«الوسط» تحقق من فزان في ثروة «الشجرة المباركة»

في محاولة للوقوف على وضعية إنتاج الزيتون في فزان جنوب ليبيا، زارت «الوسط» أول معصرة لإنتاج زيت الزيتون في المنطقة ذاتها، التي تشتهر بزراعة النخيل منذ القدم، لكن مزارعيها استطاعوا الاستمرار حتى الآن في زراعة الزيتون وإنتاج زيته على الرغم من قلة الإمكانات.

وفي «معصرة سمنو لعصر ثمار الزيتون وبيع منتجاته» في بلدة سمنو ببلدية وادي البوانيس، التقت «الوسط» الحاج فتحي صالح أحمد أحد المشرفين على المعصرة، فقال: «إن المعصرة تستقبل محاصيل الزيتون يومياً من مختلف مناطق الجنوب مهما تكون كميتها دون شروط»، مبيناً أن هناك خمس مراحل لعملية إنتاج زيت الزيتون داخل المعصرة.

وأوضح أن المرحلة الأولى هي تعبئة الزيتون، تليها عملية الغسل والتنظيف من الشوائب، وبعدها مرحلة الكسارة «لتدشيش الزيتون» ثم «مرحلة العاجنة ويليها مرحلة العصر التي يجري خلالها فرز الماء عن الزيت، ثم تعقيبها عملية تصفية الزيت وهي المرحلة الأخيرة قبل تعبئة زيت الزيتون في عبوات».

ليبيا تمتلك 8 ملايين شجرة زيتون.. والاستهلاك المحلي 70 ألف طن سنويًا

وأضاف أن حجم العبوات يبدأ من «لتر إلى 20 لتراً»، منوهاً إلى أن انقطاع التيار الكهربائي تسبب في تقليل وتوقف الإنتاج والعمل بالمعصرة.

أما أحميد عبدالسلام الطاهر، وهو أحد مزارعي الزيتون في منطقة سمنو؛ فقال لـ«الوسط» إن هذه المعصرة، تعتبر الأولى من نوعها في فزان، لافتاً إلى أن زراعة أشجار الزيتون «في الماضي كانت تقتصر على زراعة أشجار زيتون المائدة، ولم تكن هناك معصرة» لكن «خلال السنوات الأخيرة أصبحت أغلب مناطق الجنوب تقوم بزراعة الزيتون وكانت تقوم بعصر الزيت في مناطق الشمال» قبل إنشاء المعصرة.

وقت مبكر
وأضاف أن المعصرة «تسهم في الاهتمام بشجرة الزيتون والإكثار من زراعتها خصوصاً أن شجرة الزيتون تزرع في أي أرض». وبين أن «الجنوب ينتج الزيتون من شهر يوليو وهو وقت مبكر ليس مثل الشمال أو الشرق في شهر نوفمبر ولا تستهلك ماء كثيراً، حيث يتم ريها مرة واحدة في الأسبوع».

ودعا الطاهر أهل الجنوب إلى «التركيز على هذه الشجرة المباركة (الزيتون)». لكنه أوضح أن الفلاح في الجنوب الذي يزرع أشجار الزيتون «يعاني بعض المشاكل، منها ارتفاع أسعار الشتلة والمواسير ومستلزمات الإنتاج».وأوضح أن شجرة الزيتون لابد من رعايتها لمدة أربع سنوات حتى تبدأ في الإنتاج، لكن ارتفاع أسعار العمالة اللازمة لتقليم وجني الزيتون وغياب الآلات الحديثة في ظل الظروف الراهنة في البلاد مكلف جدا. مطالبا بتفعيل جمعية الزيتون والنخيل بمنطقة تمسه من أجل أن تستورد الآلات التي تخص شجرة الزيتون وتأجيرها بسعر يكون في متناول الفلاح.

رفع الإنتاجية
ويحرص مركز تنمية الصادرات الليبية على إقامة فعاليات معرض ثمار وزيت الزيتون كل عام، ويهدف المعرض إلى مزيد التعريف بأهمية زيت الزيتون وكيفية العناية والاهتمام بأشجار الزيتون ورفع الإنتاجية من الزيتون وتطوير المساحات المزروعة بأشجار الزيتون. كما يهدف المعرض إلى التعريف بعمليات عصر الزيتون والتعبئة والتغليف، فضلاً عن تحفيز المزارعين على زيادة الاهتمام بهذه الشجرة المباركة، وتحسين مستوى الإنتاجية، والتعريف بالأماكن التي تشتهر بزراعة أشجار الزيتون على مستوى ليبيا.

انقطاع التيار الكهربائي يقف وراء تقليل وتوقف إنتاج الزيتون والعمل بالمعصرة

ويصاحب المعرض الذي يدور الحديث عنه عدد من الندوات العلمية، تتناول أهمية وجودة زيت الزيتون، وتحسين وتطوير طريقة جني ثمار الزيتون، إضافة إلى لقاءات وحوارات عدة بين الاختصاصيين والمهتمين والمزارعين وأصحاب معاصر الزيتون بهذا الجانب، ومشاهد وطرق زراعة أشجار الزيتون وقطف ثماره.

على صعيد ذي صلة، تعاني أشجار الزيتون في البلاد، بحسب تقارير صحفية، إهمالاً منذ سنوات نتيجة عدم وجود رقابة عليها من الحكومات المتعاقبة، فضلاً عن عدم دعم المزارعين من أجل المحافظة على الشجرة المباركة.
وعرف الليبيون شجرة الزيتون منذ العصور القديمة فاستغلوها أحسن الاستغلال، وأكلوا ثمارها، وتوارثوها لأجيال، ما جعلها تحتل موقعاً مميزاً في العديد من الثقافات الليبية. ويحتاج زيت الزيتون في ليبيا إلى إعادة النظر في تطبيق معايير الجودة الدولية من أجل خروجه للسوق العالمية، لاسيما أن الزيت المحلي يجد رواجاً في الأسواق الأوروبية. ويراوح الاستهلاك المحلي من زيت الزيتون ما بين 60 و70 ألف طن سنوياً، نصفها يُصنّع محلياً والباقي يستورد من الخارج.

دعم الزيت
وكانت ليبيا تقوم بدعم سلعة زيت الزيتون بشرائها من الخارج وتوزيعها بسعر مدعوم خلال فترة الثمانينات من القرن الماضي عبر الأسواق العامة آنذاك. ومن ثم ألغت الدعم عن زيت الزيتون، مطلع التسعينات، واستبدلته بدعم الزيت النباتي، الذي تستهلك منه البلاد نحو 130 ألف طن سنوياً.وتمتلك ليبيا ثمانية ملايين شجرة زيتون، موزعة على مختلف أنحاء البلاد، وسط توقعات بتزايد إنتاج البلاد من الزيتون إلى ما يقترب من 160 ألف طن على أساس 20 كيلو غراماً للشجرة الواحدة كمتوسط إنتاج. وتعتمد نُظُم زراعة الزيتون في ليبيا إلى حد كبير على مياه الأمطار، بالإضافة إلى نظام الري الطبيعي، ويتطور عدد أشجار الزيتون في ليبيا، حيث ارتفع من نحو 800 ألف شجرة في العام 1932 إلى حدود 3.31 مليون شجرة في العام 1971، فيما وصل عدد الأشجار إلى ذروته في العام 2007، عندما سجل نحو 12 مليون شجرة، وفق تقديرات مصلحة الإحصاء والتعداد الليبية.

وقبل خمسة عقود، كانت ليبيا بين أهم الدول في العالم إنتاجاً لزيت الزيتون، حيث كان يقوم معظم اقتصادها على صناعته والتجارة فيه، لكن مع دخول ليبيا عالم النفط بفضل ثرواتها النفطية الهائلة، التي جعلتها في موقع متقدم بين منتجي العالم، تخلت الدولة عن الزراعة، لاسيما الزيتون، الذي ارتبطت به تاريخياً لعقود طويلة.
للاطلاع على العدد (47) من «صحيفة الوسط» اضغط هنا (ملف بصيغة pdf)

المزيد من بوابة الوسط