أجواء رمضان في طرابلس

شهر رمضان ليس كما هو العادة في مدينة طرابلس، حيث الزحام الشديد من المارة، والإقبال الكثيف على المحال التجارية والأسواق، فقد استيقظت المدينة خلال الأيام الثلاثة الأولى من شهر رمضان بخطى متثاقلة، وخلت الشوارع من المارة والمركبات على غير عادتها حتى منتصف النهار.

المدينة الصاخبة، فقدت صباحها المفعم بالحياة في رمضان، حيث يتوجه الطرابلسيون إلى عملهم في حدود الساعة التاسعة صباحاً وهي ساعة بداية العمل الرسمي، غير أن هذا الحراك تلاشى هذا العام وأضحت المدينة صباحاً وكأنها مدينة أشباح.يقول مختار الرميح «49 عاماً موظف بشركة للإنشاءات الكهربائية» إنه غير مستعد للتحرك من بيته قبل أذان الظهر، فالشركة التي يعمل بها شبه متوقفة عن العمل نظراً لانعدام المشاريع ورحيل معظم الفنيين الأجانب إلى دولهم، وأنه ليس لديه ما يفعله في طرابلس.

«الوسط» رصدت زحاماً أمام أبواب المصارف وفي الطرقات المؤدية إليها بسبب استمرار أزمة السيولة، رغم وعود البنك المركزي في طرابلس والبيضاء بقرب الوصول إلى حل لهذه الأزمة التي باتت هماً إضافياً لليبيين.

المقاهي تغلق أبوابها.. والتردي الأمني وراء هروب تجار الشنطة

ويشير خلو الشوارع من المارة والمركبات بحسب مراقبين للشأن الليبي إلى أن شريحة واسعة من الموظفين الليبيين لم يعودوا ملتزمين بمواعيد العمل في المؤسسات الحكومية كونها شبه متوقفة عن العمل، فضلاً عن غرق بعضها في التسيب والتهميش ما عدا قلة من المصارف التي تتوافر لديها بعض السيولة وبعض شركات النفط وشركات القطاع الخاص الخدمية.

بينما أغلقت المقاهي التي تقدم الإفطار الصباحي و«المكياطة والكابتشينو والإكسبرسو» في مركز المدينة وتعطي لطرابلس طابعها الإيطالي، مما جعل من تلك الفضاءات الصاخبة في الأيام العادية فضاءات أشباح، حيث غابت النقاشات السياسية بين رواد المقاهي وتلاشت التعليقات الساخنة حول دوري كرة القدم الأوروبية ونجومه على وجه الخصوص.

مراسل «الوسط» تجول في مركز العاصمة وتحديداً في شارع الرشيد وشارع المأمون وباب الحرية وسوق المشير وسوق الحوت حيث المركز التجاري للعاصمة طرابلس، إلا أن أبواب المحال التجارية كانت موصدة حتى الساعة الحادية عشرة صباحاً، وكانت حركة الشراء شبه معدومة.وقال صالح رشيد العماري «45 عاماً صاحب محل لبيع الأحذية»: «لقد كنا نفتح في رمضان سابقاً في حدود التاسعة والنصف صباحاً، إلا أننا قررنا أن نؤخر العملية ساعة أو ساعتين هذا العام بسبب قلة الزبائن الليبيين بعد رحيل الأجانب، والمشاكل على الحدود البرية وخاصة منفذ رأس إجدير، إلى جانب انعدام السيولة لدى المواطن الليبي والذي مثلنا جميعاً، عليه التفكير أولاً في توفير لقمة العيش لأسرته».

وأضاف: «لقد كنا نعمل مع تجار الشنطة من تونس والجزائر والمغرب وبعض الدول الأفريقية، مثل تشاد والنيجر، ولكن هؤلاء التجار رحلوا بسبب تردي الأوضاع الأمنية وعمليات الخطف والابتزاز وإغلاق الطرق على أيدي الجماعات المسلحة، علاوة على ارتفاع الأسعار بسبب المضاربة في الدولار».

أزمة السيولة تلقي بظلالها على حركة البيع والشراء

وقال :«إن الأسواق الليبية لن تجذب التجار والسياح الأجانب خاصة من دول الجوار، ما لم تتعاف العملة الليبية أمام الصعود الرهيب للدولار». مؤكداً أن «استقرار السوق الليبية مرتبط باستقرار البلاد الأمني والاقتصادي والسياسي وهو، بحسب قوله، أمر لا يمكن إدراكه في غياب الدولة والانتشار الواسع للسلاح وتغول الجماعات المسلحة».

عقب فترة الظهيرة، عادت الحياة لتدب من جديد في مركز المدينة، حيث ظهر المتسوقون في سوق الحوت الذي يعتبر من أقدم أسواق العاصمة ويعود إلى الحقبة الاستعمارية.

ورصد محرر «الوسط» ارتفاع أسعار الخضراوات والفواكه وكذلك اللحوم الحمراء والبيضاء، مقارنة بالأسواق الشعبية حيث تعرض البطاطا والبصل والطماطم في هذه السوق على سبيل المثال بـ1.5 دينار للكيلو، في حين تعرض البضاعة نفسها في سوق الثلاثاء بالحي الإسلامي بنحو 750 درهماً للكيلوغرام.وقالت زينب الطاهر الغدامسي، معلمة وأم لـ3 أطفال وتقيم في مركز المدينة: «لا يمكننا التسوق إلا من سوق الحوت. لقد تعودنا على ذلك منذ صغرنا ولا يمكننا أن نستقل السيارة ونتوجه إلى الضواحي لشراء حاجاتنا من الخضراوات والفواكه واللحوم».

وأضافت: «التجار في سوق الحوت يضاعفون الأسعار ولا نعرف لماذا. ولكن الشيء الإيجابي الوحيد أننا نشتري الخضر والفواكه طازجة ويومياً وبحسب حاجتنا، أي من الممكن أن أشتري نصف كيلوغرام من الطماطم ونصف كيلوغرام من البطاطا فقط وأستهلكها كلها...وعندي صديقات يقمن خارج مركز المدينة يشترين الخضر والفواكه بكميات كبيرة ويتسوقن أسبوعياً».

وعلى الرغم من أزمة السيولة في المصارف وارتفاع الأسعار، يبدو أن الليبيين وإن كانوا اقتصدوا إلى حد كبير في الكميات التي يشترونها، إلا أنهم حافظوا على المائدة المتميزة لرمضان وعلى الأطباق الخاصة بالمطبخ الليبي في هذه المناسبة، ومنها «البوريك العادي وبوريك الجبنة والشربة الليبية والمبطن والدولمة والرشتة ولقمة القاضي والدبلة والمقروض والكنافة والمحلبية واللبن والحليب والتمر»، ولسان حالهم يؤكد على تمسكهم بالحياة وبالعادات والتقاليد الليبية رغم الوضع الاستثنائي الذي تمر به البلاد.
للاطلاع على العدد التاسع والعشرون من «جريدة الوسط» اضغط هنا (ملف بصيغة pdf).

المزيد من بوابة الوسط