بليحق لـ «الوسط»: الأيام المقبلة تحمل انفراجة حقيقية على المسار السياسي

وضع الناطق باسم مجلس النواب، عبدالله بليحق النقاط على الأحرف في ما يخص الإشكاليات السياسية في ليبيا؛ لا سيما أسباب تعطيل منح الثقة لحكومة الوفاق الوطني، والانعكاسات السلبية التي تنطوي على هذا الجمود؛ وما يتزامن معه من حراك ومبادرات سياسية، موضحًا في حوار إلى «الوسط» الجهود الإقليمية المبذولة لحلحلة الأزمة؛ وآليات تعاطي البرلمان والمجلس الرئاسي معها، بالإضافة إلى تقييمه لعملية «البنيان المرصوص»، والقوات المشاركة فيها، وأطروحاته لما قد يؤول إليه المشهد الليبي في المستقبل المنظور.

 هناك مساعٍ حثيثة من مجلس النواب لإيجاد توافق بين وجهات النظر حول الاتفاق السياسي

وإلى نص الحوار:
ما السبب الحقيقي وراء تعطيل منح الثقة لحكومة الوفاق الوطني؟
مجرد اختلاف وجهات نظر ما بين مؤيد ومعارض حول نص الاتفاق السياسي، الذي تم التوقيع عليه بمدينة الصخيرات المغربية، فضلاً عن الفجوة بين تأييد ومعارضة التشكيل الوزاري المقترح.هناك بعض المتخوفين من هفوات تضمنها الاتفاق، نظرًا لتجاذبات حادة مر بها، بالإضافة إلى التخوف من عودة سلطة الميليشيات المسلحة على حساب مؤسسات الدولة، خاصة المؤسسة العسكرية، ومن يفطن إلى المرحلة الصعبة التي تمر بها البلاد، يؤمن بضرورة المضي قدمًا بالاتفاق ومخرجاته، حتى إن شابته بعض العيوب والمثالب.

هناك من يخشون على وحدة ليبيا في حال عدم منح البرلمان الثقة للحكومة. كيف ترون ذلك؟
لا محل لتلك المخاوف على الإطلاق، فلن يسمح الليبيون بالمساس بوحدة التراب الليبي، لا سيما أن تقديم التضحيات كان وما زال يهدف إلى الحفاظ على وحدة الوطن، ومن هنا أؤكد أن مجلس النواب قدم الكثير من التضحيات والتنازلات من أجل هذا السبب، خاصة أن نسيج الشعب الليبي واحد ومتداخل في جميع المدن، مما يخلع عليه ارتباطًا وثيقًا، لا يمكن لأي جهة التفرقة بين أوصاله، بالإضافة إلى أن مجلس النواب يؤمن بالحوار سبيلاً للوصول إلى توافق، يضمن توحيد مؤسسات الدولة وخروج البلاد من الأزمة الحالية.

«البنيان المرصوص» ستنقلب على الدولة لأنها لا تعترف بالانضباطية ولا تمتثل للقادة

ما تقييمكم للنجاح الذي حققته عملية «البنيان المرصوص» في سرت؟
جميع الليبيين يدعمون أي جهد لمحاربة تنظيم «داعش» الإرهابي، إلا أننا نتمنى أن يكون ذلك تحت غطاء مؤسسات الدولة الشرعية، وبشكل عسكري ونظامي، وليس على شكل تجميع ميليشيات مختلفة، لا سيما إنها إذا اتفقت معنا اليوم على محاربة «داعش»، فليس ثمة شك في إنها ستنقلب على الدولة مع أول اختلاف، لأنها لا تحمل ولا تحترم مفهوم الدولة، ولا الانضباطية والامتثال للأوامر العسكرية، كما أن ولاءها يظل رهن مفهوم وأفكار قادة تلك الميليشيات، أو من يدفع لهم رواتبهم ومزاياهم.

نحن نأمل بأن تنتهي الأزمة التي نعيشها منذ 5 سنوات، ونتفادى إنفاق المليارات التي أهدرت من دون جمع ولو قطعة سلاح واحدة داخل سلطة الدولة، وظلت الميليشيات قائمة بل استفحلت قوتها، ولنا في حرب مطار طرابلس عبرة، حينما التهمت النيران مقدرات الشعب ودمرتها. وفي بنغازي عندما أهدرت الأموال الطائلة على «الدروع»، وبقية الميليشيات المؤدجلة التي انقلبت على الدولة، وأصبحت «مجالس شورى» و«دواعش» وكيانات متطرفة اتهموا الجميع بالكُفر، فضلاً عن تكفيرهم للدولة، كما عاثوا في الأرض فسادًا وكشروا عن أنيابهم، عندما جوبهوا من القوات المسلحة، التي ضاقت ذرعًا من الاغتيالات التي طالت العسكريين والإعلاميين والحقوقيين والسياسيين، وكل من يتصدى أو حتى يخالف أفكارهم المتطرفة.

هل من جديد في مساعي تحريك المسار السياسي؟
هناك مساعٍ حثيثة من مجلس النواب لإيجاد توافق بين وجهات النظر المختلفة حول الاتفاق السياسي ومخرجات الحوار الوطني، وثمة الكثير من المبادرات والمساعي التي لم تتوقف، سواءً على المستوى الداخلي عن طريق عدد من السادة أعضاء المجلس وغيرهم، أو على المستوى الخارجي من خلال عدد من الدول الشقيقة أو الصديقة المعنية بالوضع في ليبيا. آخر تلك المساعي تمثل في زيارة المستشار رئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، وعدد من أعضاء المجلس إلى جمهورية مصر العربية، ولقائه وزير الخارجية سامح شكري، وكذلك لقاؤه رئيس المجلس الرئاسي المقترح فائز السراج، وهو حراك يؤمل بأن يسهم في تقريب وجهات النظر والدفع بالعملية السياسية إلى الأمام.

 المليارات أُهدرت من دون جمع ولو قطعة سلاح داخل سلطة الدولة وظلت الميليشيات قائمة

ألا توجد في الأفق أية مبادرات أو اتصالات بالأعضاء المقاطعين؟
لا نرى بأن العزوف الحاصل حاليًّا عن عقد جلسة رسمية لعدد من السادة أعضاء مجلس النواب يرتقي إلى درجة المقاطعة، وإنما الاختلاف الحقيقي يكمن في الاتفاق السياسي، كما أن اختلاف وجهات النظر حول جدول الأعمال من حيث التقديم والتأخير، أدى إلى عدم اكتمال النصاب القانوني لعقد جلسة رسمية، وهنالك اتصالات ومساعٍ حثيثة يقوم بها عدد من أعضاء المجلس هذه الأيام لحضور النواب، ونحن متفائلون بإمكانية الوصول إلى انعقاد جلسة رسمية خلال الأيام المقبلة، فالاتصالات والمشاورات والاجتماعات مستمرة على مستوى الرئاسة، وأعضاء مجلس النواب هذه الفترة.

هناك حديث عن مبادرات للتقارب بين البرلمان والرئاسي. فما الذي تحمله آخر تلك المبادرات وماذا عن مبادرة اقطيط؟
المبادرات ما زالت مستمرة وآخرها كانت المبادرة المصرية التي دارت الاجتماعات حولها بالعاصمة المصرية القاهرة، وجمعت رئيس مجلس النواب المستشار عقيلة صالح، ورئيس المجلس الرئاسي فائز السراج، فضلاً عن عدد من أعضاء المجلس الرئاسي، وإن كانت المبادرة لم تثمر عن شيء إيجابي حتى الآن، لكننا نعوِّل على أن تحمل الأيام المقبلة انفراجة حقيقية على المسار السياسي، ونتمنى أن تكون في إطارها الدستوري تحت قبة البرلمان، بحضور أعضاء مجلس النواب وأعضاء المجلس الرئاسي، لأن الحوار بيننا كليبيين وحده الكفيل بالخروج من الأزمة، وفيما يخص مبادرة السيد اقطيط فلا معلومات لدينا حولها.

هلَّا وضعتنا في محورية أسباب لقاء رئيس وأعضاء المجلس بنظرائهم في البرلمان المصري؟
لدول الجوار دور مهم ومؤثر في الشأن الليبي سواء على المستوى السياسي أو الأمني أو الاقتصادي، خصوصًا جمهورية مصر العربية، التي تمتلك رصيدًا من المواقف التاريخية مع الشعب الليبي في جميع المِحَن والأزمات التي مرت بها ليبيا، ناهيك عن دور مصر الرئيسي على المستويين العربي والإقليمي، إضافة إلى محورية دورها في الأمن القومي العربي والمصري، فالقاهرة كانت وما زالت داعمة للمؤسسات الشرعية في ليبيا. أما عن مضمون الاجتماعات فتمحورت حول مناقشة عدة قضايا مهمة وعاجلة، أبرزها دعم مجلس الشعب المصري لمجلس النواب، كممثل شرعي للشعب الليبي وعلاج جرحى القوات المسلحة الليبية في حربها ضد الإرهاب، وتسهيل إجراءات العبور عبر منفذ أمساعد البري بين البلدين.

 ناقشنا مع مصر علاج جرحى قواتنا المسلحة وتسهيل إجراءات العبور عبر منفذ أمساعد

وماذا عن دور دول الجوار الأخرى، وأعني بذلك الجزائر وتونس والسودان؟
دول الجوار مثل تونس والسودان والجزائر تبادر من حين إلى آخر بجهود، تهدف إلى حلحلة الأزمة الليبية، لكن تلك الدول هي الأخرى تمر بأزمات على صعيدها الداخلي.نرى توجهًا من الإعلام المصري خلال الآونة الأخيرة يعتبر فيه الجيش بالمنطقة الغربية ميليشيات تابعة للحكومة غير المعترف بها دوليًا، فكيف ترون ذلك؟
طبقًا لدولة المؤسسات، والديمقراطية التي ناضل الشعب الليبي من أجل الحصول عليها، وطبقًا للإعلان الدستوري الذي هو دستور البلاد الموقت، فإن حكومة الوفاق الوطني في هذه المرحلة إلى حين الاستفتاء على الدستور الدائم، وطبقًا للاتفاق السياسي نفسه لن تنال الشرعية إلا بعد منح الثقة من مجلس النواب الليبي، وأداء اليمين الدستورية أمام مجلس النواب، بالإضافة إلى أنه حتى إذا اتفقنا في الهدف مع القوات التي تحارب «داعش» في سرت غرب البلاد، لتطهير البلاد من دنس الإرهاب، فذلك لن يمنعنا من التأكيد على أن تلك القوات هي خليط من الميليشيات المسلحة، التي تم تجميعها بعشوائية، مما يعني أنها ليست نظامية ولا تنضوي تحت لواء القيادة العامة للقوات المسلحة، فضلاً عن أن بعضها يحمل أيديولوجيات دينية.

لماذا لجأتم إلى الخليج في هذا الوقت بالذات، وهل هناك أهداف محددة تسعون لتحقيقها من وراء جولتكم في هذه الدول؟
دول الخليج العربي لها تأثير كبير في المنطقة ولعبت دورًا بارزًا في الشأن الليبي إبان ثورة 17 فبراير وحتى يومنا هذا، وهي تشارك بفاعلية في المساعي والمبادرات الرامية إلى حلحلة الأزمة الليبية، وتحقيق الوفاق الوطني، فتأتي هذه الزيارات لتوضيح الصورة حول ما وصل إليه الوفاق الوطني، فضلاً عن بحث المستجدات والمبادرات المطروحة التي من شأنها إيجاد حلول للأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية في ليبيا.

برأيك هل ستستطيع دول الخليج فعل ما لم تفعله مصر؟
المسألة لا تتعلق بتسمية أفعال محددة أو أدوار يغلب أحدها على الآخر، بقدر كونها مساعي وجهودًا يبذلها الأشقاء العرب، تتمثل في طرح مبادرات ربما تُسهم في تقارب وجهات النظر، وتعمل على التوصل إلى توافق يوحد المساعي الرامية إلى إنقاذ ليبيا من أزمتها. وهنا أكرر أن الحوار والمبادرات لن تتوقف والمساعي السياسية ستستمر، ومرحب بها جميعًا حتى نصل ببلادنا إلى الأمن والاستقرار اللذين نصبو إليهما.
للاطلاع على العدد (37) من «صحيفة الوسط» اضغط هنا (ملف بصيغة PDF)

المزيد من بوابة الوسط