«طبخة سياسية» لتجهيز «رجل الظل» في الجزائر

مشروع «توريث» الحكم في الجزائر هل هو من أوهام المعارضة أم حلم يراود صناع القرار الفعليين؟ تساؤل محير تلقفه الرأي العام الوطني منذ طالبت زعيمة حزب يساري شقيق الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة «التكلم» وإنهاء حالة الضبابية السياسية الطاغية مع اقتراب ذكرى تقلده منصب الرئاسة لعهد رابعة، أبريل 2014.

ويستعيد سياسيون سيناريو مشروع التوريث حين أسقطته ثورات «الربيع العربي» 2011 بمظاهرات عمت أنحاء البلاد في يناير من العام ذاته، لكن اعتبرت دعوة الأمينة العامة لحزب العمال (يساري)، لويزة حنون، شقيق الرئيس بوتفليقة إلى التدخل يعني الدعوة إلى التوريث حسبهم.

حزب العمال طالب شقيق بوتفليقة «التدخل لوقف الانحرافات القائمة في الدولة وسياسة النهب الممنهجة الخطيرة الحاصلة».

وكانت الأمينة العامة لحزب العمال المعارض، في مؤتمر صحفي عقدته الجمعة الماضي، وجهت دعوة إلى سعيد، وهو الشقيق الأصغر للرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة، تطلب منه «التدخل لوقف الانحرافات القائمة في الدولة وسياسة النهب الممنهجة الخطيرة الحاصلة».

وقالت حنون: «لأن الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة غير قادر على ممارسة بعض المهام التي أوكلها إلى شقيقه سعيد، فعلى الأخير أن يتكلم». وتقصد حنون أيضًا من تصريحاتها النارية رجل أعمال أصبح الآمر الناهي في الحكومة الجزائرية لقربه من يوصف بـ«رجل الظل» شقيق الرئيس.

ووجدت المعارضة في مثل تصريحات حنون، التي تعتبر واحدة من أكثر المقربين من دوائر السلطة الضيقة، «دعمًا» لمواقفها المتمسكة بثبوت «عجز الرئيس عن أداء مهامه الدستورية»؛ مما يحتم ضرورة تفعيل البند 88 من الدستور لإعلان شغور منصب الرئيس بسبب العجز الصحي، كما تعد الإشارة لشقيق الرئيس في تسيير الملفات الكبرى من اختصاص هذا الأخير «خرقًا للدستور».

جر الشقيق إلى الواجهة
ولم يستبعد مراقبون أن صراع الأجنحة في أعلى هرم السلطة يحاول جر شقيق سعيد بوتفليقة إلى الواجهة، في خطة ترمي لإعادة ترتيب أوراق النزلاء الجدد لبيت السلطة. وما يدعم مثل هذا الطرح الكشف عن استعداد حلفاء الرئيس الجزائري تأسيس قطبًا سياسيًا يسمى اختصارًا «فخر» يستوعب نحو 20 حزبًا مجهريًا، ورجال الأعمال ونحو 30 وزيرًا حاليًا، والمفاجأة أنّ الحزب سيقوده رجل أعمال رئيس منتدى أرباب العمل علي حداد، والمعروف بقربه من دوائر القرار.

وحسب التسريبات فإن الإعلان الرسمي عن ميلاد «فخر» سوف يتزامن مع انقضاء السنة الأولى من تولي بوتفليقة عهدة رئاسية رابعة في أبريل 2014. ويشبه الدفع بتشكيلة حزبية جديدة، تأسيس حزب التجمع الوطني الديمقراطي العام 97، الذي خرج من رحم «إفلان» الحزب الحاكم في الجزائر الذي رُسمت على أساسه خريطة سياسية للمرحلة المقبلة.

المعارضة طالبت بضرورة تفعيل البند 88 من الدستور لإعلان شغور منصب الرئيس بسبب العجز الصحي

وبرأي العارفين، فإن الطبخة السياسية جاهزة وتؤكد انطلاق العد التنازلي لانتخابات رئاسية مسبقة عبر الزجّ بالحزب الوليد لترتيبات تعيد صياغة الأفق المقبل للجزائر، ولاسيما مع اقتراب تعديل الدستور. وتطالب أحزاب المعارضة في الجزائر بتنظيم انتخابات رئاسية مبكرة؛ بسبب ما تراه «عجز الرئيس بوتفليقة عن أداء مهامه الدستورية»، لكن هذه الدعوة لقيت حملة «إدانة» شرسة من قبل أحزاب الموالاة، التي اعتبرتها «دعوة إلى الفوضى والخراب»، مثلما علق الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني الحاكم في الجزائر، عمار سعداني، في مؤتمر صحفي عقده نهاية شهر فبراير الماضي.

مجرد حكايات
وينفي محيط الرئيس ما يتردد حول مشروع إعداد شقيق الرئيس الأصغر، سعيد بوتفليقة، لخلافة رئيس الجمهورية، وقال سعداني إنها «مجرد حكايات». ويشير معارضون بشكل مباشر إلى أطراف مقربة تصرفت في رسالته الأخيرة مضمون، في إشارة إلى شقيقه، والتي قال فيها إن أطرافًا داخلية تعتمد «سياسة الأرض المحروقة» للوصول إلى الحكم «ولو كان ذلك على أنقاض الدولة وأشلاء الشعب»، وذلك في هجوم غير مسبوق على أطراف معارضة تدعو إلى انتخابات مبكرة بدعوى عجزه الصحي.

وشكك زعيم حزب طلائع الحريات (قيد التأسيس)، علي بن فليس، والمرشح الخاسر في الرئاسيات التي أقيمت العام الماضي، في أن يكون الرئيس بوتفليقة هو صاحب الرسالة التي تضمنت تهديدات غير مسبوقة للمعارضة، مشيرًا إلى أن «شغور السلطة يجعل من الصعب معرفة من يقول ماذا للمسؤول الأول للبلاد». واتهم بن فليس «الدوائر الغامضة التي تأسست بفعل هذا الشغور بأنها المصمم الحقيقي والمحرض الفعلي لهذه الهجمات السياسية ضد المعارضة الوطنية».

بن فليس شكك في أن يكون الرئيس بوتفليقة هو صاحب الرسالة التي تضمنت تهديدات غير مسبوقة للمعارضة

ودعا بوتفليقة المخالفين له في التصور السياسي لتدبير شؤون البلاد إلى الحوار، مشترطًا «عدم المساس بما هو قائم بمقتضى الدستور ومكرس بالإرادة الشعبية الصريحة». وقال الطاهر بن بعيبش، رئيس حزب الفجر الجديد، لـ«بوابة الوسط» الفاعل ضمن قطب قوى التغيير المعارض إنّ التهديدات كان يجب أن توجه ضد من ينهبون اقتصاد البلاد، معتبرًا تحرك «المعارضة في الإطار القانوني»، لكنه في المقابل شكك في هوية من كتب الرسالة ومن يتحمل المسؤولية هو باعتباره القاضي الأول.

من جهته، قال عبدالله جاب الله زعيم جبهة العدالة والتنمية لـ«بوابة الوسط» أن «تهديدات الرئيس لا تعنيهم ولا تغير شيئًا من مواقفهم، لأنها تثبت حرصه البقاء على كرسي الحكم بعد أن اشتد عود المعارضة». والجزائر تمر بمرحلة هي الأكثر حساسية في تاريخها، بحسب المراقبين، فزيادة عن استمرار مظاهرات سكان الجنوب الجزائري ضد استغلال مشروع الغاز الصخري، يتهدد البلاد هشاشة على الصعيد الاجتماعي، بسبب تراجع أسعار النفط، في الوقت الذي تسود اضطرابات عبر الحدود مع تونس ومالي وليبيا والنيجر دفعت بها إلى المزيد من الإنفاق العسكري.