عودة التلاميذ إلى المدارس.. الأسعار تثقل كاهل أولياء الأمور

مع بداية العام الدراسي تتزايد الأعباء الملقاة على عاتق أولياء الأمور والأسر التي باتت مطالبة بتوفير مستلزمات مدرسية، ومصاريف دراسية وملابس بأسعار مرتفعة لا يقدر عليها كثير من المواطنين الذين لا يجدون سيولة مالية، ويثقل كاهلهم غلاء أسعار المواد الغذائية وانقطاع التيار الكهربائي والمياه، وهو الأمر الذي يحمل التلاميذ والطلاب أعباءً إضافية في مستهل عام جديد لم تصل فيه كتب المناهج التعليمية إلى جميع المدارس.

«بوابة الوسط» حاورت أولياء أمور ومعلمين شكوا من ارتفاع الأسعار وصعوبة الأوضاع في العملية التعليمية بشكل عام؛ إذ قال أبوبكر القطراني، أحد النشطاء في بنغازي، إن «المواطن في وضع لا يحسد عليه، فهو بين مطرقة غلاء الأسعار وسندان نقص السيولة وطوابير المصارف، كذلك هو بين ضعف إمكانات المدارس العامة وتردي وضعها وأدائها، وبين عدم قدرته على توفير ودفع رسوم الاشتراك المرتفعة للغاية بالمدارس الخاصة، إذ يتم دفع ألف دينار عن كل طالب».

ضمير غائب.. وغلاء حاضر
ولا تخف مبروكة بوغرارة، معلمة من مدينة البيضاء، قلقها إزاء العام الدراسي الجديد، متسائلة: «كيف لأم مثلي لها خمسة أولاد بعضهم في الجامعة أن تستقبل عامًا دراسيًا يحتاج إلى عدد كبير من الكراسات وزي مدرسي وحقائب وأدوات وأحذية في غياب السيولة، وغلاء الأسعار وضمير غائب من المسؤولين والتجار». وتضيف: «سيكون أمرًا صعبًا إذا طلبنا من المدرس الفقير العطاء وهو أيضًا يعاني الغلاء، وأحوال المدارس فبعضها لا يصلح لأداء الحصص، ومع غياب المسؤولين عن العملية التعليمية تتعقد الأوضاع».
وتدعو المعلمة إلى ضرورة أن يجتمع مسؤولو التعليم للتخفيف من معاناة أولياء الأمور، وعدم إثقال كواهلهم بطلبات المدارس، متابعة بالقول «يجب أن نقف وقفة جادة لأنه إذ فشل التعليم في بلادنا فستكون طامة كبرى، أبناؤنا هم المستقبل لبلد بات في مهب الرياح».

 

كيف لأم مثلي لها خمسة أولاد بعضهم في الجامعة أن تستقبل عامًا دراسيًا في غياب السيولة، وغلاء الأسعار وضمير غائب من المسؤولين والتجار.

ويرى مفتاح الشوماني، أحد سكان المرج، أن الحصول على أقل الضروريات أصبح صعبًا في ظل أوضاع اقتصادية ضعيفة تعانيها ليبيا، مضيفًا: «لا نخفي معاناة النازحين وما يعانيه أولياء أمورهم من صعوبة المعيشة، الواقع صعب على جميع مكونات العملية التعليمية من مدرس وطالب وأولياء أمور».

حتمية عودة الدراسة
الموجه التربوي نوري السعيد من شحات، يشير إلى أن إيقاف الدراسة يعد أمرًا كارثيًا يدفع ثمنه جيل كامل، مشددًا على أن «الحياة لابد أن تستمر مهما كانت الصعاب والعراقيل، فالإيقاف يعني عدم وجود أمان أو استقرار، وهذا له تأثير خارجي خصوصًا أن الكتاب المدرسي متوفر والمعلمين موجودون». وينوه إلى أن مكوث التلاميذ في البيت بعيدًا عن جو المدرسة «بداية الانحراف لأن الفراغ مفسدة»،كما تشير مرفت دومة، معلمة وناشطة من بنغازي، إلى صعوبة اقتناء ملابس مدرسية جديدة للتلاميذ في ظل الأوضاع الاقتصادية غير المستقرة، مستطردة: «لا يخفى على أحد أزمة السيولة والغلاء المعيشي وعجز المواطن عن توفير احتياجاته اليومية، فما بالنا بالزي المدرسي والكراسات والكتب»، منبهة إلى ضرورة دعم الدول للأسر المحتاجة كي تتمكن من تعليم أبنائها.

ونقلت إذاعة أجدابيا شكاوى لسكان طرابلس من ارتفاع أسعار الملابس المدرسية والمستلزمات من كراسات وأقلام وأوراق وحقائب؛ إذ وصل سعر الكراسة إلى 3 دنانير والحقيبة إلى 45 دينارًا، مع صعوبة الأوضاع الأمنية والخوف من تعرض التلاميذ لعمليات خطف وابتزاز، محملين التجار وأصحاب المحلات مسؤولية رفع الأسعار بشكل مبالغ فيه.
العزوف عن التعليم.

وقال إدريس عامر، مدرس تربوي، «إن استمرار الغلاء قد يؤثر في المستوى التعليمي؛ حيث إن ولي أمر الطالب لا يستطيع توفير حقيبة وأقلامًا وكتبًا لا سيما عندما يكون له أربعة أو خمسة أطفال، وقد تضطر بعض الأسر إلى تأخير إلحاق أبنائهم بالتعليم بسبب المصاريف، في حين قد يصل الأمر إلى عزوف أسر عن تعليم أبنائها من الأساس».
وفي طبرق وللتغلب على غلاء الأسعار تم تنظيم حملة لجمع الأدوات المدرسية تحت شعار «انسخ فرحة طفلك على وجه طفل آخر»، بمشاركة مؤسسات أهلية وخيرية، مع عدم تمكن بعض الأسر من الوفاء بالالتزامات المدرسية تجاه أبنائها.

الدولار حجة التجار.. والأسرة والتلاميذ الضحية
ويجسد الكاتب والأديب الصديق أبودوارة من البيضاء الأزمة، بقوله: «عام جديد أتى ومشكلة قديمة لا تزال قائمة، وكأن لا شيء قابل للتنازل عن خطورته. القدرة على الإنفاق أقل بكثير من الرغبات المتأججة الحصول على سلع مشتهاة. هذه المرة المشكلة تبدأ من باب المدرسة وتنتهي بميزانية الأسرة مرورًا بباب مصرف».التقشف مطلوب واسترسل: «المعضلة تكمن في أن باب المصرف مغلق، وميزانية الأسرة منهكة، أما باب المدرسة فهو محفوف بعلامات الاستفهام التي تبدو بلا جواب. هذه السنة حيث تراجعت القدرة المادية إلى حد كبير، وصار مطلوبًا من المدرسة أن تتجاوب مع هذا التردي في الإنفاق بانتهاج سياسة متواضعة بدورها تجنح التقشف، وتترفع عن المطالب الباهظة والزي الخاص والحقيبة الجديدة والعدد الفلكي للكراسات والملازم».

هذه المرة المشكلة تبدأ من باب المدرسة وتنتهي بميزانية الأسرة مرورًا بباب مصرف.

وتحدث حماد أبوسريرة من البيضاء عن حتمية وضرورة أن تستكمل العملية التعليمية، قائلاً: «التعليم هو الركن الأساسي في أي عملية، وحينما ضعف التعليم ضعفت مخرجاته مما أدى إلى مجموعة من الأزمات وأخطرها أزمة الفكر».

ويعتقد أبوسريرة أن مشكلة الهياكل التعليمية تبدأ من رأس الهرم (وزارتي التعليم) انتهاءً بأقل وحدة تعليمية (روضة- مدرسة - كلية أو معهد)، مضيفًا: «مديرو تعليم لا يصلحون لإدارة أقل وحدة تعليمية، ومع بداية العام الدراسي الجديد 2016 - 2017 في ليبيا تبدأ معاناة المواطنين في تلبية متطلبات أبنائهم المدرسية في ظل ظروف سياسية واقتصادية صعبة مما يهدد المسيرة التعليمية ومستقبلها»، منبهًا إلى تحجج التجار في رفع الأسعار بارتفاع سعر الدولار.

وواصل: «استمرار الاضطرابات السياسية والأمنية والاقتصادية تزيد من الأعباء التي يتحملها رب العائلة، فضلاً عن تأثير كل ذلك على ضعف التمويل على جودة التعليم، مما يؤثر في المخرج النهائي المتمثل في الطلاب».
وعن تأخر وصول الكتب الدراسية إلى بعض المدارس، أجمع معلمون وأولياء أمور أن هذه المشكلة تتكرر كل عام، وأحيانًا لا يمكن تجاوزها إلا مع قرب انتهاء العام الدراسي. كما شددوا على أن إصلاح التعليم لن يتم إلا بتكاتف الجميع وتقبل الآخر وإبعاد الصراعات عنه كونه أحد السبل الهامة لبناء مستقبل ينهض بليبيا.

المزيد من بوابة الوسط