طرابلس في رمضان.. غلاء ونقص سيولة وجشع التجار

في شهر رمضان، لن يفرق الليبيون في طرابلس بين لهيب «القبلي» ولهيب ارتفاع الأسعار، وإن كانت الحالة الأخيرة هي الأكثر جدلاً خلال الأسبوع الأخير من شهر شعبان، خصوصًا في ظل نقص السيولة في المصارف، وضعف القوة الشرائية، وجشع التجار، ومأساة النازحين والمهجرين.

ولعل ذلك هو ما حدا بالمواطنين إلى التشكيك في لغة الطمأنة التي اعتمدها المسؤولون في كثير من الفضائيات، على الرغم من ذلك يرى فصيل من المتفائلين أنه ربما تسهم تلك الأزمة في تخلي الليبيين عن عادت التبذير والإسراف خلال شهر الصيام، وتلزمهم بسلوك قديم اعتادوا عليه، وهو «كل يوم ويومه»، والتخلي عن نظام المجمعات الاستهلاكية.

مواطنون لـ«الوسط»: المسؤولون يمارسون النفاق ويوهمون الليبيين بتوفير احتياجاتهم خلال شهر الصيام

وفي هذا الصدد استقرأت «الوسط» آراء سكان طرابلس، في محاولة للوقوف على جميع أبعاد الإشكالية، إذ يقول محمد جمال البوسيفي (45 عامًا، أب لـ3 أطفال، فني اتصالات) إن السواد الأعظم من الليبيين سيواجهون مشاكل صعبة في شهر رمضان، فيما يتعلق بتوفير الحاجيات الأساسية، لأسرهم «بسبب غلاء الأسعار ونقص السيولة في المصارف».

وأضاف أن المسؤولين الذين خرجوا على الفضائيات سواء من المجلس الرئاسي أو البرلمان ليُطمئنوا الليبيين بتوفير احتياجاتهم خلال شهر رمضان، «يمارسون النفاق والكذب لأنه لا يمكن لأي مسؤول يحترم نفسه أولاً وشعبه ثانيًا أن يتحدث عن خطط لضمان تزويد الأسواق بالبضائع ومراقبة الأسعار قبل أسبوع واحد من بداية شهر رمضان»، في بلد بجسد واحد عليل ورؤوس عدة جميعها مريضة بالعناد والتكبر وانعدام المسؤولية وقلة الخبرة.

أما سالم مسعود (58 عامًا مدرس لغة إنجليزية)، فيرى أن المشكلة ليست في وجود البضائع على الإطلاق، فكل شيء متوفر بكثرة من الحليب ومشتقاته والدقيق والأرز والزيوت والمعجنات ومئات الأصناف الأخرى، من تونس وإيطاليا والجزائر وتركيا والسعودية وغيرها بفضل جهود تجار الحروب، وإنما تكمن المشكلة في قدرة الليبيين الشرائية».عجز السواد الأعظم
وأضاف: «يكفي أن نلقي نظرة على الأسواق الشعبية أو الأسواق المعروفة بـ«السوبر ماركت» المنتشرة في كل الأحياء، لنلاحظ مدى عجز السواد الأعظم من الليبيين أمام ارتفاع الأسعار الجنوني، المرتبط بالمضاربة في سعر الدولار، خاصة الارتفاع الرهيب في أسعار المواد الأساسية، لا سيما الدقيق والأرز والسكر والزيوت النباتية، التي وصلت الزيادة فيها إلى 450 %، مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب التي شهدتها طرابلس في صيف 2014».

من جانبه، يؤكد مختار سلامه (56 عامًا، موظف بأحد مصارف العاصمة وأب لـ6 أطفال)، أن لهيب الأسعار، وإن كان يؤرق الأسر الليبية، ويحطم ظهور أربابها، إلا أنه يمكن أن يكون درسًا يستفيد منه الليبيون مستقبلاً. وأوضح في هذا الخصوص أن كثيرًا من العائلات أقلعت عن عادة تخزين البضائع الموروثة من ثقافة الجمعيات الاستهلاكية سيئة الصيت للنظام السابق؛ حيث كان الليبيون يكدسون في بيوتهم الأرز والسكر والزيت والدقيق ومعجون الطماطم وغيرها من البضائع الاستهلاكية الأساسية، المدعومة بالأكياس والصناديق، ولا يستهلكون إلا ربع ما تم تخزينه، ويؤول مصير الكمية الأكبر من المواد المخزنة إلى صناديق القمامة بعد انتهاء صلاحيتها.

المشكلة ليست في وجود البضائع بل في القدرة الشرائية فالأسعار قفزت 450 ٪

وقال سلامة: «رغم معاناة الليبيين جميعًا من الارتفاع الجنوني للأسعار، إلا أنني أشعر بالراحة وأنا أرى الليبيين اليوم رجالاً ونساءً، يشترون الزيت والطماطم بالعلبة، والدقيق والأرز والسكر بـالكيلو»، معربًا عن أمله في أن تستمر هذه الثقافة التي قال إنها ليست بجديدة عن المجتمع الليبي؛ حيث كانت العائلات تشتري أغراضها من الدكان في القرية أو الحي (كل يوم ويومه - كما نقول في العامية)، قبل استنساخ القذافي لنظام الجمعيات الاستهلاكية.

ولاحظ متابعون للشأن الليبي أن الازدحام في طرابلس وضواحيها انحصر هذا العام وتحديدًا في الأسبوع الذي يسبق رمضان، إذ اعتادت العائلات الليبية على التسوق خصيصًا لهذا الشهر، إلا أنهم يقفون حاليًّا أمام أبواب المصارف التجارية بسبب أزمة السيولة، التي تفاقمت ولم يتم حلها حتى الآن، على الرغم من وعود الرئاسي والبرلمان وتوريد عملة مطبوعة في روسيا، وما صاحبها من جدل بين القوتين المهيمنتين على المشهد شرقًا وغربًا.
وقال خليفة صالح المزوغي (28 عامًا، مهندس اتصالات تزوج حديثًا) «لم آر أمي وأخواتي يغيرون هذا العام معدات المطبخ استعدادًا لرمضان، وكذلك لم تطلب مني زوجتي أي شيء جديد للمطبخ».

وكان من عادات الليبيين في المدن والقرى والأرياف، غزو الأسواق والمراكز والمحلات التجارية في الأسبوع الأخير من شهر شعبان، للتزود باحتياجاتهم وما يفيض عنها الكثير استعدادًا لشهر الصيام، إلا أنه لوحظ أن تلك العادة تراجعت هذا العام إلى حد كبير.الأسعار تحافظ على ارتفاعها
وعلى الرغم من تقهقر القدرة الشرائية لمعظم الليبيين، إلا أن الأسعار حافظت على ارتفاعها وبخاصة أسعار اللحوم والألبان ومشتقاتها، وبلغ سعر لحم الدجاج 8 دينارات للكيلوغرام الواحد، فيما تراوح سعر لحم العجل، ما بين 16 و18 ووصل إلى 20 دينارًا، أما لحم الإبل فبلغ سعر الكيلوغرام منه 20 دينارًا، فيما بلغ سعر لحم الخروف 18 دينارًا، والماعز 22 دينارًا (اللحوم المحلية). أما اللحوم المستوردة فقد حافظت على ارتفاعها مقارنة بالسنة الماضية. إلا أن لحم الخروف الإسباني خسر حوالي دينارين في الكيلوغرام مطلع هذا الأسبوع، بعد وصول كميات كبيرة منه للموانئ الليبية، وبلغ سعر الكيلو 11.5 دينار. غير أنه لم يعرف حتى الآن أسعار المستورد حديثًا، والتي قد تتراوح بين 14 و15 دينارًا للكيلوغرام بحسب العاملين في هذا المجال.

وعلى عكس اللحوم سجلت أسعار الخضراوات تراجعًا ملحوظًا منذ منتصف الشهر الجاري؛ حيث تُعرض الطماطم والبطاطا والبصل، وهي الأكثر استهلاكًا في المطبخ الليبي بسعر 750 درهمًا للكيلوغرام الواحد، وحافظت الفواكه المحلية الموسمية مثل الدلاع والبطيخ على أسعارها المعتادة، أي ما بين 750 درهمًا و1.5 دينار للكيلوغرام. أما أسعار الفواكه المستوردة مثل التفاح والإجاص والموز، فلا تزال مرتفعة إلى حد ما، ويعتقد أنها ستحافظ على نفس أسعارها الحالية ما بين 3 و5 دينارات للكيلوغرام حتى النصف الأول من رمضان.

أما بالنسبة للتمور، التي يكثر الإقبال عليها في رمضان، ويتناولها الليبيون بكثرة في وجبتي الإفطار والسحور، فتراوحت أسعارها ما بين 3 و9 دينارات للكيلوغرام بالنسبة للتمور المحلية، وما بين 9 و11 دينارًا للتمور التونسية بحسب النوعية. كما سجلت أسعار الحليب ومشتقاته ارتفاعًا ملحوظًا مقارنة بالسنة الماضية، بلغ في بعض الأصناف المستوردة من السعودية ومصر وتونس ما بين 75 و100 %

يتعين علينا الاستفادة من الوضع الاقتصادي المتأزم للبلاد، وتغيير ما يمكن تغييره من تقاليد دخيلة علينا

ويلاحظ أن شهر رمضان وهو شهر للعبادة والتضرع والتكافل المجتمعي، بدأ على مر السنين يمتزج بتقاليد غريبة في كثير من المجتمعات العربية والإسلامية، ومنها المجتمع الليبي الذي عرف ما يسمى بـ«طفرة النفط»، وبالتالي أصبح مناسبة تتميز بزيادة المصاريف عبر الإسراف في كمية ونوعية الأطعمة، إذ يتضاعف عدد الأطباق التي تقدم عند الإفطار في شهر رمضان مرتين أو ثلاثة مرات، وتصبح الموائد عامرة وأكثر تنوعًا بمختلف أصناف الطعام.

وتعليقًا على تلك العادات الغريبة، تقول المعلمة عائشة عمار (40 عامًا)، التي التقتها «الوسط» في سوق الخضار والفواكة المعروف بـ«سوق الثلاثاء»: «إننا تعلمنا في المدرسة أن هذا الشهر هو شهر للعبادة والتأمل والتعاون وعدم الإسراف، وهو ما ننقله إلى التلاميذ الصغار اليوم، لكن الواقع يقول عكس ذلك». لكن الكثيرين الذين استطلعت «الوسط» آراءهم خلال الأسبوع الأخير من شهر شعبان، أجمعوا على أن شهر رمضان هذا العام على الأقل، لن يكون كسابقيه في السنوات الماضية، خاصة من حيث الإسراف في الأكل والشرب، وذلك بسبب الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تمر بها البلاد.

وقالت كريمة سالم الفيتوري (أم لـ3 أطفال، موظفة في شركة نفطية)، إنه يتعين علينا الاستفادة من الوضع الاقتصادي المتأزم للبلاد، وتغيير ما يمكن تغييره من تقاليد دخيلة على المجتمع الليبي، خاصة عبر الفضائيات، وضبط المصاريف، مؤكدة أن الكثير من المأكولات والحلويات ستغيب حتمًا عن المطبخ الليبي هذا العام، وهو أمر حسن ومفيد للصحة العامة بحسب رأيها.

ودعت الفيتوري القادرات من الليبيات إلى تبني حملة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لتوعية ربات الأسر الليبيات بأهمية التحكم في المصاريف، وتجنب الإسراف؛ وحملة أخرى لمساعدة الأسر الفقيرة خاصة من النازحين والمهجرين.

المزيد من بوابة الوسط