الجزائر جندت «لوبي» في واشنطن لدعم حكومة الوفاق الليبية

استخدمت الجزائر دوائر سياسية واقتصادية في الولايات المتحدة لإقناع الإدارة الأميركية بقبول حكومة الوفاق الوطني الليبية، وبالتالي اكتساب القبول ذاته من المجتمع الدولي، وجاء ذلك وفقا لتقارير أزاحت عنها وثائق أميركية جديدة الستار، مشيرة إلى أن الجزائر دفعت ما يقارب 420 ألف دولار لصالح هذا الهدف، لا سيما أن ليبيا كانت تحتاج إلى مساعدة واشنطن، لدعم التسوية السياسية الوليدة في البلاد التي مزقتها الحرب.

ومنذ عشر سنوات تقريبا، تعتمد الجزائر على «لوبي أميركي» ممثل في مكتب علاقات عامة بواشنطن، بغرض تحسين صورتها، وإقناع دوائر صنع القرار في البيت الأبيض، أو الوكالات الفدرالية، وحتى بعض وسائل الإعلام، بكسب مواقف دبلوماسية أميركية تتقاطع مع مواقفها.ونظير ذلك دفعت الجزائر للوبي الأميركي العام الماضي 420 ألف دولار، لاسيما بعد «نجاحها» في كسب تأييد إدارة أوباما لحكومة الوفاق برئاسة فائز السراج، خاصة أن الجزائر كانت منذ بداية الأزمة الليبية من المؤيدين الأوائل لتشكيل حكومة الوفاق الوطني في ليبيا، وهي فكرة صارت محل تأييد الآن من قبل المجتمع الدولي، بما في ذلك الولايات المتحدة، التي قادت تدخلا عسكريا تحت طلب السراج وبالتنسيق مع حكومته، ويعتبر الأميركيون «اللوبي» بمثابة جماعة ضغط، تمتلك قدرات مالية واقتصادية هائلة، تسيطر من خلالها على مراكز صنع القرار، بل وتشكلها وفقا لاحتياجاتها، ليكون لها نفوذ سياسي، يضمن استمرار تحقيق مصالحها، وتطويع القرارات السياسية بما يحقق أهدافها، سواء داخل الولايات المتحدة أو خارجها.

وينصب عمل اللوبي على الحصول على تمويل من جانب شركة، أو مجموعة شركات من قطاع واحد، أو دولة معينة، من أجل الترويج لوجهة نظرها، والدفاع عنها أمام الرأي العام الأميركي وصناع القرار، ويتولى في ما بعد اللوبي التواصل مع مؤسسات الإعلام الأميركي، ومع صناع القرار في واشنطن وأعضاء الكونغرس، لدفعهم نحو دراسة مشاريع قوانين بعينها وإبراز محاسنها أو عيوبها.

لكن في المقابل، يوضح موقع «المونيتور» الأميركي، خسارة الجزائر بعض المواقف، لا سيما قضية الصحراء الغربية على خلفية إدراج بند في الميزانية المقترحة من مجلس النواب الأميركي، يضغط على الجزائر لإجراء التعداد السكاني في مخيمات اللاجئين الصحراويين في تندوف (جنوب البلاد)، وهو ما أثار احتجاج الجزائر، التي وجه سفيرها لدى الولايات المتحدة، مجيد بوقرة، رسالة إلى المشرعين أواخر شهر يونيو الماضي، أعرب فيها عن «خيبة أمل عميقة» تجاه مشروع قانون المساعدات الخارجية الأميركية السنوي.وقبل الغارات الأميركية على سرت، تحدث الدبلوماسي الجزائري مجيد بوقرة لموقع «المونيتور» من مكتبه بواشنطن عن واجب بلاده في دعم شركائها قائلا: «إن من واجبنا كشركاء وأصدقاء ليبيا مساعدة الحكومة على تشكيل جيش وطني يساعد على حفظ الأمن القومي»، وتابع: «إذا كانت فصائل ليبية أخرى لم تؤيد الحكومة بعد ربما حان الوقت لممارسة القليل من الضغط الدبلوماسي»، معقبا على سؤال حول تسليط عقوبات ضدهم بقوله: «أنا لا أعرف إذا كان علينا العمل على ذلك، ولكن إذا كان هذا يمكن أن يساعد، فلم لا؟»، وتعكس المساعي الجزائرية لكسب شبه إجماع دولي على تأييد حكومة الوفاق، مسارعتها لتكون أول دولة عربية وأفريقية تزور العاصمة طرابلس، ووعودها بإعادة فتح سفارة بلادها قبل نهاية 2016.

بيد أن الدور الجزائري في تنصيب حكومة السراج، ينبع من التوجس من تمدد التنظيم الإرهابي «داعش» إلى جوارها وحدودها الشرقية، بعدما عانت لسنوات طويلة من مسلحي «القاعدة»، وأيضا مراهنة إدارة أوباما عليها في مسائل ضبط الحدود.

وبحسب وثيقة تحصلت «الوسط» على نسخة منها، تتعلق ببرنامج المساعدات الخارجية الأميركية للجزائر بقيمة 2.3 مليون دولار لسنة 2017، جاء فيها أن «تصميم الولايات المتحدة تقديم المساعدات الخارجية الثنائية إلى الجزائر، يهدف إلى تعزيز قدرتها على مكافحة الإرهاب والجريمة، وبناء المؤسسات في إطار سيادة القانون التي يمكن أن تزيد من الإسهام في أمن واستقرار البلاد والمنطقة».وفي هذا السياق، أوضحت الوثيقة الأميركية أن حكومة الجزائر تبذل جهودا أحرزت من خلالها تقدما كبيرا على مسار مكافحة الإرهاب، لكنها في الوقت ذاته لازالت تواجه إشكاليات أمنية معقدة على طول حدودها مع ليبيا وتونس والنيجر وشمال مالي، وتتطلب تلك الإشكاليات زيادة نشر مزيد من الجنود لتأمين الحدود، وتراهن واشنطن على الجزائر كقوة إقليمية عسكرية، لإحباط أي اعتداءات إرهابية.

وتتابع الوثيقة: «ساعدت البرامج الممولة من الولايات المتحدة، في بناء القدرات لإحباط تهديدات متواصلة للمصالح الجزائرية والغربية». وفي المناطق الصحراوية الواسعة من الجنوب والجنوب الشرقي، على سبيل المثال، لا تزال الجماعات الإرهابية تستغل المناطق غير الآمنة على طول الحدود للانخراط في أنشطة غير مشروعة بما في ذلك الاتجار غير المشروع.

ويصف سفير الجزائر لدى الولايات المتحدة المعونة الأميركية بـ«الرمزية جدا»، وقال إن حزمة المساعدات المقترحة من الخارجية الأميركية، للسنة المالية 2017 صغيرة نسبيا،2.3 مليون دولار من المساعدات الأمنية، وليست الجزائر وحدها من تعتمد على اللوبيات (مراكز الضغط) الأميركية لكسب مواقف مؤيدة، فقد نشرت وزارة العدل الأميركية العام الماضي إنفاق السفارات العربية على شركات العلاقات العامة واللوبي للعام 2014، وتبين أن 14 دولة عربية أنفقت ما يقارب 33 مليون دولار على تلك اللوبيات لتحقيق أهداف سياسية واقتصادية وربما عسكرية.
للاطلاع على العدد (38) من «صحيفة الوسط» اضغط هنا (ملف بصيغة PDF)

المزيد من بوابة الوسط