تهديد «داعش» في إسبانيا خطر حقيقي ولو أنه خفي

المتهمون، من اليسار، شملال، وأوكبير، وبن عزة، يمثلون في المحكمة الإسبانية، 10 نوفمبر 2020. (أ ف ب)

إن كانت آخر الاعتداءات في أوروبا ضربت فرنسا والنمسا، فإن إسبانيا تبقى على غرار باقي القارة هدفا لتنظيم «داعش»، وتحذر السلطات والخبراء على السواء من أن الخطر «حاد»، وطرحت المسألة مجددا مع بدء محاكمة المتهمين في الاعتداءات الإرهابية التي وقعت في أغسطس 2017 في كتالونيا وأسفرت عن مقتل 16 شخصا في برشلونة ومدينة كامبريلس المجاورة، وفقًا لوكالة «فرانس برس».

وانطلقت المحاكمة الشهر الماضي، ومن المتوقع أن تستمر حتى 16 ديسمبر الجاري، كما شهدت الأسابيع الأخيرة عدة اعتقالات، آخرها اعتقال إمام مغربي تتهمه الشرطة بأنه قدم في 2018 «دعما لوجستيا» لمقاتل من تنظيم «داعش» في سورية لتمكينه من الانتقال للإقامة في إسبانيا، وتسود إسبانيا منذ 2015 حالة إنذار من خطر إرهابي من الدرجة الرابعة على سلم من خمس درجات، مما يعني خطرا مرتفعا بوقوع اعتداء.

وقال وزير الدولة الإسباني لشؤون الأمن، رافايل بيريز رويز، أخيرا خلال ندوة نظمها مركز الدراسات «ريال إينستيتوتو إلكانو»: «إن الحركات المتطرفة تشكل الخطر الإرهابي الرئيسي على بلادنا والأسرة الدولية بمجملها».

«داعش» يشكل خطرا حادا
وأوصى في مواجهة هذا الخطر بالتحرك على جبهتين، الأولى في إسبانيا والثانية في منطقة الساحل وتحديدا في مالي التي باتت «بؤرة الخطر الإرهابي، والتي تقوم مدريد فيها بمهمة تدريب عسكريين كما تقدم دعما دبلوماسيا وتشارك في التنمية الاقتصادية».

وإن كان الجميع يشعر بأن الخطر تراجع، ولا سيما مع القضاء على دولة «الخلافة» التي أقامها تنظيم «داعش» في مناطق سيطر عليها في العراق وسورية، إلا أن مانويل توريس أستاذ العلوم السياسية في جامعة بابلو دي أولافيدي في إشبيلية حذر بأن «الخطر بمستوى حاد».

وأوضح الخبير أن الوضع يتطلب «تحركا مكثفا في مكافحة الإرهاب» في إسبانيا حيث جرى اعتقال ثلاثين شخصا العام 2020 لجرائم تتعلق بالإرهاب، وفق أرقام وزارة الداخلية، ومن بين الموقوفين شخصان كانا يحولان أموالا لتنظيم «داعش» في سورية، وشابة إسبانية اعتنقت فجأة التطرف وأرسلت نحو خمسة آلاف يورو للتنظيم، وكانت تخطط، حين تم اعتقالها، للذهاب إلى سورية والزواج من مقاتل التقته على شبكات التواصل.

وأوضح توريس أن «الدوافع للانتقال إلى تنفيذ عمل عنيف، هي ذاتها كما قبل خمس أو عشر سنوات وهي الاستهلاك المتواصل للدعاية والعلاقات الشخصية في الأوساط الجهادية».

وتقع هذه العلاقات الشخصية في جوهر محاكمة المتهمين في إطار اعتداءات كتالونيا، إذ كانت الخلية المؤلفة من شبان مغاربة مقيمين في إسبانيا تضم أربعة أزواج إخوة اعتنقوا التطرف على أيدي إمام مسجد.

ولم تسمح المحاكمة حتى الآن بالرد على كل هذه الأسئلة، إذ يُلزَمُ المتهمون الثلاثة بمساعدة منفذي الاعتداءات الذين قضوا جميعا، الصمت بصورة عامة، وبين تصريحاتهم النادرة والنهج الذي اختاره القاضي إذ قرر الابتعاد عن الأسئلة حول آلية الانتقال إلى التطرف، فإن «هذه المحاكمة تثير الكثير من الإحباط» برأي الصحفية آنا تيكسيدور التي أجرت تحقيقا واسعا حول الاعتداءات بعنوان «مساحات الصمت في 17-آ» نسبة إلى تاريخ الاعتداءات في 17 أغسطس، وجرى اعتقال نحو 870 شخصا في إسبانيا بحسب الأرقام الرسمية، منذ اعتداءات 11 مارس 2004 التي نفذها تنظيم «القاعدة» في مدريد وكانت الأعنف في أوروبا، إذ أوقعت 191 قتيلا.

وأوضح رومان إيتشانيز من المرصد الدولي للدراسات حول الإرهاب أن «العدد المرتفع من الأشخاص المتطرفين ومثيري الاضطرابات والمجنِّدين والأشخاص الذين أطلقوا بعد قضاء عقوبتهم يجعل من المستحيل تتبّعهم بشكل مفيد» ويتطلب تقييما أفضل للمخاطر.

وتطبق إسبانيا منذ 2004 برنامجا لتتبع المتطرفين الذين دخلوا السجن والبالغ عددهم حاليا 119، بمن فيهم الموقوفون رهن التحقيق، ويتثبت البرنامج من عدم قيام مجرمي الحق العام بتلقين الأفكار المتطرفة لسواهم وعدم خضوع موقوفين لأنشطة تجنيد. وفي هذا السياق، جرى تفكيك شبكة تجنيد تضم 25 معتقلا في 2018، كما تطبق إسبانيا منذ 2016 برامج طوعية لاجتثاث التطرف في السجون، لكن فاعليتها تبقى محدودة لأنه «من الصعب للغاية أن يقروا بالجريمة» التي عوقبوا عليها، إذ إنهم نفذوها بـ«دافع عقيدتهم»، على ما أوضح مصدر في إدارة السجون لوكالة «فرانس برس».

المزيد من بوابة الوسط