هكذا خطفوني وعذبوني 126 يومًا في سجن سري بقرنادة

من بيت الشباب في مدينة شحات إلى زنزانة سرية بسجن قرنادة، يروي المدون أحمد الحواز وقائع 126 يوماً عاشها بعيداً عن الحياة، كيف اُختطف؟، وكيف تم تجنيده قسراً لاختطاف صديقه علي العسبلي من منزله؟ وما محفزات عملية الاختطاف؟ وما تفاصيل الأيام التي عاشها في السجن؟ وكيف قضى أياماً من شهر رمضان داخل زنزانة ضيقة؟ وكيف كانت علاقته بالسجانين؟ بالإضافة إلى أسئلة أخرى، يجيب عنها الحواز في حوار لـ«الوسط» بعد إطلاقه، وتعرضه لعذابات، كانت ستظل حبيسة الأدراج، إذا لم ير النور مجدداً خارج أسوار السجن.من دون حكم قضائي أو استدعاء من النيابة العامة أو حتى اتهام معين، فوجئ المدون أحمد الحواز باستدعاء مباشر، حينما كان في قاعة محاضرات «بيت الشباب» بمدينة شحات، لحضور دورة في مجال إدارة الأزمة مع جمعية الملك إدريس الخيرية برعاية «منظمة أكتيد»، إذ دخل رجل يرتدي ملابس مدنية إلى قاعة المحاضرات، واقتاده إلى سيارة نوع «شيفروليه» معتمة الزجاج، وبعد الزج به داخلها، تعرف الحواز على شخصين، لكنه فوجئ بهما يضعان الأصفاد الحديدية «الكليبشات» في يديه، بينما أشهر أحدهما مسدساً، ووجه فوهته إلى رأسه، وقال له: «اتحرك ولا تحكي تموت»، وحينما سألهم الحواز عن هويتهم، وما إذا كانوا ينتمون إلى الجيش أو الشرطة، لم يردوا عليه، وواصلوا عملية تفتيشه، وأخذوا منه أجهزة هواتف كانت بحوزته، فضلاً عن جهاز «ماي فاي»، ومبلغ 80 ديناراً.

هوية الخاطفين
جرت تلك الواقعة في الثامن والعشرين من مارس الماضي.. بتلك العبارة عاد الحواز بذاكرته إلى الوراء، وقال: «بعد لحظات من وجودي في السيارة، وأُحضر صديقي الميار العرفي من قاعة المحاضرات ذاتها، إلا أن مدير المنظمة التي تقيم الدورة في بيت الشباب أصر على مرافقته ليسأل عن هوية الخاطفين، لكنهم هددوه بأنه إذا لم يعد إلى القاعة فسوف يقتلونه. وبعد لحظات بعد حضور الميار العرفي، قام الخاطفون بتشغيل السيارة، والانطلاق بها خارج مدينة شحات، إلا أننا تعرفنا لاحقاً على هوية سائق السيارة، لاسيما أننا نعرف شخصيته جيداً، ورغم انعدام سبب واضح لتطاوله علينا، إلا أنه لم يدخر وسعاً في توجيه السباب والشتائم لكلينا».

عندما اقتربنا من مدينة المرج، والكلام على لسان الحواز، حجبوا الرؤية عن أعيننا بقطع من القماش، وبعد ساعة توقفت السيارة، وطلبوا مني الاتصال بصديقي علي العسبلي ليخرج أمام بيته، ورغم أنني رفضت في البداية الاتصال به، إلا أن أحدهم (أعرفه جيداً) هددني قائلاً: «والله كان ماتقوله يطلع قدام الحوش نطربقك انت وياه ونعزقكم في وادي الكوف»، وسحب أجزاء المسدس ووجهه إلى رأس صديقي المخطوف، ليصبح جاهزاً لإطلاق النار، وقال: «المسدس على راس صاحبك الميار اختار بسرعة».

من هاتفي، اتصل الشخص ذاته بصديقي علي العسبلي، ووضع الهاتف قرب فمي، فاضطررت تحت التهديد أن أبلغه بأنني قريب منه، وقلت: «أنا قريب منك، اطلع من المنزل»، إلا أن الشخص الذي أجبرني على التواصل مع العسبلي، أغلق الهاتف بسرعة، بعدها لم أدر ما يدور حولي لمدة ساعتين تقريباً، حينما أزالوا قطعة القماش عن عيني، حيث وجدت نفسي في مدينة البيضاء قرب شارع العروبة، فأنزلونا من السيارة وكان إلى جواري رفيقي علي العسبلي، ثم أدخلونا إلى مكان غريب، اكتشفنا بعد ذلك أنه المنزل الخاص لخاطفنا، الذي نعرف شخصيته جيداً.وابل شتائم
وأضاف الحواز: «مكثنا في إحدى غرف هذا المنزل لمدة ثلاثة أيام، وكان يتناوب الدخول علينا في الغرفة أشخاص مسلحون، ويمطرنا أحدهم (الذي نعرفه جيداً) بوابل من السباب والشتائم، فضلاً عن تهديدنا بالقتل والتصفية، رغم أننا لا نعرف التهمة الموجهة إلينا، أو أسباب الاختطاف من الأساس.

في اليوم الثالث، وفي تمام العاشرة صباحاً منه، وضعوا الأصفاد الحديدية في أيادينا مجدداً، وركبنا السيارة نحن الثلاثة، فيما كان يقودها أحد الخاطفين الذي نعرفه جيداً، وكان معه شخص آخر (نعرفه أيضاً) يحمل بندقية كلاشينكوف ومسدساً، وذهبنا إلى المرج مجدداً، وحينئذٍ دخلنا إلى إحدى المؤسسات العسكرية (مقر القيادة العامة)، ثم عدنا إلى السيارة مرة أخرى، ليضعوا على أعيننا قطع القماش، وسمعنا حينئذٍ صوت فلاش كاميرا، فأدركنا أنه يتم تصويرنا».

بعد ذلك، والرواية على لسان الحواز، خرجنا من (مقر القيادة العامة)، واقتادونا إلى منطقة قرنادة، وعند اقترابنا من سور السجن نحو الساعة 4 عصراً، حجبوا عنا الرؤية، ولم نر النور إلا أمام باب زنزانة انفرادية مظلمة، تنعدم فيها التهوية، ولا يتجاوز طولها وعرضها متراً واحداً.. مكثت في إحدى هذه الزنزانات لمدة 25 يوماً، كنت أتلقى وجبة الغداء من أسفل الباب، وكانت عبارة عن كمية قليلة من الأرز، أما وجبة العشاء، فلم تتجاوز الكمية ذاتها من المكرونة الحارة جداً، أمام دخول المرحاض فكان مرة واحدة في اليوم، وخلال تلك الفترة لم أعلم شيئاً عن أصدقائي المخطوفين، ولا أسمع سوى أصوات وأنات مَن يتم تعذيبهم. التعذيب في جميع الأوقات. ضرب قوي جداً لا يتوقف ليلاً أو نهاراً، وفي الخلفية صوت سماعات مذياع ضخمة، وضعتها إدارة السجن أمام أبواب الزنزانات، وقامت بتشغيلها على أثير راديو «مشكاة النبوة» السلفية، الأمر الذي يستحيل معه النوم في أي وقت.

رغم ذلك، كانت قوة النوم تدفعني إلى الاستسلام، فكان ذلك يقيني في كثير من الأحيان آلام الجوع وقسوة البرد، إلا أنه بعد 15 يوماً تقريباً، وضعوا على عيني غمامة سوداء، واقتادني شخص إلى مكان داخل السجن، ووضعني أمام جهاز تكييف بارد جداً، لدرجة أنني كدت أموت من شدة البرد، رغم ذلك بدأ شخص بالتحقيق معي لمدة ساعة كاملة، أعادوني بعدها إلى الزنزانة ذاتها، وبعد 25 يوماً، نقلوني رفقة العسبلي إلى غرفة صغيرة، لاسيما أننا عانينا قلة دخول المرحاض، وعدم نظافة المياه، فكنا نشرب من مياه المرحاض، ويُحظر علينا الإفراط في الشرب حتى لا نحتاج زيارة المرحاض أكثر من المرة المحددة، فظهرت على أجسادنا علامات الجفاف، فضلاً عن آلام الكليتين شبه اليومية. وفي المقابل يدخل علينا شخص مسلح وملثم، يهددنا بقتلنا وإلقائنا قرب «الجامع الحمر» المعروف في ضواحي مدينة المرج، لاسيما أنه تم العثور في السابق على عدد من الجثث الملقاة بالقرب منه.

وسط تلك الظروف القاتمة، طلبت الاتصال بأمي أكثر من مرة، لكن طلبي قوبل بالرفض، أما ملابسي فأصبحت رثة، خاصة أنني لم أستبدلها منذ 70 يوماً، كما أنهم منعوني حتى من الاستحمام، ورافق كل ذلك جوع وعطش وخوف، وتهديد بالقتل في كل لحظة. بعد فترة علمنا أن حراس السجن، الذين يدخلوننا المراحيض، ويقدمون لنا الطعام هم أيضاً مساجين محكومين بقضايا قتل، أحضروهم من سجن قرنادة الأصلي، للسجن السري الذي أصبحنا نزلاءه، ونعرف شخصية مديره جيداً، لتكليفهم بتلك المهام، وكان من بين مهامهم تعذيب السجناء.جفاف الجسد
زادت ضراوة الخوف إلى درجة لا تُحتمل، فنقص وزني حتى أصبحت ملابسي واسعة للغاية، وظهرت علامات الجفاف على جسدي من قلة شرب المياه، واستمر هذا الحال حتى شهر رمضان، إلا أنه ساء أكثر من السابق، فكان إفطارنا عبارة عن كمية قليلة من المكرونة، أما السحور فكان ساندوتش فاصوليا صغير، ولا يتوقف السجانين عن إرهابنا نفسياً، وتهديدنا بالقول: «أنتم مسألة وقت بس ويتم تصفيتكم». أما مدير السجن، الذي أعرف شخصيته جيداً، فكان يقف أمامي، ويقول مهدداً: «إنت أهلك مش عارفينك لا في سما لا في وطا، ونهايتك طلقة وتنعزق جنب الطريق». وأمام ذلك ظهرت بارقة أمل، حينما تعاطف معنا أحد الحراس، واتصل لنا بأهلنا، إلا أنه بعد أن اكتشفت إدارة السجن ما فعله، لم نره بعد ذلك اليوم لمدة 120 يوماً.

بعد ذلك، يقول الحواز: «اقتادوني إلى مكتب مدير السجن، ووجدت أكثر من شخص أعرفه جيداً، وكان من بينهم أحد خاطفينا، الذي أعرفه هو الآخر، وأبلغني بأن شقيقه مخطوف لدى شخص آخر، وأضاف: «إنت ماتطلعش من هنا لعند مايطلع خوي» وطلب مني رقم والدي ليتصل به ويقايضني بشقيقه، فرفضت أن أعطيه رقم والدي، بحكم أنه رجل كبير السن، ولا يمكن أن يدخل في ندية مع هذا المجرم، فرد على موقفي، قائلاً بالحرف الواحد: «قاعدلك قدام باب الحبس، تطلع قبل خوي نقتلك»، وبعد خمسة أيام دخل علي مدير السجن، وقال لي: «نريد استبدالك بالشخص الذي يدور الحديث عنه، وهو مسجون في مكافحة الإرهاب ببنغازي عن طريق شيوخ من إحدى القبائل، فعندما يصل إلى هنا سنطلق سراحك».

قبل تلك العروض، كانوا قد أطلقوا صديقي علي العسبلي، إلا أنه في اليوم التالي وبعد 126 يوماً من اختطافي، وضعوني بشكل مفاجئ داخل سيارة تويوتا، وأطلقوني أمام منزل أحد أعيان مدينة شحات، الشيخ أحمد نصر الحاسي، وذهبت السيارة بسرعة، فوجدت سيارة والدي أمام المنزل، ما دعاني إلى قرع باب المنزل، فخرج الشيخ أحمد نصر، فأبلغته بأنني أحمد الحواز، فدعا والدي الذي اصطحبني داخل المنزل، وعرفت منه هوية الشخصية التي أمرت باختطافي.

المزيد من بوابة الوسط