دراسة أميركية: تأثير تصويت 22 أغسطس على العملية السياسية في ليبيا

فرضت علامات استفهام عدة نفسها على سياسة الولايات المتحدة تجاه ليبيا، وكان من بين الاستفسارات المطروحة: هل يتعيّن على الولايات المتحدة الاستمرار في دعم حكومة الوفاق الوطني بقيادة السراج بغض النظر عن تصويت مجلس النواب؟ وكيف يمكن تنفيذ آلية نقل السلطة الليبية؟ وهل ستواصل واشنطن تدخلها، أم أنها ستتخلى عن هذا الدور وتترك الشعب الليبي يقرّر الطريق الناجع؟يجيب عن تلك الأسئلة بين فيشمان، وهو مساعد باحث سابق في معهد واشنطن، إذ يقول في إطار الدراسة التي أعدها بهذا الخصوص، ونشرها معهد واشنطن، إن الولايات المتحدة ستواصل دعمها لحكومة السراج نظراً لطبيعة العلاقة الوطيدة التي تربط بين الرجل وواشنطن، فمهما كان الجهاز الحاكم بقيادة السراج ضعيفاً، يمكن تعزيزه تدريجياً بتقديم الدعم التقني، واعتماد رسالة واضحة بأن الدعم العسكري الأميركي سيتوفر عن طريق السراج وحده.

تصويت «النواب» يعرقل جهود التسوية الموقتة بين مختلف القوات المسلحة في البلاد

أما عامل الخطر الرئيس في هذا التقارب، فيتجسّد في عزل قطاعات رئيسة في البلاد، خاصة في الشرق، مما يؤدي بالتالي إلى وضع السراج في موقف أكثر هشاشة، وإظهاره كدمية تحرّكها دول الغرب، وهذه هي الصورة التي بدأ السراج يقاومها بالفعل.

واستشرف بين فيشمان مؤلف كتاب «شمال أفريقيا في مرحلة انتقالية: النضال من أجل الديمقراطية والمؤسسات» المستقبل، حينما وضع سيناريو مثاليًا للحالة السياسية في ليبيا، مشيراً إلى فرضية أن تنجم عن المحادثات الإضافية بين الفصائل في ليبيا، بوساطة الأمم المتحدة، اتفاقية يقرّ بموجبها مجلس النواب بـ«الاتفاق السياسي الليبي»، مع إدخال تغييرات متواضعة على الحكومة، ويوافق على استلام مهام الهيئة التشريعية، متيحاً في الوقت نفسه لـ«المجلس الرئاسي» استلام مقاليد الحكم.

ولكن، في أغلب الظن، تتطلب هذه العملية عدة أشهر من المفاوضات وسيتعيّن على الحكومة الجديدة البدء بمعالجة التحديات التي تواجهها ليبيا من وضعية أقل ضعفاً من تلك التي باتت عليها الحكومة الحالية.

أمّا السيناريو الأكثر ترجيحاً، وفقاً لدراسة معهد واشنطن، فهو استمرار الجمود في السياسة الأميركية الحالية القائمة على: دعم السراج وحكومة الوفاق الوطني والبحث في الوقت نفسه عن صيغة لإشراك مجلس النواب وحفتر في العملية السياسية.وقد تبدو هذه المقاربة منطقية لو لم يكن تصويت المجلس النيابي في 22 أغسطس سوى عقبة صغيرة. ولكن، إذا تحول ذلك التصويت إلى عائق كبير، فسيتعيّن على صانعي السياسة الأميركيين إعادة تحديد مفهوم طبيعة الدعم الأميركي الشامل لـ«حكومة الوفاق الوطني»، أو على الأقل كيف تحدّد تلك الحكومة موقفها من القوى السياسية في شرق ليبيا.

نصر وشيك
وفيما يتعلق بالمخاطر التي تتعرض لها حكومة الوفاق، أشارت الدراسة الأميركية إلى أنه إذا كان تحقيق النصر الوشيك على تنظيم «داعش»، يهدف إلى مساعدة حكومة الوفاق الوطني، فإن تلك الاستراتيجية قد تلقت ضربة قوية في 22 أغسطس، بعد أن عقد مجلس النواب الليبي، بصورة مفاجئة، جلسة مكتملة النصاب القانوني للمرة الأولى منذ أشهر، وصوّت ضد تشكيل مجلس وزراء حكومة الوفاق الوطني.

مخاطر التقارب الأميركي مع السراج تكمن في عزل قطاعات رئيسية خاصة في الشرق

ومن المحتم أن يثير هذا القرار تفسيرات متعددة. فالمعارضين المحليين لـحكومة الوفاق، نادوا بضرورة حل مجلس الوزراء فوراً، وتعيين رئيس وزراء جديد، ودعوا إلى الموافقة على حكومة رئيس الوزراء من قبل مجلس النواب.

أمّا الداعمين للحكومة فاحتجوا على التصويت، لاسيما أنه لم يكن بنداً مدرجاً على جدول أعمال جلسة مجلس النواب، وهو بالتالي غير قانوني.

وجادل هؤلاء أيضاً في أن التصويت جاء متأخراً وغير مهيأ، بإشارتهم إلى مرور أشهر لم يتم خلالها اكتمال النصاب القانوني لعقد جلسات مجلس النواب، والخطوات المحددة التي اتُخذت من قبل رئاسة مجلس النواب لعرقلة الأصوات المحتملة التي من شأنها معارضة مصالحها.

رغم ذلك رأت الدراسة أنه من السابق لأوانه التنبؤ بالتأثير الكامل الذي سيخلِّفه التصويت الذي جرى في 22 أغسطس، لكن المؤكد أن تساهم التطورات في تفاقم الخلافات بين حكومة الوفاق في طرابلس ومجلس النواب في شرق البلاد.كما سيساهم التصويت في تعقيد الجهود الرامية إلى إحداث نوع من تسوية موقتة بين مختلف القوات المسلحة في ليبيا، بما فيها ميليشيات مصراتة التي تحملت العبء الأكبر من القتال في سرت، بالإضافة إلى أقسام من الجيش الوطني الليبي بقيادة الفريق أول خليفة حفتر، الذي لا يزال يعارض الحكومة، ويدعم أطراف مجلس النواب، ويقود حملة عسكرية منفصلة ضد الميليشيات الإسلامية في بنغازي.

ثلاث محطات
ولفتت الدراسة إلى أن تصويت مجلس النواب سيعرض للخطر الاتفاقية الأخيرة بين حكومة الوفاق وإبراهيم الجضران، آمر جهاز حرس المنشآت النفطية الليبية، وموضوعها إعادة فتح ثلاث محطات رئيسية لتصدير النفط. ونظراً للفائدة التي تعود بها الاتفاقية على حكومة الوفاق، هددت قوات حفتر جهاز حرس المنشآت النفطية،وحذّرت ناقلات النفط المقتربة من شحن النفط الليبي.

وفيما يخص الغارات الجوية الأميركية التي استهدفت مواقع «داعش» في سرت، قالت الدراسة إن الغارات الجوية بدأت بعد فشل المجموعات المسلحة لمصراتة في الاستمرار في عملياتها، بعد أن أجبرت التنظيم على التراجع إلى وسط المدينة في أوائل يوليو.

غارات واشنطن الجوية على «داعش» في سرت انطلقت من الأردن وإيطاليا

وبدأت تعاني خسائر كبيرة في صفوفها من قبل القناصة وبسبب العبوات الناسفة. وكان الدافع وراء قرار الولايات المتحدة هو طلب خاص من رئيس الوزراء الليبي فائز السراج بمساعدة القوات الليبية المحلية في جهودها الرامية إلى تحرير المدينة. وبالتالي فقد كان للعملية هدفان هما: هزيمة تنظيم «داعش» في ليبيا ودعم السراج وحكومة الوفاق الوطني.

وأضافت الدراسة أن الولايات المتحدة اعتمدت في تنفيذ غاراتها الجوية ضد التنظيم مروحيات «كوبرا» هجومية، وطائرات نفاثة من طراز «مارين إيه في-8 بي هارير»، وطائرات دون طيّار من طراز «إم كيو 9 ريبر». وتقلع الطائرات المأهولة من حاملة الطائرات «يو أس أس واسب»، المرابضة قبالة السواحل الليبية، بينما يتم إطلاق الطائرات دون طيّار من طراز «إم كيو 9» من الأردن ومن قاعدة «سيغونيلا» الجوية في إيطاليا، بعد موافقة السلطات الإيطالية على استخدام تلك القاعدة في وقت سابق.

الحامي الموحد
واعتباراً من 21 أغسطس، بحسب معطيات دراسة معهد واشنطن، نفّذت الولايات المتحدة عملية عسكرية أُطلق عليها «عملية برق أوديسا»، نسبة إلى «عملية فجر أوديسا»، التي نُفذت في مارس 2011، قبل قيام حلف «الناتو» بعملية «الحامي الموحّد»، التي تولت مهمة حماية المدنيين ضد قوات الرئيس السابق معمر القذافي.وشَنّت «عملية برق أوديسا» 74 غارة استهدفت مجموعة من الدبابات والمركبات القتالية المدرّعة والسيارات المفخّخة والمواقع العسكرية. ورغم استمرار المعركة على سرت، وحيث لا تزال تشمل مقاومة عنيفة من قبل مقاتلي تنظيم «داعش»، الذين شنّوا خمس هجمات بسيارات مفخّخة في 17 أغسطس وحده، إلا أن مسار المعركة قد تغيّر بعد أن تمكنت المجموعات المحلية المسلحة من السيطرة على «مركز واغادوغو للمؤتمرات» في 10 أغسطس.

وسيتعيّن على حكومة الوفاق والدول المناصرة لها محاربة النسخة الثانية من تنظيم «داعش»، الذي سيبقى قادراً على تنظيم هجمات مميتة على أهداف ليبية أو تونسية أو ربما أوروبية من مناطق غير خاضعة لسيطرة الحكومة في جنوب ليبيا.

ونقلت الدراسة نفي وزارة الدفاع الأميركية قيام قواتها البرية بتقديم الدعم المباشر إلى «عملية برق أوديسا»، بالرغم من دخول عدد محدود من القوات الخاصة الأميركية إلى ليبيا ومغادرتها منذ بداية العام الجاري، بهدف جمع المعلومات الاستخباراتية عن الميليشيات المختلفة والحلفاء المحتملين.

التحكم الجوي
واستشهدت الدراسة بتقرير نشرته جريدة «واشنطن بوست» في 9 أغسطس، وقالت فيه إنه بالرغم من عدم مشاركة القوات الأميركية في وحدات التحكم الجوي على الخطوط الأمامية، إلا أنه من المرجح أنها تتولى تنسيق الأهداف من أحد مراكز عمليات المجموعات المسلحة، بمساعدة أصول الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع.

بالإضافة إلى ذلك، ووفقاً للمصادر المباشرة، قدمت القوات الخاصة البريطانية دعماً فعلياً في المهام القتالية والاستشارية إلى المجموعات المسلحة.

وخلصت الدراسة إلى أنه رغم أن معركة سرت تجسد جزءاً صغيراً، لكنه أساسياً في الجهود التي تبذلها الإدارة الأميركية لمحاربة تنظيم «داعش»، وهو الأمر ذاته بالنسبة لعملية «العزم التام» في العراق وسورية.وعلى سبيل المقارنة، استتبعت العمليات العسكرية في العراق وسورية شن 349 غارة جوية (180 في سورية و169 في العراق) منذ بداية أغسطس، ويساوي هذا الرقم تقريباً خمسة أضعاف وتيرة العمليات العسكرية التي تضمنتها «عملية برق أوديسا». إلا أن أوجه التباين بين المهمتين العسكريتين عديدة، أوّلها النطاق الجغرافي.

فسورية والعراق تتمتعان بمساحات شاسعة على العكس تماماً من المناطق الحضرية المحاصرة في مدينة سرت.

كذلك، لدى الولايات المتحدة عشرات من القوات على الأرض في العراق، وتحظى بدعم تحالف دولي واسع يزوّدها بالطائرات والجنود. كما تتضمن الغارات في العراق وسورية قذائف موجهة عن بعد، التي ليست سمة من سمات «عملية برق أوديسا». ومع ذلك، فإن المقارنة مفيدة في توفير المعلومات حول عدد الإنجازات التي يمكن تحقيقها في وقت قصير باستخدام الدعم السياسي والقوى المحلية على الأرض بصورة منسَّقة وصحيحة.