خطةّ جاهزة لإدارة سرت ما بعد «داعش»

كلما ظهر حديث الحسم على جبهة الحرب في سرت تكرر معه السؤال: ماذا بعد «داعش» ما الحال التي ستكون عليها المدينة، وما تداعيات ذلك على مسار العملية السياسية في ليبيا، وتحديدًا ما يتعلق بمسار اتفاق الصخيرات وحركة المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق، ومستقبل هذه الحكومة نفسها، في ظل المستجد الدولي المهم الذي تمثل في دخول الولايات المتحدة عمليًا الحرب على تنظيم «داعش» في سرت، بعد طلب رسمي من المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق تلاه رئيسه فائز السراج شخصيا.

وفيما ظل الجمود السياسي هذا الأسبوع على حاله سائدًا المشهد الليبي، تواصلت الحرب على «داعش» في سرت، مع تقدم مهم لقوات «البنيان المرصوص» التي تخوض الحرب على التنظيم تحت غطاء المجلس الرئاسي، وتمكنت هذه القوات من السّيطرة على مجمع قاعات واغادوغو وسط سرت، المعقل الرئيسي للتنظيم، كما سيطرت على كثير المباني الحكومية، وأهم الأحياء السكنية في المدينة، وإذ ظهر الحديث عن اقتراب حسم معركة سرت ظهر معه السؤال الملازم: ماذا بعد «داعش»؟ أي ما الحال التي ستكون عليها سرت من دون «داعش»، وفي وجود قوة محررة تظل واقعيًا محسوبة على مدينة مصراتة، وإن اكتسبت شرعيتها من المجلس الرئاسي؟

أسئلة تفصيلية
وتفرعت عن السؤال أسئلة تفصيلية، منها كيف ستدار شؤون المدينة؟ كيف سيكون حضور حكومة الوفاق في المدينة؟ كيف يمكن تجاوز الحساسيات التي خلفتها فترة وجود كتائب مصراتة في المدينة منذ أغسطس 2011 تاريخ القبض على القذافي، ومن ثم قتله وبقاء تلك الكتائب في سرت، حتى ظهور تنظيم «داعش»، وانسحاب الكتيبة 166، وانسحاب جميع كتائب مصراتة بالتالي من المدينة، مما مكن تنظيم داعش من السيطرة عليها والتمدد في محيطها؟

وثمة سؤال كبير يجمع كل هذه الأسئلة، وهو هل ينتصر الاعتدال، بمعنى هل يكون تحرير سرت ودماء أبناء مصراتة التي سالت من أجل هذا التحرير خطوة مهمة وربما حاسمة لإنهاء حالة الخوف وانعدام الثقة والحساسية التي بلغت حد الكراهية أحيانًا بين مدينة مصراتة وخصومها من بلدات وقبائل مجاورة وأخرى بعيدة؟ أي بمعنى آخر هل ستكون استعادة سرت إيذانًا باستعادة تلك الثقة المفقودة ورجوع الجميع إلى الجميع؟ أم إن التطرف قد يفرض نهجه، ونرى سرت ما بعد «داعش» ورقة لإعلاء سقف المطالب؟ أي هل ثمة من سيرفع شعار الحصة مقابل الدم!

قرار محلي وتفسير عسكري
فيما كانت تثار هذه الأسئلة بدا كأن ملامح سرت ما بعد «داعش» بدأت في الظهور، حين ألغى المجلس المحلي لمدينة سرت قرارًا أصدره قبل أسبوع بتشكيل مجلس شورى سرت، مكون من 36 شخصية من أعيان منطقة سرت، وحدد فيه اختصاصات أهمها «المساهمة في تفعيل قانون العدالة الاجتماعية وفض النزاعات الاجتماعية داخل منطقة سرت وخارجها، ودعم الجهات الضبطية والقضائية من أجل تطبيق القانون والتواصل مع الجهات ذات العلاقة من أجل العمل على عودة الليبيين النازحين والمهجرين بالداخل والخارج».

وسرعان ما فسر هذا القرار بأنه جاء بطلب من غرفة قوات «البنيان المرصوص»، باعتبار الإجراء تصرفًا منفردًا بشأن إدارة شؤون المدينة بعد تحريرها، وقالت مصادر موثوقة لـ«الوسط» إن «البنيان المرصوص» أبلغ المجلس المحلي لسرت بأن المدينة هي الآن منطقة عسكرية، وإن المجلس غير مخول بأي إجراء مدني في سرت دون الرجوع إلى الغرفة.

خطة متفق عليها
وفي السياق نفسه علمت «الوسط» أن خطة تم الاتفاق عليها بين «البنيان المرصوص» ومحلي سرت وبعض الجهات ذات العلاقة من مدينة مصراتة، تكون بموجبها مدينة سرت منطقة عسكرية يديرها حاكم أو آمر من بين أعضاء غرفة «البنيان المرصوص» ترشحه الغرفة إلى المجلس الرئاسي؛ ليصدر بشأنه رئيس المجلس باعتباره قائدًا أعلى للجيش قرار التكليف، وهو ما أكده الناطق باسم غرفة عمليات «البنيان المرصوص»، عميد محمد الغصري، قبل يومين، موضحًا أن الخطة «تتمثل في تفويض آمر عسكري لمنطقة سرت ستكون من مهامه التي ستستمر من ستة إلى ثمانية أشهر إعادة المؤسسات الحكومية والخدمية للعمل تحت سلطة حكومة الوفاق الوطني، وحددت المدة بألا تتجاوز 8 أشهر».

هذه الخطة تبررها «البنيان المرصوص» بأنها ضرورية لتأمين المدينة نهائيًا خاصة مع اختفاء أمام عدم مئات من عناصر «داعش»، ولا يعرف مكان وجودهم.

حتى الآن لم يثر الكشف عن هذه الخطة ردود أفعال لافتة من قبل فرقاء الأزمة في ليبيا، لكن كل الاحتمالات تبقى مفتوحة، فيما يمكن أن نسميه التحدي الكبير الذي سيواجه المجلس الرئاسي وحكومته، طالما هو الذي تبنى قرار الحرب على «داعش» في سرت، مع ترقب حدود الدور الأميركي الذي بدأ على الأرض في الثاني من أغسطس الحالي مع بداية الضربات الجوية الأميركية لمواقع تنظيم «داعش» في سرت، وكذلك استحضار تصريح الرئيس أوباما في مؤتمر صحفي عقب اجتماعه بمجلس الأمن القومي والقادة العسكريين في وزارة الدفاع الأميركية أن إداراته ستواصل دعم حكومة الوفاق الوطني في حربها ضد داعش بمدينة سرت.

المزيد من بوابة الوسط