الشريك ترامب أم ظلُّ أوباما؟.. الخليج يحبس أنفاسه قبل الانتخابات الأميركية

الرئيس الأميركي ترامب يؤدي رقصة تقليدية مع العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز خلال زيارة للرياض، 20 مايو 2017. (أ ف ب)

خلال زيارته الأولى إلى السعودية قبل أكثر من ثلاث سنوات، رقص الرئيس الأميركي دونالد ترامب، على أنغام الموسيقى التقليدية وبيده سيف فضي، ودشّن مسار تغيير سياسي جوهري في المنطقة عبر إرساء تحالف قوي بين إدارته ودول خليجية في مواجهة إيران.

قبل أسابيع من الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة، يقدّم قادة في المنطقة الدعم لشريكهم في واشنطن الساعي للفوز بولاية ثانية، يُتوقع أن تواصل حرق الجسور مع إيران، ومن تجليات هذا الدعم توفير موطئ قدم غير مسبوق لـ«إسرائيل» في الخليج الثري.

وتتناقض علاقات ترامب الوثيقة مع دول الخليج مع العلاقة الفاترة التي ربطت هذه الدول الغنية بالنفط بسلفه باراك أوباما، الذي أثار بإبرامه الاتفاق مع إيران حول ملفها النووي مخاوف السعودية وجيرانها، وفق وكالة «فرانس برس».

وحسب الباحثة في «معهد الشرق الأوسط» في واشنطن، راندا سليم، فإن إدارة ترامب جعلت العلاقة بين الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي «تتمحور حول الأشخاص بشكل أكبر (...) وبدرجة أقل حول المؤسسات».

ومع تخلّف ترامب في استطلاعات الرأي خلف جو بايدن، الذي شغل منصب نائب الرئيس في إدارة أوباما، قد تكون المنطقة مرة أخرى على أعتاب تغييرات جديدة، خصوصا أنه من المرجح أن يعيد بايدن في حال فوزه، اعتماد مواقف أكثر تقليدية بشأن حقوق الإنسان، التي تتعرض لانتهاكات عدة في عدد من دول الخليج، حسب منظمات غير حكومية، وصفقات الأسلحة.

ويقول مسؤول خليجي لوكالة «فرانس برس» طالبا عدم الكشف عن هويته إن «الزيارة التاريخية في مايو 2017 كانت بداية لعلاقة استثنائية مع رئيس أميركي.. لقد فتحت أبوابا كثيرة».

ويضيف: «صناع القرار هنا يريدون منطقيا أن تظل تلك الأبواب مفتوحة، لكنهم ليسوا مغمضي الأعين.. هم يستعدون للسيناريو الآخر».

استقبال حار
في أول رحلة خارجية له رئيسا للولايات المتحدة في مايو 2017، حظي ترامب باستقبال حار في السعودية، حيث تقلّد ميدالية ذهبية وخاطب زعماء مسلمين، مطلقا العنان لمواجهة مع إيران ومتجنبا موضوع حقوق الإنسان في المملكة.

وفي السنوات التي تلت، ولَّدت إستراتيجيته الاندفاعية وغير التقليدية سلسلة من الأحداث المتسارعة التي أعادت رسم المشهد الإقليمي، كما أنها جعلت الإيرانيين أكثر تشددا، إذ رسخت لديهم قناعة بأن «المفاوضات مع جيرانهم في دول مجلس التعاون الخليجي تعمل على إضعاف إيران وليس تقويتها»، حسب سليم.

فقد انسحب ترامب من الاتفاق النووي المبرم العام 2015 مع إيران، وأمر باغتيال الجنرال الإيراني النافذ قاسم سليماني، ونقل السفارة الأميركية إلى القدس، وقلّص دور بلاده العسكري ووجودها في منطقة يعتقد أنها فقدت إستراتيجيتها التاريخية.

ووجدت هذه السياسات صدى جيدا بشكل عام في الخليج، رغم عدم اتخاذ ترامب إجراءات حاسمة بشأن أحداث كبرى، بينها الهجمات ضد «أرامكو» في 2019 التي ألقي باللوم فيها على إيران.

وفي كلمة خلال مؤتمر عبر الفيديو، الثلاثاء، لإطلاق حوار إستراتيجي أميركي إماراتي، قال وزير الخارجية، مايك بومبيو، لنظيره الإماراتي الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان: «خلال إدارة ولاية ترامب، نمت العلاقة بين الولايات المتحدة والإمارات بشكل أعمق وأوسع من أي وقت مضى».

وتابع: «تعطي إدارة ترامب الأولوية لهذه العلاقة بشكل كبير»، مضيفا: «نقف معا على الساحة الدولية لمواجهة أكبر قوة تدميرية في الشرق الأوسط، النظام الإيراني، وأود أن أشكر دولة الإمارات على دعمها حملة الضغوط القصوى».

وترى كبيرة محللي الخليج في معهد «مجموعة الأزمات الدولية» إلهام فخرو، أن «السعودية والإمارات تشتركان في تصوّر أن إدارة أوباما تخلّت عن حلفائها التقليديين في الخليج».

وتضيف: «لقد حسّنت السعودية علاقاتها مع إدارة ترامب بشكل كبير، ويرجع ذلك جزئيا إلى قرار واشنطن فرض ضغوط قصوى» على إيران وقطاعها النفطي.

ومع اقتراب موعد الانتخابات في نوفمبر المقبل، حقّق ترامب انتصارا خارجيا كبيرا من خلال رعايته اتفاق تطبيع علاقات بين الإمارات وإسرائيل، كما وقّعت مملكة البحرين المتأثرة بالسياسات السعودية، اتفاقا مماثلا لتطبيع العلاقات.

ورأى محلّلون أن توقيت الاتفاقين دون مباركة الفلسطينيين محاولة لتزويد ترامب بنصر ثمين في السياسة الخارجية قبل الانتخابات، رغم محدودية تأثير ذلك على العملية الانتخابية بحد ذاتها.

رقصة صعبة
وتقول فخرو إنه مع تقدّم بايدن في استطلاعات الرأي تشعر الإمارات والسعودية بالقلق من إمكانية «العودة عن العقوبات المفروضة على إيران» في ظل إدارة ديمقراطية.

كما أنّ ترامب «أكثر استعدادا لضمان أن تمضي مبيعات الأسلحة إلى هذه الدول قدما وبسرعة»، حسب الخبيرة، ويستبعد أن تبذل إدارة بايدن مثل هذه الجهود لإيصال الأسلحة إلى دول الخليج.

وتظهر أرقام معهد «ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام»، أن مبيعات الأسلحة الأميركية إلى السعودية بين 2017 و2019 كانت ثاني أعلى مبيعات لإدارة واحدة بعد بيل كلينتون بين عامي 1993 و2000، ما يشير إلى أن ولاية ترامب الأولى قد تحقّق مبيعات قياسية مع احتساب مبيعات 2020.

إلى جانب ذلك، عارض البيت الأبيض القرارات المناهضة للسعودية في الكونغرس على خلفية حربها المثيرة للجدل في اليمن، وجريمة قتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي في 2018.

وروى الصحفي الشهير بوب وودورد في كتابه «غضب»، أن ترامب قال له في مقابلة ردا على سؤال عن علاقة ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، الذي تولى منصبه بعد أسابيع قليلة من زيارة ترامب للمملكة، بقتل خاشقجي في قنصلية بلاده في إسطنبول: «لقد أنقذته».

ومع ذلك، تستعد منطقة الخليج خصوصا السعودية، لاحتمال العودة إلى التعامل مع إدارة ديمقراطية.

وتقول راندا سليم: «طالما أن محمد بن سلمان هو ولي العهد، وإذا كان سيتولى العرش في السنوات الأربع المقبلة، فإن العلاقات الأميركية السعودية ستدخل في أحسن الأحوال في حالة جمود عميق، وستستمر في المعاناة من عواقب مقتل جمال خاشقجي».

وستحاول إدارة بايدن على الأرجح، جرّ إيران مجددا إلى طاولة المفاوضات.

ويرى الخبير في شؤون الشرق الأوسط جيمس دورسي، أن «الأمر سيكون صعبا بالنسبة إلى السعوديين، لكن في نهاية المطاف سيكون عليهم التعايش معه»، مضيفا: «ستكون رقصة صعبة».

المزيد من بوابة الوسط