أسباب غياب أميركا عن فضيحة وثائق بنما

من الصين إلى روسيا مرورًا ببريطانيا وحتى أفريقيا عمت تسريبات «أوراق بنما» أرجاء العالم لتعلن تورط شخصيات مسؤولة، بل وصل الأمر لحكام دول في قضايا ضريبية وتهريب أموال، إلا أن طرفًا أساسيًا في النظام المالي العالمي يبقى حتى الآن غائبًا بصورة لافتة، وهي أميركا اللهم إلا بعض الشخصيات العادية.

فوثائق بنما لم تشر سوى إلى عدد ضئيل من الأميركيين يشتبه بنقلهم قسمًا من أموالهم إلى ملاذات ضريبية وشركات أوفشور، بينهم قطب الموسيقى ديفيد غيفن، غير أن أي شخصية كبرى أميركية سواء من السياسة أو الأعمال أو المصارف لم يتلطخ اسمه في الفضيحة، مما يطرح تساؤلاً مهمًا وهو هل تمثل أميركا نموذجًا للشفافية المالية؟ أم أن هناك طرقًا أخرى يلجأ إليها الأميركيون داخل حدود بلادهم.

في السطور القادمة نطرح الإجابة، مستندين فيها إلى بعض المسؤولين الذين نقلت تصريحاتهم «فرانس برس».

قالت مساعدة مدير الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين الذي نسق التحقيق الصحفي حول مجموعة الوثائق الضخمة، مارينا ووكر غيفارا، إن هناك العديد من الأميركيين لكنهم بمعظمهم أفراد عاديون، وتنفي الاستنتاج القائل بأن الولايات المتحدة تمثل نموذجًا للشفافية المالية، قائلة: «هذا لا يعني أن البلد يبقى خارج نظام الشركات الأوفشور، بل هو لاعب مهم فيه».

«الأميركيون لديهم جنات ضريبية كثيرة يمكنهم التوجه إليها»

وعزت «فرانس برس» أسباب غياب الولايات المتحدة عن وثائق بنما المسربة، لأحد الأسباب، وهو تمنع الأميركيين عن التوجه إلى بلد بعيد ناطق بالإسبانية، بوجود إمكانات أكثر سهولة متاحة لهم، فيما وافقها الرأي نيكولاس شاكسون صاحب كتاب مرجعي بهذا الصدد، قائلاً إن «الأميركيين لديهم جنات ضريبية كثيرة يمكنهم التوجه إليها».

وأضاف أن أول ما يتبادر إلى الذهن عند ذكر هذه الجنات الضريبية جزر كايمان وجزر فيرجن البريطانية، غير أن الأميركيين الحريصين على إبقاء أنشطتهم المالية سرية، ليسوا ملزمين حتى بالخروج من بلادهم، فبعض الولايات مثل ديلاوير وويومينع تسمح لهم لقاء بضع مئات من الدولارات، بإنشاء شركات واجهة، من دون أن يضطروا إلى الإفصاح عن أسماء المستفيدين الحقيقيين منها.

وأشار إلى أن ما يزيد من خطورة هذا الوضع أن المصارف الأميركية، إن كانت ملزمة بـ«معرفة زبائنها»، ففي وسعها تخطي هذه القاعدة وفتح حساب باسم شركات الأوفشور، ما يضمن لمالكيها الحقيقيين تكتمًا تامًا.

عقوبات بالغة الشدة على المتهربين من الضرائب
وأكد أن هناك سببًا آخر يمكن أن يفسر العدد الضئيل للأميركيين الوارد ذكرهم في «أوراق بنما»، فبعد فضائح مدوية طالت مصارف سويسرية، عمدت الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة إلى تعزيز آلياتها لمكافحة التهرب الضريبي والفساد، ولم تعد تتردد في فرض عقوبات بالغة الشدة على المخالفين.

ونتيجة لذلك، قال شاكسون إن «بعض الجنات الضريبية باتت تصاب بالذعر لمجرد فكرة أن يكون لها زبائن أميركيون، لأنها تعرف أن الولايات المتحدة لديها القدرة على إنزال تدابير مؤلمة بها».

واستهدفت الولايات المتحدة بصورة خاصة المصارف السويسرية التي باتت تتمنع عن قبول زبائن أميركيين خشية مخالفة التزاماتها والتعرض لعقوبات فادحة. واضطر مصرفا «يو بي إس» و«كريدي سويس» لتسديد غرامتين بلغتا 780 مليونًا و2.6 مليار دولار على التوالي لتنظيمهما عمليات تهرب ضريبي لحساب عملاء أميركيين.

وبالرغم من هذه التبريرات، فإن ضلوع الأميركيين الضعيف جدًا في «أوراق بنما» أثار فرضيات تعتبر أن وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) تقف خلف الفضيحة سعيًا لزعزعة استقرار بعض الدول، ولاسيما روسيا.

وقالت ووكر غيفارا إن السلطات الروسية ترى الـ سي آي إيه خلف كل من ينتقدها، وهي لا تستبعد أن ترد في نهاية المطاف تسريبات مدوية عن أميركيين ضمن وثائق بنما البالغ عددها 11.5 مليون وثيقة.