40 عاماً من الكرة الخماسية في الدورات الرمضانية بشوارع بنغازي

جانب من إحدى الدورات الرمضانية في ليبيا (أرشيفية الإنترنت)

ارتبط شهر رمضان المبارك في ليبيا بالنشاط الرياضي والمسابقات الكروية الرمضانية، ورغم الصيام وارتفاع درجة حرارة الطقس أحياناً والظروف التي تعيشها وتمر بها البلاد على الصعيد السياسي، فإنه لا يكاد يخلو شارع أو حي من إقامة دوري رمضاني قبل ساعات الإفطار وخلال الفترة الليلية، حيث يعشق الجميع الرياضة وتحديداً منافساتها الكروية لتزداد وتيرتها وتتفتح شهيت الجميع أكثر خلال شهر الصيام وسط مشاركة واسعة من مختلف الأجيال ومن نجوم مختلف الأندية التي يتنافس ويتسابق منظمو الدوريات الرمضانية على دعوتهم واستقطابهم للمشاركة في مباريات استعراضية لجذب ولفت أنظار الجمهور الرياضي إلى الدوريات الرمضانية.

ملاعب كرة القدم الصغيرة حكاية قديمة أصبحت تتجدد مع مطلع وانطلاق كل موسم رمضاني، حيث استعملت مساحات تغطيها طبقة من الإسمنت والأسفلت والأرضية الصلبة لتكون ملاعب لكرة القدم أطلق عليها ملاعب الـ«ستاك» وهي كلمة إيطالية تعني بحد ذاتها طبقة من خليط الإسمنت والرمل تقوم مقام البلاط في البيوت الفقيرة، خاصة أكواخ الزنك، فملاعب الـ«ستاك» ظلت صامدة حتى يومنا هذا لها طقوسها المتبعة في تنظيم مبارياتها الساخنة التي تقام في أكثر من ساحة بنغازية خلال الشهر الكريم بجهود ومجهودات ذاتية.

دوري «ستاك» انطلق بإشارة إيطالية ومبادرة شخصية العام 1980

ويعد دوري «الضريح» في قلب ووسط مدينة بنغازي من أقدم وأعرق الدوريات الرمضانية لكرة القدم على مستوى الملاعب الصغيرة التي كانت تعرف بالـ«ستاك»، فبعد أن كانت الدوريات الرمضانية تقام على الملاعب الكبيرة الترابية بسبب وجود المساحات الشاسعة في كل أنحاء المدينة ظهرت مع بداية العام 1980، أي قبل ما يقرب من 40 عاماً بمدينة بنغازي، فكرة دوري الـ«ستاك» ذات الملاعب الصغيرة، حيث كانت البداية من ملعب «الضريح» بمدينة بنغازي.

وتزامنت إقامة هذا الدوري مع توقف النشاط الكروي الرسمي أواخر السبعينات، حيث توقف دوري الكرة الليبي لثلاثة مواسم متتالية، فكان دوري «الضريح» هو دوري النجوم والشهرة والأضواء بامتياز وهو الذي ملأ الفراغ الكروي الذي ساد المشهد وعوضهم غياب المسابقات الكروية الرسمية وكان المتنفس الوحيد للجمهور الرياضي، كما شهد هذا الدوري الرمضاني في موسم ظهوره الأول العام 1980 مشاركة كبيرة من أبرز نجوم جيل الثمانينات من مختلف الأندية كما حظي بحضور واهتمام جماهيري كبير، حيث استمر هذا الدوري ثلاثة مواسم رمضانية متتالية، وكان المشرف على إقامة هذا الدوري هو لاعب فريق التحدي السابق على زينوبة، أحد نجوم الفهود الذين توجوا معه ببطولة الدوري الليبي موسم 1977.

ومن أبرز نجوم الكرة الليبية الذين شاركوا في هذا الدوري أيضاً فوزي العيساوي المدير الفني للمنتخب الليبي الأول وعلي البشاري والراحل محمد حسن وعبد الله الفزاني وعلي عابد وعلي الهاشمي الشهير بـ«الغبش» وخالد وصلاح الزاوي وفرج ساسي وكشبور وعمر القزيري وشقيقه فتحي وإبراهيم جريبيع وحارس مرمى المنتخب الليبي الأسبق رمزي الكوافي.

انتشرت بعد ذلك كرة القدم بالملاعب الصغيرة في باقي مناطق وأحياء مدينة بنغازي، فلا تكاد تخلو منطقة أو ساحة من إقامة دوري رمضاني بالملاعب الصغيرة واشتد التنافس وبلغ ذروته في استقطاب النجوم للمشاركة، حيث كانت منطقة البركة الشهيرة العريقة محطة أخرى هامة من محطات إقامة الدوريات الرمضانية على مستوى الملاعب الصغيرة بإشراف وتنظيم من المخضرم حسين عبد المطلوب، حيث أُقيم أول دوري رمضاني بساحة البركة في شهر رمضان من العام 1988، كما أُقيم في شهر رمضان من العام الذي يليه بطولة الكأس لنفس الفرق المشارِكة، وهو دوري يقام لأول مرة على مستوى الملاعب الصغيرة يخص الشركات والجهات العامة، كما شهد الملعب الصغير بنادي النصر إقامة دوري لكرة القدم لأربعة مواسم رمضانية متتالية شهد مشاركة لأبرز نجوم مختلف الأندية، كما كان لمنطقة سيدي حسين حضور بارز في الدوريات الرمضانية خلال تلك الفترة لتتوسع دائرة إقامة الدوريات الرمضانية لتتواصل حتى يومنا هذا في كل مدن وربوع ليبيا لتشمل مختلف المناطق.

«الضريح» من أقدم وأعرق الدوريات على مستوى الملاعب الصغيرة بدأ كبديل لتوقف النشاط

غير أن ملاعب الكرة الصغيرة تطورت وصارت تغطيها نوعية جيدة من أرضية الملاعب الحديثة والبساط الصناعي المريح الذي يساعد اللاعبين على الإبداع وهي الملاعب التي انتشرت في مختلف المدن الليبية، وشهد العام 1998 ظهور وتشكيل أول منتخب ليبي يشارك رسمياً في البطولة العربية لكرة القدم الخماسية داخل الصالات المغطاة، التي اُقيمت بالعاصمة المصرية، القاهرة، ووقع الاختيار على لاعبين سابقين اعتزلوا اللعبة وجاء في المرتبة الثالثة عربياً.

تواصلت مشاركات المنتخب الليبي لكرة القدم داخل الصالات في مختلف البطولات العربية والدولية وأصبحت الملاعب الليبية زاخرة بنجوم الملاعب الصغيرة وتوج مسيرته بإحرازه بطولة العرب وبطولة أفريقيا ومثل الكرة العربية والأفريقية بكأس العالم بالبرازيل العام 2008 ودفعت هذه النجاحات لمزيد من الاهتمام بقاعدة اللعبة ونشرها وتنظيم مسابقاتها المحلية وتطويرها، حيث أُقيمت لأول مرة مسابقات محلية تجمع مختلف الأندية ومنها تم انتقاء أبرز اللاعبين الدوليين لمنتخباتها، حيث تعيش مدينة بنغازي وباقي المدن الليبية هذه الأيام أجواء كروية رمضانية بامتياز وتزخر مختلف الساحات والملاعب بإقامة الدورات الرمضانية التي تتواصل بصورة يومية حتى آخر أيام الشهر الفضيل في صورة ومشهد يكاد يكون واحداً في كل ربوع الوطن ما يعكس تعلق الليبيين وعشقهم لكرة القدم متابعة وممارسة.

صورة ضوئية من عدد جريدة الوسط رقم 182