جمهور الكرة الليبية ينعش اقتصاد صفاقس في 72 ساعة

تبخرت أحلام منتخب ليبيا في التأهل إلى بطولة الأمم الأفريقية، بعد هزيمة مريرة على يد ضيفه جنوب أفريقيا بنتيجة (2-1)، في المباراة التي أقيمت على ملعب «الطيب المهيري» في مدينة صفاقس التونسية، الذي أصبح في ذلك اليوم ملعبا ليبيا؛ بسبب جموع الجماهير الوافدة من كل المدن الليبية، كان يحدوهم الأمل الكبير في انتزاع ورقة التأهل والفوز على منتخب جنوب أفريقيا الملقب بـ«الأولاد» بأي نتيجة، ولكن تبخر الحلم الذي راود كل الليبيين، فقد ذهب هباء منثورا في التأهل لـ«مصر 2019»، رغم الحضور الجماهيري المكثف الذي رفع شعارا واحدا وعلما واحدا وهتافا واحدا، متكبدا مشاق وعناء السفر وبعد المسافة، والنوم في الحافلات وفي الحدائق بعد أن اكتظت جميع الفنادق في مدينة صفاقس لعدم وجود أماكن شاغرة، فازدهرت المدينة الاقتصادية بوجود آلاف الليبيين على مدار يومين أو ثلاثة في شوارع صفاقس ازدانت بالأعلام الليبية وبجموع الليبيين.

ورغم العدد الكبير، كانت السلطات التونسية في الموعد في تسهيل الحركة دون أية مشاكل، وكانت الجماهير اليبية خير سفراء لبلادهم، ليبيا، فحتى بعد الخسارة والهزيمة النكراء لم تحدث أية مشاكل رغم مشاكل الطريق الفنية، حيث تعطلت بعض الحافلات في الطريق، مع وقوع بعض الحوادث البسيطة، التي كانت في ليبيا، فقد بدأت الرحلة من ليبيا صباح السبت من المدينة الرياضية، نقطة التجمع لجماهير طرابلس، ومنها عبر الطريق البري إلى مدينة زوارة، مكان التجمع العام، ومنها انطلقت الحافلات إلى الحدود الليبية–التونسية منفذ رأس إجدير وحافلات أخرى من منفذ ذهبية، وخطوط الطيران والرحلات والسيارات الخاصة، وكانت كل الإجراءات سهلة وذلك بسبب التعاون بين الشرطة الليبية والشرطة التونسية في تسهيل الحركة في المعبرين فكان الجميع في الموعد.

للاطلاع على العدد 176 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

من طرابلس إلى صفاقس التونسية، المسافة كانت أكثر من 500 كيلومتر، مرورا بمدن بن قردان وقابس ومدنين، حتى الوصول إلى مدينة صفاقس العاصمة الاقتصادية لتونس، هذه المدن شهدت حركة تجارية على مدار ثلاثة أيام أنعشت الاقتصاد التونسي في هذه المدن.

وبالعودة إلى المباراة والحضور الجماهيري الكبير الذي وصل تعداده إلى 13800 مشجع ليبي، تواجدت أعداد أخرى حسب إحصائية تحصلت عليها جريدة «الوسط» من مشرفي الملعب رغم أن اتحاد الكرة وزع 10 آلاف تذكرة أو أقل حسب الاتفاق مع السلطات التونسية رغم أن الملعب يسع لـ 22 ألف متفرج، وقد سمح لباقي الجماهير التي لم تتحصل على تذاكر دخول الملعب قبل بدء الشوط الثاني وتم استغلال بيع التذاكر من قبل البعض بأسعار غالية للجماهير الرياضية ورغم كل هذه الأمور وهذه المعاناة كان هتاف الجماهير الليبية طوال زمن المباراة وهي تحمل الأعلام الوطنية «ليبيا ليبيا»، «لا أهلي لا اتحاد ليبيا يا اولاد»، «يا ناس تعبنا نبوا نلعبوا في ملعبنا»، وكذلك قدمت لوحات فنية إبداعية رائعة زينت جميع أرجاء الملعب وأبهرت الجميع، فكان عرسا ليبيا خارج ليبيا بكل معاني الكلمة ولكن للأسف خذلت هذه الجماهير بهذا الأداء الباهت وبهذا التشكيل المعيب وبالأداء السيئ لجميع اللاعبين المحترفين وغيرهم.

أسباب الخسارة
وقد أجمع عديد المحللين أن أسباب الخسارة كانت من الطاقم الفني طيلة شوطي المباراة، فلم يدفع بالتشكيل المناسب ولم يعالج الأخطاء الموجودة في الفريق الواضحة للجميع من بينها الضعف في الجناح الأيمن وفي خط الدفاع وخط الهجوم، رغم أن الربع ساعة الأولى من المباراة شهد سيطرة ليبية على مجريات المباراة، وكاد يثمر عن هدف، ولكن بعد ذلك تاه المنتخب وأصبحت سيطرة جنوب أفريقيا واضحة، واللعب على مناطق الضعف في المنتخب الليبي، التي من خلالها استطاع الظفر بنتيجة المباراة والتأهل إلى «مصر 2019» وسط خيبة ودموع وحزن الجميع الذي كان حاضرا في الملعب وسط تكبد عناء السفر وعبر الشاشات فكان يوما حزينا جدا في مدينة صفاقس التونسية، وحتى بعض الصحفيين التوانسة والجمهور التونسي المساند قالوا: «منتخب عنده هذا الجمهور الكبير، حرام يخرج فاقد النتيجة بهذا الشكل!».

للاطلاع على العدد 176 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

أحد الصحفيين من جريدة «الشروق» الرياضية قال لجريدة «الوسط»: «لو لعب منتخب جنوب أفريقيا مع فريق الصفاقسي التونسي لخسر بالثلاثة، كان بإمكان المنتخب الليبي تحقيق نتيجة إيجابية، ولكن الجهاز الفني، الذي لم يحسن التصرف، هو الذي أضاع حلم التأهل عليكم، ولم يعالج الأخطاء، معقولة سلتو المقلق لخط الدفاع يبقى على دكة البدلاء، وعندما شارك ودخل سلتو شاهدنا كم فرصة تحصل عليها». وقد اعترف المدربان، باني والعيساوي، بارتكاب الأخطاء وتحملا مسؤولية الإخفاق، ولكن ما الفائدة المرجوة من هذا الاعتراف وهل يصلح العطار ما أفسده الدهر، مباراة وانتهت وكان الخروج بخفي حنين.

الإعلام الليبي
أحد أسباب الخسارة أيضا هو أن الإعلام الليبي استسهل المباراة وأطنب في المديح بأنه بمقدور «الفرسان» تحقيق الإنجاز وبمقدور الطاقم الفني اقتناص ورقة الفوز، والكثير من التحليلات والحلقات المباشرة ولم يعالجوا الأخطاء والمطبات التي يمكن أن تحدث في المباراة، ولم يعطوا أي أهمية للفريق الضيف وتكفلوا بالحشد الجماهيري لهذه المباراة فكان الإخفاق والخروج المذل.

كل الإمكانات المادية والمعنوية تم توفيرها من قبل الدولة الليبية التي سخرت جميع الوسائل من أجل هذه المباراة المصيرية وكانت هاجس الشارع الليبي بكل معاني هذه الكلمة حتى من الفرق الفنية واللاعبين القدامى كانت حاضرة هناك، ومن بينها الفنان علي الهنشيري صاحب أغنية «كفتوا وافتوا والراية علتوا يا فرسان بلادي» الذي كان يستعد من أرض ملعب «الطيب المهيري» في تقديم وصلات غنائية عقب الفوز بالزي الوطني الليبي.

لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، وخسر المنتخب وخذل الجميع ورجعت الجموع بالحسرة والألم، فيجب على الدولة الليبية التدخل والتحقيق في هذا الإخفاق وأن تكون الرياضة مشروع دولة حتى نرتقي من خلال وضع الرجل المناسب في المكان المناسب ووضع استراتيجيات للنهوض بكرة القدم الليبية والعمل على رفع الحظر عن الملاعب، أسوة بملاعب الدول الأخرى وتحتاج كرة القدم الليبية إلى تخطيط وإدارة وعمل كبير وجلب مدارس متخصصة ومدربين على مستوى عال لجميع المنتخبات الليبية، ودوري منظم وتقليص عدد الفرق والاهتمام بالبنى التحتية واختيار الخبرات الرياضية المحترفة والاستفادة من الاتفاقات الموقعة مع الاتحادين الإيطالي واسباني في جلب إحدى المدارس المتقدمة، والاستفادة من هذه الاتفاقات للنهوض بالرياضة الليبية ليس في كرة القدم فحسب، بل في جميع الألعاب الأخرى، خصوصا بعد أن وصل الجميع إلى المربع «صفر»، لتبدأ المحاولات من جديد.

للاطلاع على العدد 176 من جريدة «الوسط» اضغط هنا