ترامب المرشح الجمهوري الذي يثير القلق.. والابتهاج أيضا في أوروبا

بعد فترة من الترقب والحذر في ردود الفعل بدأت الأوساط الأوروبية في بروكسل وبقية العواصم الفاعلة في إبداء مشاعر القلق تجاه التقدم المستمر للمرشح الجمهوري الأميركي، دونالد ترامب، في معركة الرئاسة المحتدمة في الولايات المتحدة.

وسعت الأوساط الأوروبية على مختلف المستويات في مرحلة أولى إلى تجاهل المرشح الذي ينظر إليه على كونه أكثر تطرفا من السياسيين الأميركيين الأخيرين، وبما في ذلك داخل المعسكر الجمهوري المعروف تقليديا بحرصه على الأمن الأوروبي ولكن أيضا بالإبقاء على الروابط الاقتصادية والتجارية الصلبة بين ضفتي الأطلسي.

وفيما لم تتدخل المؤسسات والدول الأوروبية في أية انتخابات أميركية سابقة بدأ بعض المسؤولين في العدول عن هذا التقليد وباتوا يرددون مواقف تحذر من «خطورة» المرشح الجمهوري الذي توحي مختلف المؤشرات أنه سيواجه في المعركة النهائية في نوفمبر المقبل مرشحة الديمقراطيين ووزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون.

وقد ركز دونالد ترامب حملته ضد أوروبا حتى الآن في ملفات محددة وحيوية، وحتى خطيرة، وأهمها انتقاده اللاذع لآلية تعامل أوروبا مع إدارة أزمة العنف والإرهاب وتهجمه المباشر على بروكسل ومؤسساتها بعد هجمات نوفمبر الماضي في باريس ومارس الماضي في العاصمة البلجيكية..

ترامب يلوح بعدم احترام اتفاق التبادل الحر بين ضفتي الأطلسي الجاري التفاوض بشأنه بين بروكسل وواشنطن

كما أنه يلوح علنا بعدم احترام اتفاق التبادل الحر بين ضفتي الأطلسي الجاري التفاوض بشأنه بين بروكسل وواشنطن إضافة إلى إعلانه الصريح أن حلف الناتو «كمؤسسة عسكرية قد عفى عليها الزمن..(...). وفيما تقف هيلاري كلينتون بقوة وعلنا مع أوروبا في المعركة المريرة الجارية مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اعتبر ترامب أخيرا أن «بوتين هو رجل دولة وطني يجب التعامل معه بندية».

وفي موقف يعكس ما يشعر به العديد من المسؤولين في الاتحاد الأوروبي قال رئيس البرلمان الأوروبي، مارتن شولتس، أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي «ليسا مستعدين» لتولى دونالد ترامب الرئاسة الأميركية.

وقال شولتس للصحفيين: «لا أوروبا ولا الولايات المتحدة مستعدتان لرئيس كهذا لا يملك في نظري أي خبرة دولية». وأشار أن «ترامب ينتمى إلى فئة من الناس نعرفهم هنا في أوروبا أيضا، لديهم كبش محرقة لكل شيء لكن ليس لديهم إطلاقا حل عملي»، ملمح بذلك إلى صعود «الشعبوية المتشددة» في الاتحاد الأوروبي.

وتابع شولتس أن قوة الوسائل السياسية أو العسكرية التي ستكون «بين يديه» ستؤمن له «خيارات حقيقية لقرارات بالغة الخطورة..». وأضاف: «أنا شخصيا وبصدق أفضل مرشحة أخرى»، معبرا بذلك عن دعمه لهيلاري كلينتون المرشحة الأوفر حظا للانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي .

تثير المخاوف من وصول ترامب للحكم في واشنطن قلق حلف الناتو الذي قد يتم تقليص نفقاته مستقبلا حال فوزه

ويمثل هذا الاحتمال هاجس الدول الشرقية التي استفادت كثيرا من مظلة الناتو في تعاملها مع روسيا منذ العام 2004. ويرى الخبراء أن «الانتقال الجيوسياسي التاريخي بدول شرق أوروبا»، سيتعرض للتهديد في حال فوز ترامب، كما سيعرض ذلك أمن بعض الدول في المنطقة لخطر التهديد الروسي.

وكان ترامب استفز الدول الشرقية بإعلانه الشهر الماضي أن حلف ناتو قد عفى عليه الزمن، وهو تصريح أثار بشكل أكيد خوف أعضاء كبار في حلف ناتو مثل ألمانيا وفرنسا، و خوفا أكبر وقلقا أوسع وسط أكثر من عشر دول في شرق أوروبا، بعضها ليست أعضاء بالحلف.

ويقول المحللون الأوروبيون إن ترامب ومؤيديه لا يأبهون بفقدان الدول الشرقية لصالح روسيا، وأن خطاب ترامب قد عزز موقف القوى الموالية لروسيا في هذه الدول، إذ تقول هذه القوى حاليا إنه يجب التخلي عن الرغبة في الحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي أو حلف الناتو لأن مستقبل الكيانين ليس مضمونا.

أوباما يسعي لاحتواء المخاوف الأوربية
وفي سعي واضح لاحتواء المخاوف الأوربية قال الرئيس الأميركي أوباما يوم الأثنين 4 أبريل في واشنطن بعد محدثات له مع الأمين العام للناتو ينس ستولتبيرغ، وفي إشارة مباشرة لموقف ترامب إن «منظمة حلف شمال الأطلسي يجب أن تستمر في لعب دور محوري، وهي حجر الزاوية في السياسة الأمنية الأميركية،». كما جدد أوباما التزام واشنطن بتكريس مبلغ الرئيس 3.4 مليار دولار في الموازنة لوضع لواء من الجيش الأميركي إضافي في أوروبا الشرقية، وقال إنها الخطوة التي تسمح للناتو «بالوقوف إلى جانب حلفائنا في شرق أوروبا».

وأكد ستولتنبيرغ من جهته استمرار الحاجة إلى شراكة قوية. وقال إنه «من المهم وأكثر من أي وقت مضى أن نكون قادرين على التكيف مع ظروف أكثر خطورة»... ولكن ومقابل مخاوف بعض الأطراف الأوربية يحظى ترامب بتأييد القوى المتطرفة في أوروبا بشكل علني.

وأعلن نائب رئيس الجبهة الوطنية الفرنسية فلوريان فليبو أن «ترامب يقدم وجها حسنا على الجانب الجمهوري، وهذا يدل على أنه حتى في أميركا باتت المؤسسة القائمة أمام تحديات».

وفيما أفصح ترامب عن تأييده خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي رسميا فإنه وفي حال نجاحه ودخوله فعلا البيت الأبيض في 2017، فإن المسؤولين الأوروبيين يخشون أن يزيد ذلك في تعزيز موقف الشعبويين الأوروبيين.

ويتوقع بذلك أن يفاقم المد الشعبوي الثقافة السياسية السائدة في القارة. وقد يؤدي ذلك إلى تفكك التنوع السياسي الذي طبع في العقود الأخيرة أوروبا.

و طرح معهد «يوجوف» في لندن يوم الأثنين 4ابريل 2016 استطلاع للأوروبيين حول موقفهم من ترامب وكلينتون حيث حصلت المرشحة الديمقراطية كلينتون على النسبة الأكبر وبأغلبية ساحقة من بين جميع مرشحي الحزبين.

وخلال الاستطلاع حصلت فيه كلينتون على 46% من أصوات الذين شملهم الاستطلاع، فيما حصل المرشح الجمهوري دونالد ترامب على نسبة 6% فقط. وهذا الاستطلاع يوضح مدى المخاوف التي تساور الأوروبيين من تولي ترامب لرئاسة البلاد، حيث طرح معهد يوجوف «تساؤلا عما هو شعورك إذا وصل ترامب لسدة الحكم، فأجاب 46% من المصوتين بالخوف، و40% بخيبة الأمل، و27% بالحزن والغضب.

أكثر من 40% يعتبرون وصول هيلاري كلينتون لسدة الحكم بمثابة إنقاذ للعالم

من جانب آخر اعتبر أكثر من 40% أن وصول هيلاري كلينتون لسدة الحكم في الولايات المتحدة بمثابة إنقاذ للعالم ومصدر تفاؤل.

وكشفت النتائج أيضا أن 43% ممن شملهم الاستطلاع قالوا إن كلينتون ستكون رئيسا جيدا، و30% أنها ستكون متوسطة، و 9% أنها ستكون سيئة. ولكن مع ذلك فإن هذه النسب أفضل من ترامب الذي قال 71% إنه سيكون سيئا.

ويعترف غالبية الخبراء الأوربيين حاليا أنهم لا يعرفون شيئا ملموسا عن السياسة الحقيقية لترامب. ولا يوجد لديهم أي تصور عن التشكيلة الحكومية بزعامته وهو الذي يكرر إلى الآن مجرد عدد من الشروط والمطالب.

ولا تعرف بالفعل حقيقة مواقفه في شؤون نفقات الدفاع ولا بشأن الأزمة السورية ولا بشأن العلاقات مع الصين وهي أمور ستكون لها انعكاسات كبيرة على أوروبا.

ولكن كراهية ترامب للأجانب وللمسلمين تبدو واضحة وهي قنبلة موقوته للأوروبيين أنفسهم لأنها تركز على تحفيز عامل الخوف في وقت وصلت فيه سياسات اندماج المجتمعات الأوروبية إلى طرق مسدودة، وفي وقت تتعرض فيه هذه المجتمعات لضغوط أزمة اللاجئين وأزمة الإرهاب في نفس الوقت وإلى وقع الأزمة الاقتصادية والاجتماعية.

نقلا عن العدد العشرين من جريدة الوسط.

المزيد من بوابة الوسط