التدخل الأميركي في سرت سياسي بعنوان عسكري

تسلمت الأطراف الأوروبية منذ يوم 21 يوليو الماضي خلال اجتماع التحالف الدولي ضد «داعش» بالولايات المتحدة، معلومات محددة من الشريك الأميركي بشأن خطة استهداف «داعش» في سرت، وكجزء من مخطط واسع لمواجهة التنظيم الإرهابي أيضًا في العراق وسورية.

وأبلغ البنتاغون غالبية وزراء الدفاع والخارجية الأوروبيين الذين شاركوا في اللقاء الذي حضرته أيضًا الممثلة العليا للسياسة الخارجية الأوروبية، فيدريكا موغيريني، بتسلم طلب ليبي رسمي من حكومة الوفاق بالتدخل عسكريًا للمساعدة على دحر «داعش».

وقال مصدر دبلوماسي في بروكسل لـ«الوسط» إن ضرب «داعش» في سرت سيستمر عدة أسابيع على الأرجح، وإن استهداف داعش في العراق وليبيا سيتصاعد مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي الرئاسي الأميركي، وتمكين الإدارة الأميركية الحالية من ورقة حاسمة لصالح الرئيس المنتهية ولايته ولصالح المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون في الوقت نفسه.

ويربط محللون كثيرون قرار التدخل العسكري الأميركي في ليبيا بسيناريو حملة الديمقراطيين في انتخابات الرئاسة الأميركية، ردًا على اتهامات التقصير التي وجهت إلى إدارة الرئيس أوباما ووزيرة خارجيته المرشحة لخلافته شخصيًا، خاصة فيما يتعلق بحادثة مقتل السفير الأميركي في الهجوم الذي تعرضت له القنصلية الأميركية في بنغازي على أيدي متطرفين، وهي الاتهامات التي ما زال خصومها الجمهوريون يرفعونها في وجهها.

تأخر الرد الغربي
وتأخر «الرد» الغربي في استهداف «داعش» في ليبيا تحديدًا بشكل لم يتسن فهمه لغالبية المحللين حتى الآن! فيما بررت الدوائر الأميركية والغربية ذلك بغياب توافق سياسي في ليبيا.

ويمثل التطور المسجل في الموقف الأميركي انقلابًا فعليًا في المعادلة السياسية الداخلية في ليبيا؛ لأنه يعكس دعمًا عسكريًا هذه المرة للمجلس الرئاسي الذي يكافح بصعوبة للحصول على مصداقية داخلية، والتزامًا غربيًا غير محدود بوسائط عسكرية إلى جانبه، وإلى جانب القوات التي تقاتل باسمه في سرت (غرفة عمليات البنيان المرصوص) ومعظم مقاتليها من مدينة مصراتة.

إعلان الولايات المتحدة عن نيتها تنفيذ عملية عسكرية متكاملة ضد «داعش» في سرت هو انتزاع للملف الليبي من أوروبا

كما يفتح العمل العسكري الأميركي المجال لتوسيع رقعة التدخل لصالح المجلس الرئاسي من قبل أطراف أخرى، خاصة إيطاليا وبريطانيا وبشكل مباشر، وبعد أن تعرضت فرنسا لانتقادات حادة خاصة من قبل الإيطاليين بسبب دعمها لقوات الجيش الليبي في شرق البلاد، حسب مصادر أوروبية.

انتزاع أميركي للملف الليبي
ومن زاوية غربية هناك من يرى أن إعلان الولايات المتحدة عن نيتها تنفيذ عملية عسكرية متكاملة، ولمدة غير محدودة ضد «داعش» في سرت يعتبر بمثابة انتزاع أميركي للملف الليبي من الشركاء الأوروبيين، وبعد أشهر من محاولات إدارة الرئيس أوباما جرهم إلى الاهتمام به بوصفه موضوعًا يهم الجوار الأوروبي بالدرجة الأولى.

ويبدو الوضع الليبي في حالة حراك جاد هذه المرة؛ حيث سيمثل التدخل العسكري الخارجي من هنا فصاعدًا القاعدة وليس الاستثناء في ليبيا وفق محللين متابعين للشأن الليبي.

وبدأت السلطات الإيطالية استشارة على مستوى البرلمان في روما لتمرير تدابير وإجراءات تسمح ليس باستعمال قواعد عسكرة إيطالية من قبل الطيران الأميركي فحسب، بل بمشاركة عملية في إسناد الضربات الأميركية.

تنافس إيطالي - فرنسي
وتريد روما التي أبدت استعدادها لفتح قاعدة سيغونيلا، جنوب البلاد للطائرات الأميركية أن تتبوأ مكانة الحليف الأول لحكومة الوفاق الوطني؛ وذلك ضمن تنافسها المحموم مع فرنسا.

وقال دبلوماسيون إيطاليون إن بلادهم شاركت قبل أية دولة أخرى في جهود عملية «البنيان المرصوص»، ووفرت معدات طبية وعالجت عشرات الجرحى وسلمت مواد إغاثة إلى مصراتة منذ بداية العمليات العسكرية في الربيع الماضي.

كما وقعت روما اتفاقًا عسكريًا مع واشنطن يسمح باستخدام 11 طيارًا إيطاليًا بشكل فوري للعمل في ليبيا وبمجرد صدور الأوامر إليهم.

واستعلمت الولايات المتحدة حتى الآن في ضربها لـ«داعش» في سرت قواعد عسكرية في الأردن وسفنًا منتشرة في المتوسط، وتبدو إيطاليا الطرف الراغب علنًا حاليًا في المشاركة مباشرة في هذا الجهد لأسباب جيواستراتيجية واضحة. وقال دبلوماسي أوروبي إنه من الواضح أن على إيطاليا أن تتحرك بقوة إذا ما أرادت أن تلعب دورًا في عملية بسط الاستقرار في ليبيا.

ويرى الدبلوماسي نفسه «أن المخاطر المترتبة عن أي تدخل إيطالي يتم أخذها في الحسبان بما في ذلك احتمال التعرض لهجمات انتقامية، ولكن الأمر الخطير هو أن تعزل روما نفسها عن تحرك تقوده الولايات المتحدة وتحرم نفسها من قطف ثماره لاحقًا».

ويقول الدبلوماسيون في بروكسل إن مختلف الأطراف الغربية تعتبر حاليًا أنها تحصلت على تغطية قانونية بضرب داعش في سرت من رئيس المجلس الرئاسي، وإنها لم تضع في حساباتها حتى الآن أي تدخل على الأرض.

ويقول الخبراء العسكريون إن موقف حكومة الوفاق سيتغير وفق التطورات على الأرض، وقد تقبل في نهاية المطاف بانتشار محدود على الأرض، وعند الضرورة بعد أن تكتم الجميع على وجود خبراء وعناصر مسلحة في ليبيا طوال أشهر.

المزيد من بوابة الوسط