الحرب ضد الإرهاب في ليبيا تفجر معركة خفية بين الجزائر وواشنطن وتونس

كشفت الحرب الأميركية على تنظيم «داعش» في سرت، باستخدام قواعد عسكرية لها في تونس، عن انزعاجًا جزائريًّا من رضوخها لشروط مبهمة بموجب اتفاقية مشتركة وقِّعت العام الماضي في واشنطن، وفي المقابل أزاحت الستار عن الاستراتيجية الأميركية الجديدة المتبعة لمراقبة الوضع الليبي عن قرب. وطالبت الجزائر من تونس في إطار دبلوماسي، توضيحات حول التسريبات المتعلقة باستخدام واشنطن الأراضي التونسية لضرب تنظيم «داعش» في ليبيا، مثيرة تساؤلات حول حقيقة وعيها بكل أبعاد العمليات العسكرية الأميركية الموجودة في تونس في هذا الإطار وفق ما نقلت مصادر جزائرية.

حادثة بنغازي

وبعد هجمات بنغازي العام 2012 التي أودت بحياة السفير كريس ستيفنز في ليبيا، كثفت الولايات المتحدة من مساعيها بدول شمال أفريقيا لإنشاء قواعد عسكرية تنطلق منها طائراتها في حال وقوع طارئ في البلاد، فخلال حادثة اغتيال السفير الأميركي في بنغازي استغرق وصول طائرة دون طيار انطلقت من قاعدة تقع في شمال إيطاليا ساعتين وهو وقت طويل، ومن حينها أجرت واشنطن محادثات مع دول شمال أفريقيا لإنشاء قاعدة عسكرية استخباراتية لطائرات من دون طيار على أراضيها، لمراقبة تحركات تنظيم «داعش» والتنظيمات المسلحة الأخرى في ليبيا، وتعتبر تونس البلد الأقرب لإقامة هذه القاعدة الأميركية على أراضيها، بعد أن منحتها الولايات المتحدة صفة شريكها غير العضو بحلف «ناتو»، وتوقيعها على مذكرة تفاهم مع الولايات المتحدة تتضمن بنودًا تتعلق بالشأن العسكري.

ومعلوم في هذا الإطار أن تونس دخلت منذ 13 نوفمبر 2015 ضمن قائمة الدول التي تقدم لها القوات الأميركية الدعم العملياتي في حربها على الإرهاب، التي شملت أنشطتها كما هو معروف في اللغة العسكرية «المشورة القتالية والمرافقة وتمكين المساعدة».

وكشفت المحادثة التي جمعت كلاً من الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي ووزير الخارجية الأميركي جون كيري بتاريخ 13 نوفمبر 2015، عن تجديد موافقة السبسي على مشروع حمل عدة بنود ظلت سرية، وحسب التسريبات الأميركية تقضي الاتفاقية بأن «تفتح تونس أجواءها دون شروط أو قيد لقوات ناتو للتجسس والمسح الأراضي عبر طائرات الأواكس». إلى جانب السماح بتواجد قوات أجنبية على أراضيها للمراقبة الإلكترونية عبر الأقمار الصناعية والطائرات دون طيار، والمجسات الأرضية أو عبر جنود البحرية لقوات «ناتو» بما فيهم جنود البحرية الأميركية (المارينز). ويسمح أيضًا المشروع بتجسس تونس على مواطنيها لفائدة وكالة الأمن القومي الأميركي، التي تتضمن التجسس على البيانات الشخصية والخاصة ومحتويات الاتصالات الهاتفية، أو التي تجرى عن طريق الإنترنت للمواطنين التونسيين.

محمد ربيحي: الجزائر ترفض بشكل معلن القواعد العسكرية والتواجد الأجنبي لمكافحة الإرهاب

حلم أميركي بقاعدة في تمنراست

وقبل أن يتحول التواجد الأميركي في تونس إلى حقيقة، فعلت واشنطن كل ما في وسعها لتأجير قاعدة جوية في تمنراست، في أقصى جنوب الجزائر، حيث تعتبره موقعًا مثاليًّا لقربه من ليبيا وتغطية كامل منطقة الساحل والصحراء.

 

وكانت الجزائر الوجهة المفضلة لمسؤولين رفيعي المستوى من الجيش الأميركي ووكالات المخابرات، بهدف وحيد لإقناع نظرائهم الجزائريين لتكثيف «التعاون في مكافحة الإرهاب»، أو بالأحرى، لتنضم إلى رؤية الولايات المتحدة في «الحرب ضد الإرهاب»، ولكن السلطات رفضت في 2014 الطلب الأميركي بإقامة قاعدة لطائرات دون طيار «درونز».

 

ويفسر أستاذ العلاقات الدولية بجامعة تيزي وزو (شرق الجزائر) محمد ربيحي حساسية بلاده من القواعد الأجنبية بدول مجاورة، بطبيعة رؤية الجزائر لطريقة مكافحة الإرهاب في مناطق مثل ليبيا، واختلافه عن المنظور الأميركي. إذ ترفض الجزائر بشكل معلن القواعد العسكرية والتواجد الأجنبي لمكافحة الإرهاب، حيث ترى أفضل وسيلة لمكافحة الإرهاب «دعم الحكومة المحلية الشرعية عسكريًّا في ليبيا حتى تستطيع هزيمة الجماعات الإرهاب». في حين الاستراتيجية الأميركية في مجال مكافحة الإرهاب تركز على القضاء على الإرهابيين في مواقع تواجدهم.

 

غموض جزيرة بانتيليريا

وفضلاً عن ذلك علق موقع «ميدل ايست آي» البريطاني أنه بعد «تفجر فضيحة جديدة حول استخدام طائرات دون طيار تجاه ليبيا انطلاقًا من تونس، فإن الولايات المتحدة ترمي لهدف شبه مستحيل وهو مراقبة منطقة الساحل بأكملها»، مذكرًا بتواجد قواعد «روتا ومورون» في إسبانيا - ممولة بالكامل من قبل الولايات المتحدة - لتكون من المراكز الأميركية الرئيسية في حال وجود أي عمل عسكري في شمال أفريقيا.

وتستخدم «أفريكوم» أيضًا جزءًا من القاعدة الجوية كلميم جنوب المغرب لأنشطة المراقبة الجوية. وهذا هو الحال في مالي وبوركينا فاسو، حيث تحتفظ فرنسا والولايات المتحدة بوجود واضح من حيث الاستطلاع أيضًا.
كما أصبح مطار لوقا الدولي في مالطا مرتعًا للقوات الإيطالية والفرنسية والطيران الأميركي، للقيام بعمليات مراقبة في خليج سرت، ففي كثير من الأحيان تحت غطاء العمليات التي أطلقتها وكالة حماية الحدود في الاتحاد الأوروبي فرونتكس لمراقبة الهجرة غير المصرح بها.

ويضيف الموقع البريطاني أن الموقف الأكثر غموضًا، استخدام قوات الاستخبارات الأميركية لمراقبة تونس وليبيا، جزيرة بانتيليريا، فهذه الجزيرة الإيطالية الصغيرة، وطولها بالكاد 60 كيلومترًا قبالة ساحل قليبية في تونس، أصبحت منصة بحرية مزدحمة للمخابرات الغربية.

ويدعو خبراء عند محاولة فهم السبب الرئيسي لاستراتيجية الولايات المتحدة لنشر طائرات دون طيار في جميع أنحاء المنطقة، النظر إلى القدرات الفعلية للطائرات بدون طيار «ريبر»، والتي تستخدم بشكل كبير في ليبيا ودول الساحل ويؤكدون أنه حتى مع نحو ألف طائرة بدون طيار، فإنه لا يزال من الممكن تغطية نسبة ضئيلة من هذه المنطقة الهائلة، التي تغطي 3 كيلومترات مربعة.

المزيد من بوابة الوسط