الجيش يعزز دوره بـ «دعم روسي» و«النواب» ينخرط في حوار جزائري

شهد الحراك الليبي دفعات جديدة خلال الأيام الماضية، باتّجاه إيجاد مخرج للأزمة السياسية والعسكرية التي تعيشها ليبيا، فيما يستمر السباق بين المسار السياسي لحل الأزمة وتدهور الحالتين الأمنية والاقتصادية في عموم البلاد.

ففي حين جددت روسيا دعمها لجهود الجيش الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر، أبدى رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق فائز السراج استعداده للتعاون مع «جميع الأطراف»، من أجل الخروج بليبيا من أزمتها، وذلك بالتزامن مع نشاط دولي وإقليمي في الاتجاه ذاته.

للاطلاع على العدد (54) من «جريدة الوسط» اضغط هنا (ملف بصيغة pdf)

وقالت مصادر موثوقة لـ«الوسط» إن الجزائر بدأت وساطة جديدة «تشمل مختلف الأطراف الليبية»، موضحة أن مسؤولين جزائريين استمعوا إلى وجهة نظر رئيس مجلس النواب عقيلة صالح في أسباب تعثر الحل في ليبيا، مشيرين إلى أن السراج سيزور الجزائر للهدف نفسه.وكشفت المصادر عن «قبول مبدئي» من جانب عقيلة لفكرة تشكيل مجلس رئاسي جديد، لكن بغير التشكيلة الحالية، مضيفة أن «رئيس مجلس النواب تمسك بضرورة إعادة النظر في الاتفاق السياسي وتحديدًا المادة الثامنة، التي تنص على تعيين وزير دفاع من المجلس الرئاسي وحكومة الوفاق».

وكان عقيلة زار الجزائر مطلع الأسبوع، حيث رأى مسؤولون التقاهم هناك «ضرورة انتهاج حوار شامل لا يقصي أحدًا في سياق تجسيد المصالحة الوطنية». وقالت مصادر إعلامية: «يُعتقَد أن الجزائر تحض الليبيين على إشراك مسؤولين في النظام السّابق ضمن مشروع المصالحة، اعتقادًا منها بأن فشل المصالحة قد يمنع ليبيا من تحقيق أهداف محاربة الإرهاب عبر منع رفع الحظر عن تسليح الجيش الليبي».

مراقبون يربطون بين «الوساطة الجزائرية» ولقاء بوتفليقة أمير قطر

والتقى عقيلة صالح خلال الزيارة كلاً من رئيس الغرفة الثانية للبرلمان الجزائري (المجلس الشعبي الوطني) محمد العربي ولد خليفة، ووزير الشؤون المغاربية والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية الجزائري عبدالقادر مساهل.

وربط مراقبون الوساطة الجزائرية بزيارة أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، إلي الجزائر، التي تلت زيارة عقيلة صالح، ثم لقائه بالرئيس عبدالعزيز بوتفليقة أول من أمس الثلاثاء؛ حيث أعلن الطرفان دعمهما المجلس الرئاسي «من أجل تحقيق الاستقرار وتجاوز الأزمة»، حسب بيان رسمي، كذلك الأمر مع الزّيارة المرتقبة للسراج إلى العاصمة الجزائريّة في وقت لاحق.

حفتر في موسكو
في غضون ذلك، تلقى القائد العام للجيش المشير خليفة حفتر خلال الزيارة دعماً روسياً جديداً لجهود الجيش الوطني الليبي في «مواجهة الإرهاب»، فضلاً عن فتح نافذة غير مؤكدة لتلقي مساعدات عسكرية تساعد في تحقيق الأمن بالبلاد.

وخلال استقباله حفتر في مقر وزارة الخارجية، قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إن «موسكو تقيِّم عاليًا دور العسكريين الليبيين في الدفاع عن استقلال ليبيا».وأضاف مخاطباً ضيفه: «نقيم دوركم في الدفاع عن استقلال الدولة ووحدة أراضيها، ونرى عمق تفهمكم للروابط دفاعًا عن السيادة وضرورة سحق الإرهابيين»، وفقًا لما أوردته قناة «روسيا اليوم».

وأكد لافروف أن الجانب الروسي يدعو دائمًا إلى البحث عن سبل للمصالحة الوطنية في ليبيا، بمراعاة القرارات التي أصدرها مجلس الأمن الدولي، ولفت إلى أهمية تبادل التقييمات حول هذه الأمور.

وتأكيداً لهذا الدعم، ذكرت الرئاسة الروسية في وقت لاحق أنها «على اتصال بقائد الجيش الليبي في إطار مساعيها لإقامة علاقات مع مختلف ممثلي القوى السياسية الرسمية الليبية»، وفق ما أعلن الناطق باسم الكرملين دميتري بيسكوف، الذي قال للصحفيين أيضاً إن مسألة تقديم دعم عسكري لليبيا يتعين أن تطرح على وزارة الدفاع الروسية.

شعيب يناقش مع المبعوث الأممي الخطوات المقبلة لتنفيذ الاتفاق السياسي

من جانبه، ثمَّن حفتر عاليًا الدعم الروسي فيما يخص تسوية الوضع في ليبيا، ووصف العلاقات الروسية–الليبية بأنها ذات أهمية مصيرية، ودعا إلى إعطاء دفعة جديدة لإحياء هذه العلاقات.

وأضاف أنه بحث مع مسؤولي وزارة الدفاع عددًا من المسائل العسكرية، من بينها احتياجات الجانب الليبي في مجال محاربة الإرهاب، معرباً عن أمله في القضاء على هذه الظاهرة قريبًا بدعم من روسيا، علماً بأن وكالة «سبوتنيك» قالت إن القائد العام للجيش الليبي التقى أيضاً وزير الدفاع الروسي.

وفي وقت لاحق، قال حفتر: «إننا لا نريد أن نحرج أصدقاءنا الروس في مسألة التسليح، تكفينا في هذه المرحلة المواقف الثابتة لروسيا تجاه القضية الليبية، ووقوفها إلى جانبنا في المحافل الدولية، ولمسنا خلال هذه الزيارة أن أصدقاءنا الروس يتابعون باهتمام بالغ انتصارات الجيش الليبي ضد الإرهاب، وحرصهم على أن تستقر الأوضاع».

وأضاف في مقابلة مع وكالة أنباء «سبوتنيك» الروسية نشرتها أمس الأربعاء: إن «روسيا دولة عظمى وعضو دائم في مجلس الأمن، ومن هنا يمكن أن تقوم بدور مهم في منع أي قرارات من شأنها أن تضر بالجيش الليبي ومصالح الشعب الليبي، وبإمكانها أيضًا أن تؤثر في قرار رفع الحظر (تسليح) عن الجيش الليبي»، مشيرًا إلى أن «روسيا لديها شركات عملاقة في مختلف المجالات، ويمكن أن تساهم في عمليات إعادة الإعمار والاستثمار والاستكشافات النفطية، هذا كله يخدم الاقتصاد الليبي ويعزز العلاقة بين البلدين».واينر يطالب
وجاءت زيارة حفتر لموسكو غداة مطالبة المبعوث الأميركي الخاص إلى ليبيا، جوناثان واينر، بتوفير التمويل اللازم لقوات الحرس الرئاسي، مؤكدًا أنها تستطيع إحداث فرق كبير في الوضع الأمني في العاصمة طرابلس.

وقال واينر، في تغريدة نشرها على حسابه الخاص بموقع «تويتر»: «إن المجموعة الأولية التي يقودها العقيد نجمي الناكوع، البالغ عددها 580 من إجمالي 3000، تستطيع إحداث تغيير كبير في الوضع الأمني في طرابلس. ويحتاج إلى تمويل حالاً». وطالب واينر، في تغريدة أخرى، بالتوصل إلى اتفاق سريع بين المصرف المركزي ووزير المالية والمجلس الرئاسي للإفراج عن الميزانية اللازمة لتوفير الخدمات الأساسية والخدمات الصحية والكهرباء للمدنيين.

دعا السراج المؤسسة العسكرية إلى التعاون الكامل مع المجلس لوضع خطة شاملة لمحاصرة خطر الإرهاب

وأكد أن حل الخلافات يكون عبر الحوار وليس عن طريق العنف، مضيفًا: «من الأفضل للجميع في كل مكان، سواء ليبيا وغيرها، حل الخلافات عن طريق الحوار وليس العنف. فالمواطنون يستحقون الأمن والحرية أيضًا».

وكان المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق أصدر في يوليو الماضي قرارًا بإنشاء الحرس الرئاسي، الذي يتكون من وحدات الجيش والشرطة الذين يجري اختيارهم وإعادة تبعيتهم من مختلف الوحدات وكذلك الراغبين بالالتحاق للخدمة بصفوفه من مختلف المدن الليبية.

من جانبه، دعا رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني، فائز السراج، المؤسسة العسكرية إلى التعاون الكامل مع المجلس لوضع خطة شاملة لمحاصرة خطر الإرهاب، مشيرًا إلى أنه بالرغم من قرب انتهاء العمليات العسكرية في سرت فإن خطر الإرهاب لا يزال قائمًا في كل أنحاء ليبيا.

وقال السراج، في حوار مع جريدة «الشرق الأوسط» السعودية نُشر الاثنين الماضي: «يجب أن نعمل معًا لتنظيف البلاد من هذا الخطر الذي يتهدد الجميع، وعمليات سرت العسكرية ضد تنظيم داعش قاربت على الانتهاء»، مضيفًا أنه «يأمل أن يكون هناك توافق مع المؤسسة العسكرية لمكافحة الإرهاب على كامل تراب ليبيا».

ومثلت زيارة وزير الخارجية اليوناني نيكوس كوتزياس إلى طرابلس مناسبة لإعلان تأييد أثينا للاتفاق السياسي الليبي. وقالت إدارة الإعلام والتواصل بمجلس الوزراء عبر صفحتها على موقع «فيسبوك» إن السراج استقبل وزير الخارجية اليوناني والوفد المرافق له ظهر الاثنين في قاعدة أبوستة البحرية بالعاصمة طرابلس، بحضور المفوض بوزارة الخارجية والتعاون الدولي في حكومة الوفاق الوطني محمد الطاهر سيالة. وأكد الوزير اليوناني دعم الحكومة اليونانية للاتفاق السياسي الليبي متمنيًا لليبيا الأمن والاستقرار.حوار في «النواب»
وفي سياق متصل، التقى رئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا مارتن كوبلر، الثلاثاء، النائب الأول لرئيس مجلس النواب امحمد شعيب في مدينة طبرق شرق ليبيا. وقال كوبلر إنه ناقش مع شعيب الخطوات المقبلة لتنفيذ الاتفاق السياسي ودور مجلس النواب.

وكان شعيب قال إن المجلس منخرط في حوار سياسي وطني لمعالجة الانسداد السياسي، مشيرًا إلى أن المجلس لم يتمكن من عقد جلسته يوم الاثنين لهذا السبب.

وقال شعيب، في مقطع فيديو نشر على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»: «إن أعضاء مجلس النواب لم يتمكنوا من عقد جلسة بسبب انشغال الأعضاء في حوار سياسي لمعالجة الانسداد السياسي الموجود في البلاد»، مضيفًا أنه «يتمنى أن تشهد الأيام المقبلة حوارًا صريحًا من أجل الخروج من الأزمة السياسية».

لا تزال مشكلة عدم توفّر السّيولة النقدية في مصارف البلاد تشكّل مصدر معاناة رئيسي للمواطن الليبي

وكشف عضو مجلس النواب زياد دغيم لـ«الوسط» عن أن النائب الأول لرئيس مجلس النواب، امحمد شعيب، جرى اقتراح اسمه على المبعوث الأممي ليختار الفريق الذي يمثل النواب الداعمين لاتفاق الصخيرات، على أن يقوم رئيس مجلس النواب عقيلة صالح باختيار الأعضاء الرافضين للاتفاق، كما يقوم رئيس المجلس الأعلى للدولة بالغرب والشرق باختيار الأعضاء التابعين لهم، وأخيرًا يقوم رئيس المؤتمر الوطني العام باختيار الأعضاء التابعين له».

في هذه الأثناء لا تزال مشكلة عدم توفّر السّيولة النقدية في مصارف البلاد تشكّل مصدر معاناة رئيسي للمواطن الليبي، وضاعف من هذه المعاناة الارتفاع القياسي لسعر الدولار مقابل التدنّي غير المسبوق للدينار، وما ترتّب على ذلك من ارتفاع متسارع للأسعار في السوق الليبية، رغم اجتماعات ووعود المسؤولين بمعالجة متدرجة لهذه المشكلة، عقب اجتماعي لندن وروما الشهر الماضي، واللذان خصصا لإيجاد حلول للأزمة الماليّة المتفاقمة التي تعيشها البلاد.

في هذا الوقت أيضًا لا تزال حالة التوتّر الأمني تسود أحياء العاصمة طرابلس على إثر اتّهامات متبادلة بين مجموعات مسلّحة، على خلفيات حالة اغتيال وخطف شهدتها المدينة الأسابيع الماضية. كلّ ذلك أدى ببعض الأطراف والنشطاء إلى عصيان مدني كامل في العاصمة السبت الماضي، إلا أن ذلك لم يلاحظ إلا بشكل جزئي من خلال قفل بعض الطرق والمدارس.
للاطلاع على العدد (54) من «جريدة الوسط» اضغط هنا (ملف بصيغة pdf)

المزيد من بوابة الوسط