أزمة ثقة بين ضفتي الأطلسي حول اتفاقية التبادل التجاري الحر

تلوح بوادر جدية لأزمة ثقة إضافية بين ضفتي الأطلسي بعد أن تم الكشف عن وثائق مسربة تظهر ضغوطات أميركية على أوروبا في مفاوضات «الشراكة عبر الأطلسي»، أو اتفاقية التبادل الحر (تافتا، أو تي تي أي بي).
وفيما تلتزم الدوائر الأوروبية في بروكسل صمتا نسبيا يعكس حالة إحراج عامة لدى الهيئات الأوروبية المسؤولة، فإن وسائل الإعلام الأوروبية تولي أصداء واسعة بعد أن أعلنت منظمة «جرين بيس» (السلام الأخضر) أن بحوزتها وثائق تؤكد أن واشنطن مارست ضغوطات قوية على الاتحاد الأوروبي خلال مفاوضات اتفاقية التجارة المشتركة، وذلك لتخفيف إجراءات حماية البيئة والمستهلك.

كما تشير المعلومات التي تقول منظمة جرين بيس إنها تمتلكها إلى أن الولايات المتحدة ترفض تقديم تنازلات جوهرية للأوروبيين في مسائل حيوية، وأهمها فتح الأسواق العامة الأميركية أمام الاستثمارات الأوروبية ووضع آلية للتحكيم عند ظهور خلافات بين الطرفين. وتمثل هذه العناصر نقاطًا جوهرية للمصالح الأوروبية.

ورفضت المفوضية الأوروبية في بروكسل طوال الأشهر الأخيرة الكشف عن محتوى المفاوضات الجارية. وجرت آخر جولة بين الطرفين الجمعة 29 أبريل دون تسجيل خروقات حاسمة، وهي الجولة الـ13. فيما تنطلق الجولة المقبلة في شهر يوليو من هذا العام.

وثائق «جرين بيس» تؤكد أن الاتفاق الأميركي الأوروبي يمثل تهديدات للصحة والبيئة والمناخ

وقال الرئيس الأميركي باراك أوباما في هانوفر بألمانيا الأسبوع الماضي إنه يأمل بلورة صفقة مع الأوروبيين قبل نهاية ولايته مطلع العام المقبل، وهو أمر مستبعد. ووفقًا لمنظمة جرين بيس، فإن ما حصلت عليه من وثائق «تؤكد وجود تهديدات للصحة والبيئة والمناخ».

وقال مدير الوحدة الأوروبية لجرين بيس، جورجو ريس، في بيان إن هذه الوثائق «تؤكد ما كنا نعرفه منذ فترة طويلة، وهو أن هذه المعاهدة تضع مصالح الشركات الكبرى في قلب عملية القرار السياسي والتشريعي على حساب الرهانات البيئية أو المتعلقة بالصحة العامة».

وبناء على الوثائق، تقول جرين بيس إن نص الاتفاق يتضمن إلغاء قاعدة تتيح للأمم «تنظيم التجارة» من أجل «حماية حياة البشر وصحتهم وكذلك الحيوانات والنبات». ولن تعود التجارة بذلك خاضعة لأهداف خفض انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون كما هو منصوص عليه في اتفاقية المناخ التي تم توقيعها في نوفمبر في باريس، كما أهمل «مبدأ الوقاية». وكان هذا المبدأ يتيح منع توزيع أو سحب منتجات من السوق قد تكون خطرة حتى إن كانت المعطيات العلمية لا تتيح تقييما كاملا للخطر.

وكشفت الوثائق أيضا عن ضغط مارسته واشنطن لتخفيف القيود المفروضة على صادرات السيارات الأوروبية إذا لم توافق أوروبا على السماح ببيع المزيد من المنتجات الزراعية الأميركية، بما فيها المعدلة وراثيا أو التي تحتوي على هرمونات لا يقبلها السوق الأوروبي، وهو ما يمثل جانبا هاما من المبادلات التجارية في القطاع الزراعي.

الاتفاق الأوروبي الأميركي يحد من قدرة الأوروبيين على اتخاذ تدابير وقائية ويلقى مقاومة متنامية من المجتمع المدني

وأكدت منظمة «جرين بيس» أن الاتفاق يحد من قدرة الأوروبيين على اتخاذ تدابير وقائية، وأشارت إلى أن شركات كبرى تدخلت بشكل كبير في صياغة الاتفاق، منوهة إلى أنها توصلت إلى ذلك بعد مراجعة الوثائق.
ومنذ منتصف 2013 يحاول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة التوصل إلى اتفاق يلغي الحواجز التجارية والإجرائية، لكن الاتفاق يلقى مقاومة متنامية من المجتمع المدني ولدى القيادات السياسية.

وقال مفاوضون من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يوم الجمعة، بعد محادثات في نيويورك، إنهم يأملون في التوصل إلى اتفاقية «الشراكة التجارية والاستثمارية عبر الأطلسي» بين الجانبين خلال العام الحالي رغم الصعوبات القائمة مثل المعارضة الشعبية للاتفاقية والانتخابات الأميركية والاستفتاء البريطاني على البقاء في الاتحاد الأوروبي. وتواجه اتفاقية «الشراكة التجارية» معارضة شعبية قوية في كل من أوروبا والولايات المتحدة، حيث أصبح الحديث المناوئ لاتفاقيات التجارة الحرة يحتل مساحة كبيرة بين مرشحي الحزبين الجمهوري والديمقراطي في الانتخابات التمهيدية لانتخابات الرئاسة الأميركية المقررة في نوفمبر المقبل، وهو ما يدفع بروكسل وواشنطن إلى السعي لإتمام التفاوض قبل رحيل الرئيس أوباما عن البيت الأبيض.

وأكد الرئيس الأميركي باراك أوباما أن التجارة ستكون عنصرًا أساسيًا في جدول أعماله خلال الأشهر المتبقية من حكمه.

الاتحاد الأوروبي لن يوافق على خفض تدابير حماية المستهلك أو المعايير الخاصة بسلامة الغذاء

وجاءت ردة الفعل الأوروبية بعد تسريبات منظمة «جرين بيس» مرفقة بإحراج كبير. وقالت مفوضة شؤون التجارة في الاتحاد الأوروبي، سيسيليا مالمستروم، الاثنين 2 مايو، إن الاتحاد الأوروبي لن يوافق على خفض تدابير حماية المستهلك أو المعايير الخاصة بسلامة الغذاء أو تلك المتعلقة بالبيئة في مفاوضاته بشأن التجارة الحرة مع الولايات المتحدة، مشيرة إلى أن الوثائق المسربة التي نشرت «لا تمثل الاتفاق النهائي».

وكتبت مالمستروم في تعليق نشرته على موقعها على الإنترنت: «لن يخفض أي اتفاق تجاري للاتحاد الأوروبي مطلقا مستوى حماية المستهلكين أو سلامة الغذاء أو حماية البيئة». وأشارت إلى أن الوثائق التي نشرتها منظمة السلام الأخضر «جرين بيس» تعكس الموقف التفاوضي لكل من الجانبين، مضيفة أنه ينبغي ألا يكون اختلاف وجهات النظر أمرا مفاجئا.

وقالت: «ببساطة لن نتفق في المجالات التي يكون هناك فيها اختلاف كبير للغاية بين مواقفنا في أي تفاوض».

أما في واشنطن فقد أوضح الناطق باسم البيت الأبيض، جوش إرنست، بدوره، الاثنين 2 مايو، أن البيت الأبيض «لا يشعر بالقلق» بشأن تسريب تفاصيل «اتفاقية الشراكة التجارية والاستثمارية عبر الأطلسي» ولا يعتقد أنه سوف يكون لها «تأثير مادي» على الاتفاقية.

وتابع: «ينصب تركيزنا على محاولة إكمال هذه المفاوضات قبل نهاية العام». ورفض إرنست التحدث عن صحة الوثائق التي سربتها منظمة «جرين بيس».

الطرفان الأوروبي والأميركي باتا في موقف صعب ودقيق لا يمكنهما من تمرير الاتفاقية في الموعد المحدد

ويرى المراقبون في بروكسل أن الطرفين الأوروبي والأميركي باتا في موقف صعب ودقيق لا يمكنهما من تمرير الاتفاقية في الموعد المحدد، ولكنهما قد يعملان على بلورة «تفاهمات» جانبية لتوحيد العديد من المعايير والضوابط في التعامل التجاري تمكنهما من فرضها على الشركاء الآخرين في العالم، وضمن أية اتفاقية مقبلة مع التجمعات الدولية الكبرى وهو الهدف الفعلي غير المعلن حتى الآن من التنسيق التجاري الأوروبي الأميركي الذي ترعاه الشركات المكبرة والهيئات المالية والهادف للوصول إلى فرض المعايير والنواميس الغربية على الدول الأخرى وخاصة الصين والدول الناشئة الرئيسة.

وستمثل الزراعة والولوج للأسواق العامة مواضيع الجدل الرئيسة والمهمة خلال الفترة القليلة المقبلة وفق الخبراء، إلى جانب إرساء هيئة تحكيم خاصة تضم قضاة مستقلين مكنهم حسم الخلافات بشكل سريع وبعيدا عن تدخل السياسيين.

وللمزيد قم بتحميل العدد الرابع والعشرين من جريدة الوسط، (ملف بصيغة PDF).

المزيد من بوابة الوسط