حزب الفوضى يسطو على شواطئ العاصمة ويشوه واجهتها البحرية

على طريقة «وضع اليد» لم يعد من السهل الخروج إلى شاطئ البحر في منطقة طرابلس الكبرى للسباحة والاستجمام بعد أن سيطر أفراد تدعمهم مجموعات مسلحة في معظم الحالات على الشواطئ الصالحة للسباحة من بلدة جنزور (15 كلم غرب طرابلس) إلى منطقة غوط الرمان (حوالي 30 كلم شرق طرابلس) وقاموا ببناء أكواخ من الصفيح والخشب وعشش من سعف النخيل ونصبوا كراسي «بلاستيكية» وطاولات يؤجرونها للمصطافين الراغبين في استنشاق بعض الهواء العليل هربًا من قيظ الصيف والحر الخانق في الشقق السكنية والبيوت التي تتحول إلى ما يشبه «الأفران» بسبب الانقطاع الطويل للكهرباء (من 10 إلى 12 ساعة يومياً).

لم أستطع هذا الصيف الاستمتاع بالبحر إلا مرتين دفعت في كل مرة مبلغ 25 ديناراً

جريدة «الوسط» في عددها الرابع والثلاثين استعرضت الأوضاع بشواطئ العاصمة، إذ قال علي مختار الأسطى (45 عاماً - موظف وأب لثلاثة أطفال): «لم يعد بإمكاننا التمتع بشاطئ البحر. كنت أخرج مع أسرتي كل مساء في أشهر الصيف إلى شاطئ البحر في جنزور للاستحمام وشرب فنجان قهوة وتناول وجبة خفيفة أعدتها زوجتي في البيت مسبقًا، إلا أنني لم أستطع هذا الصيف الاستمتاع بالبحر إلا مرتين دفعت في كل مرة مبلغ 25 ديناراً لقاء طاولة و4 كراسي بلاستيكية وهو مبلغ ليس بالهين على موظف بسيط مضطر للتعامل مع أولويات أسرته بشيء من الحكمة خاصة مع نقص السيولة في المصارف».

وتعيش ليبيا منذ نهاية 2011 فوضى أمنية بسبب الانتشار الواسع للسلاح وتغول جماعات مسلحة تصدر بعضها المشهد في ليبيا، وعانت طرابلس من مواجهات بمختلف أنواع الأسلحة بين ميليشيات متنازعة، تحاول السيطرة أو التمدد في العاصمة، كان أعنفها تلك التي جرت صيف 2014 بين مجموعات مسلحة غالبيتها محسوبة على مدينة مصراتة وأخرى محسوبة على مدينة الزنتان، فيما عرف بعملية «فجر ليبيا» أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى بالعشرات وعن عمليات تهجير ونزوح واسعة وتدمير للبنى التحتية، من ضمنها مطار طرابلس الدولي.

وأجبر النزاع المسلح على السلطة والمال آلاف الليبيين وبخاصة القادرين ماليا أو الخائفين على حياتهم اللجوء إلى دول مثل مصر وتونس وتركيا، تاركين وراءهم بلادا غنية بالنفط والغاز تتوافر على مناطق أثرية رائعة الجمال على الساحل وفي أعماق الصحراء وشواطئ عذراء خلابة تمتد حوالي 2000 كلم على المتوسط، تعانق فيها الأمواج تارة بحور الرمال العظيمة للصحراء على امتداد مئات الكيلومترات، وتارة سفوح الجبال والكهوف والوديان الخلابة في منطقة الجبل الأخضر شرق البلاد.وأكد منصور رجب المسلاتي (28 عامًا - أعزب ويعمل بشركة لبيع المعدات الكهربائية والإلكترونية) من سكان منطقة سوق الجمعة، أنه لم يعد يذهب وأصدقاؤه كل يوم إلى شاطئ البحر بسبب سيطرة من سماهم «أصحاب البراريك والعشش» على الشواطئ في قلب العاصمة.

«أصحاب البراريك والعشش» يسيطرون على الشواطئ في قلب العاصمة

وأضاف: «إننا مضطرون للذهاب إلى منطقة غنيمة أو سيلين (من 80 إلى 100 كلم شرق طرابلس) للاستمتاع بالبحر عندما تكون الأوضاع الأمنية مستقرة وملائمة وهي غير ذلك في معظم الوقت، بحسب قوله.

وتفتقد العاصمة الليبية لمعظم الوسائل الترفيهية من بينها المسرح والسينما والنوادي والمكتبات العمومية منذ عقود طويلة، ولم يبق أمام الذين تمسكوا بالبقاء في عاصمتهم بعد سطو حزب الفوضى على معظم المنتزهات والحدائق العامة والغابات المطلة على البحر وفي الداخل وتحويل بعضها إلى كتل أسمنتية وأحياء سكنية عشوائية بعيدا عن كل تخطيط عمراني من متنفس إلا بعض المقاهي حيث يحتسون «المكياطة» و«الكابتشينو» ومقاهي «الشيشة» وشواطئ البحر التي تحولت إلى ما يشبه الملكيات الخاصة، حيث يضطر المصطافون إلى دفع معلوم مالي ما بين 20 و30 دينارًا للجلوس فقط.

كان سكان جنزور والسراج والمناطق المحيطة يقصدون كل عام شاطئ جنزور على مستوى ما يعرف بـ«التنارة» أفرادًا وعائلات يستمتعون بالسباحة واستنشاق النسيم العليل إلا أنهم فوجئوا هذا العام بسيطرة «جماعة» على مكان الاصطياف تفرض رسوما على دخول السيارات والعائلات، ويجد سكان أحياء قرجي والدريبي والفلاح وقدح وغوط الشعال وحي الأندلس ملاذا لهم من قيظ الصيف في شواطئ قرقارش و«البولرينة»، ويهرع سكان مركز العاصمة إلى شاطئ السندباد وسكان سوق الجمعة والمناطق المحيطة إلى شاطئ النخيل وشط الهنشير وشط قاعدة معيتيقة، إلا أن معظم هذه الشواطئ تم السطو عليها ولم يعد بإمكان سكان طرابلس وضواحيها وسكان الريف القريب من طرابلس الاستجمام إلا بمقابل مادي يدفع لأفراد سيطروا على هذه الشواطئ عنوة.

ويؤكد صالح عمر الشريف (22 عامًا - طالب بجامعة طرابلس كلية اللغات) أنه لم يستطع السباحة هذا العام إلا في مناطق وعرة في «قرقارش» يعرفها الطرابلسيون بـ «السكوليو»، مشيرًا إلى أنه كان يخيم كل أسبوع مع أصدقائه في شاطئ « تليل» (75 كلم غرب طرابلس)، إلا أنه أضاف بمرارة: «لقد حرمنا من واحد من أجمل الشواطئ الرملية على المتوسط في مدينة تليل الليبية بسبب غلق الطريق الساحلي والأوضاع الأمنية المتردية».

حرمنا من واحد من أجمل الشواطئ الرملية على المتوسط في مدينة تليل الليبية بسبب غلق الطريق الساحلي

وتعرف العاصمة الليبية تاريخيًا بـ«عروس البحر» ووصفها الرحالة ابن بطوطة بأنها مدينة نظيفة ذات مبان بيضاء تشع جمالا تحت أشعة الشمس وزرقة البحر غير أن الذين سيطروا على شواطئها اليوم في غياب مؤسسات الدولة، اغتالوا جمال شاطئها الذي عرف حضارات متنوعة على مر التاريخ، وزرعوه بـ«البرايك والأكواخ البائسة».

ويكفي لأي مسافر أن يلقي نظرة من نافذة الطائرة عند عودته إلى طرابلس، حيث تستخدم الطائرات الليبية اليوم مطار معيتيقة على ضفاف المتوسط بعد تدمير مطار طرابلس العام 2014 ليكتشف أن الواجهة البحرية لـ«عروس البحر» تم العبث بها واغتيال جمالها الساحر بعد أن زحفت على ضفاف شاطئها مدن من الصفيح والأكواخ والعشش.

ولا يملك الطرابلسيون اليوم أمام تغول حزب الفوضى المدعوم بـ«ماكينة الميليشيات المسلحة» وغياب الدولة ومؤسساتها إلا أن يطلقوا صرخة مدوية تقول «وابحراه».

 

المزيد من بوابة الوسط