«بوابة الوسط» في النوفليّة بعد تحريرها من «داعش»

بدت بلدة النوفلية التي ذاع صيتها في وسائل الإعلام المحلية والدولية بعد السّيطرة عليها من قبل «داعش» في مايو 2015، وتحويلها إلى واحدة من أبرز معاقل التنظيم ومركز مهم لتجنيد المقاتلين وتدريبهم، خالية من سكانها عند دخول مراسل «بوابة الوسط»، اليوم الأربعاء، فيما عدا عناصر حرس المنشآت النفطية المنتشرين على جنبات البلدة بهدف تمشيطها من العبوات الناسفة والألغام التي زرعها مقاتلو تنظيم «داعش» قبل أن ينسحبوا منها، متجهين غربًا باتجاه معقلهم الأخير بمدينة سرت.

واحتشد المئات من قوات حرس المنشآت النفطية عند مدخل بلدة النوفلية بعد أن سيطروا في الهجوم الأخير مع بلدة بن جواد، آخر معقلين لتنظيم «داعش» في الشرق الليبي من الجهة الغربية مع الطريق الساحلي المعبد وقوة أخرى اتجهت إلى بلدة النوفلية.

هجوم من أربعة محاور
وأوضح آمر القاطع الحدودي لمدينة أجدابيا العقيد بشير أبوظفيرة لـ«بوابة الوسط» أن الهجوم على مواقع التنظيم في البلدتين كان من أربعة محاور، وأن القوة التي تقدمت إلى بلدة بن جواد سلكت الطريق الساحلي المعبدة الواصلة بين منطقة السدرة وبلدة بن جواد، لافتًا إلى أن المسافة بينهما تتراوح بنحو أربعين كلم.

وأضاف أبوظفيرة أن القوة قبل دخولها لبلدة بن جواد التي تزامنت مع تحرير بلدة النوفلية سيطرت على أهم تمركزات «داعش» فيما يُعرف بـ«كامبو النهر» ومشروع الألف وحدة سكنية والكسارات، وأنها حاليًّا داخل ما يُعرف للسكان المحليين بـ«الخلاط»، التي تبعد عن البلدة التي يسيطر عليها التنظيم منذ الرابع من يناير الماضي نحو ثلاثة كلم.

وذكر بوظفيرة أن القوة الثانية سلكت الطريق الصحراوي في اتجاه بلدة النوفلية، أهم معاقل تنظيم «داعش» في الشرق الليبي، من ناحية ما يُعرف بطريق «اللاين»، بعد أكثر من عام على سيطرة التنظيم على جميع الطرق والبلدات المحيطة بالبلدة.

أعلام الاستقلال على أسطح البنايات
وفي جولة لمراسل «بوابة الوسط» بأرجاء بلدة النوفلية الإستراتيجية التي سيطر عليها حرس المنشآت النفطية، شاهد بعضًا من سكان البلدة قاموا بوضع عدد من أعلام الاستقلال على أسطح البنايات العالية، خاصة فوق الأماكن التي كانت تعد مقرات رئيسية لمقاتلي تنظيم «داعش» في البلدة. ودوت رشقات الرصاص المتقطعة التي أطلقها عناصر قوات حرس المنشآت النفطية والقاطع الحدودي أجدابيا في سماء البلدة ابتهاجًا بتحريرها من تنظيم «داعش»، والتي مزقت الصمت الذي كان يلفها.

ويقول مراسل «بوابة الوسط»: «آثار مقاتلي التنظيم لا تزال موجودة في بعض المقرات، فهناك أغلفة لبعض الرسائل التي ذيلت بعنوان «دولة الخلافة الإسلامية، ولاية طرابلس» وبعض الدفاتر التي كانت تخصص لفزر بعض المقاتلين على شكل مجموعات للقيام ببعض الأعمال، بالإضافة إلى بعض الكتب التي تحمل فكر التنظيم الإسلامي المتشدد من بينها مذكرة تعمم على المقاتلين الجدد تسمى «قطف الرياحين من متن الأربعين». وبعض الكتب التي تحمل أفكارًا متشددة. كما عثر الأهالي على ورشة كانت تستخدم في صناعة العبوات الناسفة والألغام في أحد المباني التي حولها التنظيم إلى معمل لتصنيع العبوات الناسفة، وفق حديث أحد المحليين لـ«بوابة الوسط».

وكان قد أعلن على لسان الناطق باسم حرس المنشآت النفطية على الحاسي وآمر القاطع الحدودي أجدابيا يوم أمس الثلاثاء، سيطرتهم الكاملة على البلدتين بعد القضاء على آخر إرهابيي تنظيم «داعش».

وأشارت مصادر ميدانية إلى أن الوحدات التابعة لغرفة عمليات الوادي الأحمر التي تشكلت منذ العام الماضي مع القوى المؤازرة تقدمت ظهر أول من أمس داخل بلدة النوفلية من أكثر من محور، بعد تفكيك الكثير من العبوات الناسفة التي زرعها إرهابيو «داعش» على مشارف البلدة.

مقاتلو «داعش» كانوا في حالة انهيار
وتحدثت المصادر من سكان البلدة والتي رفضت الإفصاح عن هويتها؛ خوفًا من ملاحقة التنظيم لهم، عن حالة انهيار كبيرة في صفوف تنظيم «داعش» بعد الخسائر الفادحة التي تكبدها التنظيم في الأرواح والأموال قبل نحو أشهر وتحديًا في يومي الرابع والخامس من يناير الماضي عقب هجوم التنظيم على منطقة السدرة. وتعتبر من العوامل التي ساعدت على دخول البلدة.

وقال المواطن (ص - ك) 60 عامًا إن «الهجوم على البلدة كان من أكثر من محور؛ الأمر الذي أدى إلى السيطرة على المدينة وانسحاب مقاتلي تنظيم «داعش» باتجاه الصحراء غربًا». وأشار ذات المصدر إلى الأهمية الاستراتيجية لهذه البلدة كونها نقطة وصل بين عدة مناطق مما جعلها تشكل معقلاً آمنًا لهم، مؤكدًا أن السيطرة عليها شكلت «ضربة قاصمة لهم». وإن كان هناك دفاع مستميت من قبل تنظيم «داعش» قبل التفكير بالانسحاب من بلدة بن جواد على حد قول ذات المصدر.

مقرات التنظيم في النوفلية مفتوحة
وخلال تجول مراسل «بوابة الوسط» داخل أحياء البلدة لوحظ أن الأبواب الخاصة بمقرات تنظيم «داعش» مفتوحة والأثاث ما زال موجودًا بداخل تلك المباني، خاصة فيما يعرف بـ«الشرطة الإسلامية» ومقر البريد ومستوصف صغير على ما يبدو كان يستعمل للإسعافات الأولية مع وجود بعض الأطعمة، مما يدل على أن الحياة لعناصر «داعش» كانت موجودة في البلدة التي سيطر عليها داعش في شهر مارس العام 2015 في أنها آخر نهاية التنظيم في المنطقة.

لكن سكان بلدة النوفلية ما يزالون غير متحمسين للظهور الإعلامي والحديث إلى وسائل الإعلام وإن جرى حديث فبشكل غير علني.

كيف سيطر «داعش» على النوفلية؟
ففي باحة أحد المنازل بالبلدة يجلس عجوز سبعيني العمر ومن حوله زملاؤه من الأسر التي كانت نازحة إلى البلدات المجاورة، وتربطهم نفس المحنة تحدث قائلاً لمراسل «بوابة الوسط»: «قبل حوالي عام اتصل علي قعيم من سورية قبل أن يصبح أميرًا لتنظيم «داعش» في البلدة عن طريق أحد المقربين له من البلدة وأبلغه أن بشرى سارة تنتظر سكان البلدة».

وأضاف العجوز السبعيني وهو يمسح بيدين مرتجفتين العرق الذي تشكل على جبهته: «في بادئ الأمر كان يعتقد بعض من الأهالي ممن لديهم أبنائهم في سورية أن البشرى هي عودة أولادهم التي انقطعت أخبارهم منذ العام 2012 لنفاجأ أن البلدة الوادعة تحولت إلى معقل لعناصر «داعش» المقبلين من تونس والسودان ومصر يخوضون في أمورهم المعيشية ويتبادلون الزيارات ويخططون لحياتهم الجديدة، من بينهم فائز العبيدي من بنغازي وهو من سكان حي الليثي الذي قصد المدينة بعد أسابيع من سيطرة «داعش» عليها، ليولي عليها أميرًا وفق عرف داعش».

ويقول أحد الجالسين إن آخر أمير لـ«داعش» في بلدة النوفلية كان من مدينة أجدابيا، وتعود أصوله لقبيلة الزوية ويدعى عبدالرحمن ومكنى بـ«الشافعي» وكان أحد المقاتلين إبان الثورة في سرية مالك، وتعرض الأخير إلى شلل نصفي عقب الهجوم على الهلال النفطي في الرابع من يناير.

أما صالح (57 عامًا) والذي آثر البقاء في المدينة معتقدًا أن «داعش» لن تستمر غير أسابيع باعتبارها طفرة لتعود الحياة إلى ما كانت عليه، يقول وهو يميل بوجهه نحو بقايا سور القلعة الذي يسميها سكان بلدة النوفلية بـ«الفورتي»: «لا نصدق ما حدث ويحدث، خلال العام الماضي أن سكان البلدة صاروا مهجرين بسبب تنظيم «داعش» وصار اسم النوفلية في البطاقة الشخصية أو جواز السفر محل شبهة لأبنائها».

المزيد من بوابة الوسط