إلغاء الدوري وإخفاق الأمم.. ضربتان في رأس الكرة الليبية

باتت كرة القدم الليبية محاصرة وسط تعثرات جمة وكبوات متعددة لم يتم وضع أي حل لها طيلة هذه السنوات؛ نتيجة لعوامل كثيرة جدا لا يمكن حصرها في تقرير واحد، بل تحتاج إلى مجلدات لتشخيص الداء والبحث عن الدواء الفاعل لمعالجة هذه الأمراض المتراكمة من خلال وضع قانون صارم يطبق وفقا للقانون الدولي أو الاستعانة بخبرات عالمية تضع المعايير واللوائح المنظمة لعمل اتحاد الكرة في هذه الفترة بالذات للخروج من هذا المأزق والنفق المظلم الذي تعيشه كرة القدم الليبية واستئصال هذا الداء الخبيث نتيجة عدم وجود إدارات حكيمة محترفة، وقرارات حاسمة تنفذ دون مجاملة أو انحياز في هذا الوضع الصعب نتيجة الأوضاع التي تعيشها ليبيا، وظروف استثنائية أجبرت على إيقاف عجلات الدوري، المتأخرة عن دوريات العالم أصلاً.

وقد حددت لجنة المسابقات 15 يونيو الماضي موعدا لاستئناف ما تبقى من هذا الدوري، بل وجميع المسابقات التي يشرف عليها الاتحاد، دون أي ايجابية نحو الخطوة الحاسمة، قبل أن تزف مصادر مقربة من اللجنة المشكلة من الاتحاد الليبي لكرة القدم، التي تهدف لبحث موقف مسابقة الدوري الممتاز لكرة القدم، وتؤكد أن اللجنة فرغت من أعمالها وقدمت مقترحا بإلغاء الدوري هذا الموسم للمكتب التنفيذي، الذي سيجتمع خلال الأيام القليلة المقبلة لإصدار قرار رسمي بهذا الخصوص، كما علمت جريدة «الوسط» أنه من المحتمل أن يصدر القرار لغلق باب الجدل حول الموسم الجاري.

للاطلاع على العدد 189 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

تصريح القنطري
24 فريقا في الدوري الممتاز و35 في الدرجة الأولى بالإضافة إلى أندية الدرجتين الثانية والثالثة ظلت تنتظر القرار وسط غياب الإدارة المحترفة، الأمر الذي دفع الدكتور بشير القنطري رئيس الهيئة العامة للشباب والرياضة بحكومة الوفاق الوطني للتلويح بالاستعانة بالخبرات الدولية، حيث سبق وقال «قد يتم اللجوء للاتحاد الدولي لكرة القدم، بالاشتراك مع اللجنة الأولمبية، إذا لم تسفر انتخابات الاتحاد الليبي لكرة القدم المقبلة عن اختيار كفاءات جديدة ترضي الوسط الرياضي، بعد أن نترك المساحة كاملة للأندية لاختيار مجلس إدارة يدير شؤون اللعبة الشعبية الأولى»، ليثير تصريحه جدلاً كبيرًا.

وسبق تصريح القنطري، رسالة من الـ«فيفا» وجهها إلى الاتحاد الليبي لكرة القدم، منذ نحو أكثر من أربعة أشهر، شدد خلالها على ضرورة إجراء الانتخابات خلال 90 يوما، لتنتهي المهلة الزمنية، بما لا يتناسب مع الأحداث الجارية على الصعيد السياسي في البلاد من ناحية، وغياب التنسيق والاستقرار داخل اتحاد الكرة نفسه عقب الإخفاق في التأهل نحو بطولة الأمم الأفريقية المقبلة بمصر من ناحية أخرى، ليسود التوتر الأجواء، بعد أن كادت تشهد انفراجة في الآونة الأخيرة، حيث أرسل الـ«فيفا» وفدا العام الماضي نحو خطوة جدية لرفع الحظر عن الملاعب الليبية، وتسلم رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني فائز السراج رسالة طمأنة من رئيس الـ«فيفا»، جياني إنفانتينو، عبر الأخير خلالها عن شكره وامتنانه على كرم الضيافة وحسن الاستقبال الذي قوبل به وفد الـ«فيفا» برئاسة مدير مشروع تنمية الكرة الأفريقية موسينغو أوبا، خلال زيارته الأخيرة إلى طرابلس.

في الوقت نفسه هناك العديد من الأندية جمدت نشاطها لتبقى المعضلة الأخرى أن أندية الممتاز وحتى الدرجة الأولى لديها عقود مدربين ورياضيين محترفين وأجهزة فنية واللاعبين المحليين تبحث عن من سيتحمل العبء المالي في حالة الإلغاء، وهناك عقود انتهت بشكل فعلي في شهر يونيو الماضي، وتستحق دفع الرواتب والدفعات الأمر الذي يهدد تلك الأندية في حال الشكوى سواء من اللاعبين أو المدربين المحليين وكذلك الأجانب، خصوصا أن العديد من المدربين ومحترفي الأندية والأجهزة الفنية غادروا ليبيا، وهذا الأمر سيزيد من المصارف على الأندية بسبب العقود المبرمة معهم والمدد الزمنية لهذا العقود.

وتراقب جماهير الكرة الليبية البطولة الأفريقية للأمم رقم (32) في مصر، دون مشاركة «فرسان المتوسط»، بعد خسارة المباراة الفاصلة في ختام التصفيات أمام جنوب أفريقيا، وسط تخبط شديد على الصعيدين الفني والإداري بات يحاصر كرة القدم الليبية، ويعد الإخفاق الأفريقي للمنتخب الوطني في محطته الأخيرة أمام منتخب جنوب أفريقيا حكاية قديمة جديدة أصبحت تتجدد مع كل تصفيات ومنافسات، بدأت ملامحها هذا الموسم مبكرا، فكان الحصاد وجاءت المحصلة على قدر الخيبات التي صاحبت المرحلة الماضية.

إخفاق الأندية
فبوادر الإخفاق بدأت منذ إخفاق ممثلي الكرة المحلية الأربعة، الأهلي طرابلس والاتحاد والنصر والأهلي بنغازي، وخروجهم السريع والمبكر على صعيد بطولتي الأندية الأفريقية، وهي الفرق الأربعة التي تمثل غالبية لاعبي المنتخب، وهي الفرق التي خاضت المنافسة الأفريقية ودخلت المعترك الأفريقي قبل انطلاق الموسم الحالي الذي ساهمت الأندية في تعثره وتعطيله، حيث انطلق متأخرا خلال شهر ديسمبر بدلا عن موعده المبرمج مسبقا وهو شهر سبتمبر، قبل أن يلحق المنتخب بإخفاقه الكبير في عدم التأهل إلى الأمم، في وقت تنتظر فيه الكرة الليبية مشاركات قارية للمنتخب الوطني لكرة القدم الأول، أهمها تصفيات أمم أفريقيا للمحليين 2020، والتصفيات في شهر نوفمبر المقبل، والنهائيات في إثيوبيا، وتصفيات كأس العالم لكرة القدم2022 التي ستنطلق مع بداية العام المقبل، ومشاركة المنتخب الليبي أيضا في بطولة المنتخبات العربية، وتصفيات الشان، وكذلك المنتخب الأولمبي الذي لديه استحقاق هو الآخر في التصفيات القارية المؤهلة نحو أولمبياد طوكيو 2020.

للاطلاع على العدد 189 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

ويبدو أنه وبعد مغادرة رئيس الاتحاد المشهد الرياضي بعد إزاحته في اجتماع المرج بسحب الثقة عنه من قبل 82 ناديا، تكرر المشهد مع رئيس الاتحاد الحالي عبد الحكيم الشلماني وأعضائه بنفس السيناريو، ففى أول اختبار لهم قاموا بإخفاء رسالة «فيفا»، التي وصلت وزكت اجتماع المرج وفيها تفاصيل أخرى تتعارض، فيما يبدو، مع أحلامهم ومصالحهم، حيث لم تنشر للرأي العام الرياضي تفاصيل الرسالة، وربما لأول مرة في تاريخ الكرة الليبية يحدث هذا المشهد الكروي المعقد عبر تاريخها الطويل، حيث لا حديث في الوسط الرياضي منذ أربعة أشهر إلا عن أزمة اتحاد الكرة مع الأندية المقاطعة له، حتى وصل الأمر لسحب الثقة من رئيس الاتحاد جمال الجعفري، الذي أزاحه موقتا عن المشهد الرياضي مجلس إدارته حتى انعقاد موعد الجمعية العمومية في مدينة المرج 20 ديسمبر التي إما أن تسحب الثقة نهائيا أو يتدخل الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» بعد أن طلب ذلك رئيس اتحاد الكرة في رسالة موجهة منه لـ«فيفا».

تكلفة اقتصادية
إلغاء الدوري الليبي الممتاز يشكل تكلفة اقتصادية عالية، حيث يدخل في دائرة الأرقام الكبيرة والجديدة بعشرات الملايين سنويا، بعد أن تحولت اللعبة لوظيفة لعشرات المدربين ومئات اللاعبين ومصدر دخل لشركات الملابس والفنادق، وعرفت عقود اللاعبين أرقاما كبيرة لم تعهدها ليبيا من قبل، حيث وصلت لرقم المليون والمليوني دينار ليبي لبعض اللاعبين، وأصبح الدوري يشكل دورة اقتصادية وحركة تجارية مهمة على مستوى الرياضة، حيث قدر اقتصاديون داخل اتحاد الكرة الليبي نفسه بوصول الخسائر المالية إلى قرابة الستين مليون دينار ليبي تقريبا بعد ارتفاع قيمة عقود اللاعبين والتنافس بين الأندية في التعاقد مع أبرز اللاعبين المحليين، وكذلك عقود عشرات اللاعبين الأجانب، بعد أن تسببت الأحداث السياسية الجارية في العاصمة طرابلس في تأجيل الأنشطة الرياضية، ومن ثم عرقلة خطوات الهيئة العامة للشباب والرياضة بحكومة الوفاق الوطني التي كانت تستعد لصرف الدعم المالي الحكومي الذي قرره المجلس الرئاسي لفرق الدوري الليبي الممتاز لكرة القدم الـ24 ناديا، بعد تجهيز الصكوك المالية الخاصة بكل ناد، وكان الدعم المرصود متفاوتا بين الأندية وحسب المعايير، بين 800 ألف و400 ألف و300 ألف و200 ألف دينار، دون إعلان موعد تقديم الدعم لأندية الدرجة الأولى لكرة القدم التي شملها كذلك الدعم الحكومي الأخير.