطلاع رأي)

الحياة في درنة ثمنها الصوم عن الكلام وإبداء الرأي، فما يعرف بـ«مجلس شورى مجاهدي درنة» القريب للقاعدة يفرض على مواطني المدينة قمعا، يحول دون مجرد الخلاف معهم في الرأي.

ويصبح الثمن باهظا عند مساندة الجيش الوطني الليبي، ويصل الأمر حد الخطف والتنكيل عند اكتشاف أنصار الفكر المدني والديمقراطي، فلا مجال لدى «شورى مجاهدي درنة» التي تسيطر على داخل المدينة إلا السمع والطاعة، فأفكار المجموعة سلفية جهادية شديدة التقارب مع تنظيم «القاعدة»، وهي لا تعترف بالدولة الليبية، وتعلن أن مرجعيتها المفتي السابق، الصادق الغرياني.

الأوضاع المعيشية
أما على صعيد الأوضاع المعيشية، فتتباين رؤى سكان المدينة بين من يرى الوضع قاتما، ومن يتجاهل النظر إلى نصف الكوب الفارغ في محاولة للتعلق بأهداب الأمل. وفي لقاءات مع «الوسط» يسرد أهالي درنة حال مدينتهم على أرض الواقع.

ثمة تضييق واضح على أنصار الفكر المدني والديمقراطي، والتضييق ذاته يكون من نصيب المناصرين لعملية الكرامة

يستهل محمد، الطالب بجامعة درنة، حديثه عن الحال في مدينته بعبارات تلغرافية سريعة، قائلا: «لكي تكون آمنا في هذه المدينة عليك أن تكون كما يريد (مجلس شورى المجاهدين)، فلا يسمح بأي آراء مخالفة، وثمة تضييق واضح على أنصار الفكر المدني والديمقراطي، والتضييق ذاته يكون من نصيب المناصرين لعملية الكرامة. الأمر يعد سيئا للغاية، ويذكر أهالي المدينة بفترة عصيبة جدا، لا يأمل الجميع بعودتها، لاسيما أن ما يعرف بـ(مجلس الشورى) يتحرك بنفس الآلية التي تتحرك بها أية جماعة دينية متشددة، أو أي نظام ديكتاتوري، دائما يحدق الخطر بالمعارض، وتظل حياة المخالف على المحك».

الأكثر أمنًا
ويؤكد محمد أنه عندما يتبنى فصيل من الأهالي أفكار «مجلس الشورى» يشعرون بالأمان التام داخل المدينة، ويتولد لديهم إحساس بأن درنة هي المدينة الأكثر أمنا في ليبيا، أما إذا اعتنق فصيل آخر أفكارا وأطروحات مغايرة للمجلس، مثل التي تتحدث عن الحريات أو الديمقراطيات وحقوق الإنسان، فعندئذ يستعد هذا الفصيل للاستهداف ببندقية أحد أعضاء المجلس من وقت لآخر، ويظل الخوف على طول الخط من نصيب النخب والمهمومين بالشأن العام، لكن الفصيلين يشتركان في القلق والترقب والخوف من المجهول الذي يحمله المستقبل لمدينتهم.

 «شورى درنة» يتعامل مع أهالي المدينة بأسلوب الأنظمة الديكتاتورية ويذكرهم بفترات لا يأمل الجميع في عودتها

وفي ظل هذا الواقع، ووسط حلبة التناحر يعيش المواطنون في المدينة أوضاعا معيشية صعبة وتدهورا أمنيا غير مسبوق، بالإضافة إلى الاشتباكات التي تحدث من حين لآخر بين قوات الجيش الليبي وعناصر «شورى المجاهدين» على أطراف المدينة، حيث منحت قيادة الجيش الفرصة لأعيان المدينة وشيوخ القبائل من أجل إمكانية الوصول إلى حل أمني، يضمن تسليم المدينة إلى قوات الجيش، ويجنب المدنيين ويلات الحرب، وهو ما لم يتحقق حتى الآن، إذ أكد الناطق باسم القيادة العامة للجيش، العقيد أحمد المسماري، أن قوات الجيش سوف تتقدم نحو مدينة درنة «بعد إكمال المساعي الحميدة، وعلى الإرهابيين تذكر عملية البرق الخاطف».

وأضاف المسماري في حديثه لبرنامج «سجال» بقناة «ليبيا» الفضائية، قد يطول حصار درنة حتى إخراج المجرمين خارج المدينة، مضيفًا: «إن القائد العام المشير خليفة حفتر يحاول تأخير العملية العسكرية في درنة لأنها مدينة الثقافة، ولها خصوصية كبيرة عند المواطنين».

فتح البوابات
وعلى الصعيد الأمني يقول المواطن عبد العزيز العبيدي، الذي يعمل بقطاع التعليم: «يتم فتح البوابات المتمركزة في ساحل كرسة غرب درنة وبلدة مرتوبة شرق المدينة لمدة 12 ساعة، أي من الثامنة صباحا إلى الثامنة مساء، غير أن هناك تسهيلات وتفهما لبعض الحالات الاستثنائية والإنسانية، لكن بالمقابل ثمة معاملة غير حسنة يتلقاها البعض، وتصل أخبارها بين الفينة والأخرى، ويصل الأمر إلى الاختطاف أحيانا بصورة لا تتماشى مع عمل المؤسسات الرسمية».

ويتعرض أبناء مدينة درنة لعمليات خطف واعتقال داخل المدينة وخارجها، حيث قام «مجلس شورى مجاهدي درنة» بعدة عمليات خطف واعتقال، شملت عددا من الناشطين وطلبة الجامعة وإمام مسجد بتهمة تأييدهم للجيش، كما اعتقلت جهات أمنية خارج مدينة درنة عددا من أبناء المدينة آخرهم مدير شركة الخدمات العامة درنة، طلال الهنشير، بمطار طبرق المدني.

يتعرض أبناء مدينة درنة لعمليات خطف واعتقال داخل المدينة وخارجها

واستمرارا لعمليات الخطف أكد مصدر من داخل مدينة درنة، الأسبوع الماضي، خطف مدير مكتب المتابعة والتفتيش التربوي بوزارة التعليم درنة، أكرم المنصوري، بشارع البحر داخل مدينة درنة، مشيرا إلى عدم وجود تفاصيل حول عملية الخطف.

وقال المصدر لـ«الوسط» إن المنصوري يبلغ من العمر 37 عاما وليس له أي نشاط سياسي، ويشغل حاليا مدير مكتب المتابعة والتفتيش التربوي بوزارة التعليم درنة، مشيرا إلى أن المنصوري كلف تسيير إدارة مدرسة «شهداء مصراتة»، الكائنة بحي السيدة خديجة، وحل جميع المشاكل التعليمية الموجودة بها، وعلى الرغم من التضييق الذي يطول المواطن من داخل المدينة ومن خارجها، نظرا للوضع الحساس الذي تعيشه درنة، فإن العملية الدراسية منتظمة بشكل جيد عند المقارنة بينها وبين الأوضاع العامة في البلاد، وربما يعود ذلك إلى الرصيد الثقافي والإداري والتربوي القديم للمدينة، وما ينطوي عليه من أثر إيجابي على سير العملية التعليمية.

صمت الأغلبية
وحول مديرية الأمن، التي أعلن العقيد يحيى الأسطى عمر افتتاحها، يقول عطية عبد السلام الموظف بقطاع المالية: «على الرغم من صمت الأغلبية، فإن أكثرية أهالي درنة ربما تدرك أن المديرية الجديدة لا تتبع أية جهة رسمية، الأمر الذي يستغربه الناس و يشعرون حياله بعدم الجدية، فالمديرية التي يترأسها العقيد الأسطى عمر، تتبع المجلس المحلي فقط، والكل يعلم أن السلطة المطلقة لا يتمتع بها إلا ما يعرف بـ(مجلس شورى مجاهدي درنة)، وبالتالي ليس هناك أية سلطة فعلية للمجلس المحلي على المديرية الجديدة، وأن السلطة الفعلية هي لمجلس شورى مجاهدي درنة، الذي ربما سمح بتشكيل هذه المديرية المكونة من عسكريين ورجال أمن سابقين من أجل مجاراة الرأي العام والإعلام الذي لم ينفك عن المطالبة بتفعيل القانون ومؤسسات الجيش والشرطة والقضاء.

وفي ما يخص الأوضاع المعيشية في درنة، يقول المواطن محمد عبد الحفيظ، الموظف بالقطاع المصرفي: «بالنسبة لوضع السيولة والمصارف فهو على غرار المدن الليبية الأخرى، سيئ جدا، فمدينة درنة ليست استثناء عن هذا الواقع، لكن الكهرباء وضعها جيد، وثمة مجهودات واضحة من قبل العاملين في شركة الكهرباء، أما الوقود فوضعه سيئ جدا، ووجوده منعدم منذ أشهر داخل محطات التزود بالوقود، الأمر الذي حدا بالمواطنين إلى التزود بالبنزين من خارج المدينة، وتحديدا من مرتوبة وأم الرزم والبمبة شرقا، ورأس الهلال وسوسة وشحات غربا، كما أن الجهات العسكرية المسيطرة في هذه المناطق، تمنع تزويد الأهالي بوقود يزيد على عبوة غالون «20 لترا» لكل شخص، ما يعتبره أهالي درنة انتقاصا لحقوقهم.

 ارتفاع الأسعار سيد الموقف.. ولحم الخروف بـ 25 دينارًا للكيلوغرام والبقر بـ22 والدجاج بـ8 دنانير

من جانبه يرى سليمان داوود الموظف بقطاع المواصلات أنه ليست هناك مشاكل كبيرة في توفير السلع الأساسية والخبز والمواد الغذائية والخضراوات، غير أن الزيادة المرعبة في الأسعار جعلت كثيرا من هذه البضائع صعبة المنال بالنسبة للمواطن، فلحم الخروف يساوي 25 دينارا للكيلوغرام، ولحم البقر الصافي بـ22 دينارا، أما السمك فسعر الكيلو يتراوح ما بين 15و25 حسب النوع، والدجاج يتراوح سعر الكيلو غرام منه مبين الـ6 -8 دنانير.

وحول توفر الدواء، قالت ناجية خليفة الموظفة بقطاع الصحة: «إن هناك نقصا ملحوظا في الأدوية مصرية الصنع، كأدوية الضغط والمسكنات، وبالطبع فإن المنتوجات المصرية هي الأكثر رواجا نظرا لأسعارها المعتدلة نسبيا، لذا فإن الإشكال القائم الآن يكمن في عدم قدرة المواطن على شراء البديل الأجنبي، خاصة أن سعر الدولار في درنة متسق تماما مع أسعار الذهب والعملة في طرابلس وبنغازي، بمعنى أنه وصل حاليا إلى 7 دنانير».