حكاية اقتحام «مجلس الدولة».. كيف بدأت وتطورت وما النتائج؟

لم يحصل «مجلس الدولة» بعد على شرعيته من مجلس النواب الذي يشترط تعديلاً بالإعلان الدستوري أولاً إلا أنه كان مسرحًا مهمًّا لتطور جديد في الأزمة السياسية في ليبيا.

ففي الوقت الذي دان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والبعثة الأممية في ليبيا سيطرة «حكومة الإنقاذ» برئاسة خليفة الغويل، أول من أمس الجمعة، على مجمع قصور الضيافة، حيث مقر مجلس الدولة في طرابلس، دعت الحكومة الموقتة شرق البلاد مجلس النواب (في طبرق) إلى النظر في دعوة وجهها مقتحمو قصور الضيافة بخصوص تشكيل حكومة وحدة وطنية، وأعلن المجلس الرئاسي قرارًا بضبط كل مَن حاول أو حرض على الاقتحام من السياسيين والعسكريين.

كيف إذن بدأت أحداث مشهد ينذر بمزيد من الانقسام السياسي في البلاد؟

يوم الحرس

قبل أسبوع تقريبًا، أغلق الحرس الرئاسي المكلف تأمين مجلس الدولة مقره، فيما منع الأعضاء من دخوله احتجاجًا على عدم صرف رواتبهم لعدة أشهر. وكان لهذا الأمر أبعاد تعود إلى فترة تسلم المقر، وفق ما أوضح أحد أعضاء مجلس الدولة، الذي قال لـ «بوابة الوسط»: «حينما شرع المجلس الأعلى للدولة في عملية تسلم مقر المؤتمر السابق رفض آمر الحرس، علي الرمالي، الانصياع لأوامر رئيس المجلس عبدالرحمن السويحلي وانسحب وأخلى المقر رفقة مجموعة من الحرس، في حين بقيت مجموعة أخرى للحماية رفضت أوامر الرمالي وأمر هو بإيقافها».

«الإنقاذ» دعت في بيان سابق التشكيلات العسكرية إلى التأهب والاستعداد للعودة بالوطن

واستولى الرمالي، وفق المصدر الذي تحفظ على ذكر اسمه، على منظومتي الحرس والرواتب، مما سهل للمجموعة المنسحبة تقاضيها رواتبها، وأعاق الأمر بالنسبة للمجموعة الباقية التي أبدت تذمرًا، خصوصًا بعد تلقيها وعودًا لم تتحقق من «الأعلى للدولة» بتسوية أوضاعها، قبل أن تقرر إغلاق المقر ومنع الأعضاء من دخوله إلى حين حل أزمتهم.

وفي يوم إغلاق الحرس المقر، أصدرت «حكومة الإنقاذ» بيانًا دعت فيه «التشكيلات العسكرية المنطوية تحت رئاسة الأركان وغيرها من التشكيلات الأمنية إلى التأهب والاستعداد للعودة بالوطن إلى حالة الاستقرار».

إعلان سيطرة
لتعلن «الإنقاذ»، في أعقاب ذلك بأربعة أيام، سيطرتها على مجمع قصور الضيافة، حيث عقدت اجتماعًا مع بقايا «المؤتمر الوطني المنتهية ولايته»، في حضور النائب الأول لرئيس المؤتمر عوض عبدالصادق.

كما دعت «حكومة الغويل» الحكومة الموقتة إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية، وقال بيان لها: «ندعو بشكل مباشر السادة في الحكومة الموقتة إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية كنتيجة للحوارات السابقة ومطالب الشعب الليبي».

وأصدر المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني تعليماته لوزارة الداخلية والأجهزة الأمنية بالتواصل مع مكتب النائب العام لمباشرة إجراءات القبض «على مَن خطط ونفذ حادثة اقتحام مقر مجلس الدولة من السياسيين». وحذر أية مجموعة خارجة عن شرعية حكومة الوفاق الوطني من التعدي على مؤسسات الدولة، كما اعتبر فيه أن اقتحام مقر مجلس الدولة هو استمرار لمحاولات عرقلة تنفيذ الاتفاق السياسي.

«الموقتة» دعت مجلس النواب للنظر في الدعوة الموجهة من «الإنقاذ» بتشكيل حكومة وحدة وطنية

فيما أكد مجلس الدولة، برئاسة عبدالرحمن السويحلي، استمراره في عمله وتعاونه مع المؤسسات الشرعية للتعامل مع اقتحام مقره أمس الجمعة، الذي وصفه بـ«العمل الإجرامي». وكلف المجلس إدارة الأمن والحماية التابعة له بتحديد العناصر التي ساهمت في تسهيل تسلل هذه المجموعات، وطالبت الإدارة بالتعاون الكامل مع كل الأجهزة الأمنية في هذا الخصوص.

انقسام واضح

وردًّا على دعوة «الإنقاذ»، قال بيان للحكومة الموقتة شرق البلاد «إن التطورات السابقة تفصح بصورة جلية عن الفوضى العارمة التي طالت كل مناحي الحياة، وذلك بارتفاع معدل الجريمة وترويع الآمنين والاستيلاء على الوزارات والمؤسسات العامة من خلال اغتصاب السلطة التنفيذية بطريقة غير شرعية وما نجم عنه من سوء لاستعمال السلطة وهدر للمال العام بإدارتها من خارج الوطن».

وأشار البيان إلى أن الأحداث السابقة ألقت بظلالها على الأوضاع السياسية والحياة المعيشية للمواطن؛ مما أدى إلى شلل كامل للدولة ومؤسساتها، داعيًا مجلس النواب، بصفته السلطة التشريعية الوحيدة في البلاد، للنظر في الدعوة الموجهة بخصوص تشكيل حكومة وحدة وطنية تمثل تطلعات الشعب الليبي بجميع أطيافه.

ودوليًّا، أثارت الأزمة ردود فعل واسعة، إذ جدد رئيس بعثة الأمم المتحدة إلى ليبيا، مارتن كوبلر، عملية الاقتحام، وقال: «إن مثل هذه الأفعال ستؤدي إلى مزيد من الاضطرابات وانعدام الأمن، ويجب أن تنتهي من أجل الشعب الليبي»، مجددًا «دعمه القوي» للمجلس الرئاسي.

وقالت وزارة الخارجية الأميركية، في بيان، إنه ينبغي إعادة المباني الحكومية بالعاصمة طرابلس إلى سيطرة حكومة الوفاق الوطني، مؤكدة ضرورة تحلي جميع الأطراف بضبط النفس، ودعتها إلى العمل معًا من أجل خلق ليبيا آمنة ومزدهرة وحرة تفي بجميع احتياجات شعبها بناء على الاتفاق السياسي.

مكتب خدمة العمل الخارجي الأوروبي: استخدام القوة للاستيلاء على السلطة في ليبيا لا يؤدي إلا لمزيد من الفوضى

وأكد الاتحاد الأوروبي: «أنه من الأهمية بمكان أن يعمل جميع أصحاب المصلحة بشكل مشترك لدعم تنفيذ الاتفاق السياسي في ليبيا من أجل إحداث عملية ديمقراطية يجد فيها كل الشعب الليبي مكانه».

وقال بيان لمكتب خدمة العمل الخارجي الأوروبي في بروكسل، السبت، «إن استخدام القوة للاستيلاء على السلطة في ليبيا لا يمكن أن يؤدي إلا لمزيد من الفوضى ودوامة من العنف، سيكون الشعب الليبي ضحيتها الأولى».

وهو ما يتفق معه مراقبون يرون في حادث اقتحام «مجلس الدولة» تصعيدًا جديدًا في الأزمة وانقسامًا بدا واضحًا بين الأطراف السياسية، برهنت عليه حرب تصريحات تبادل خلالها مجلس النواب و«مجلس الدولة» البيانات المضادة خلال الشهرين الماضيين، بعد تصويت شهده مجلس النواب ضد تشكيلة حكومة الوفاق، أعقبه قرار من مجلس الدولة بإعلانه تولي السلطة التشريعية، واستنكار من مجلس النواب لهذه الخطوة، معتبرًا إياها «نوعًا من العبث السياسي ومحاولة للانقلاب على الإعلان الدستوري».

المزيد من بوابة الوسط