«جثث في المراحيض».. شهادة ممرض عن كابوس العمل في زمن «كورونا»

عرض توابيت للبيع امام مستشفى في مدينة غواياكيل في 25 إبريل 2020 . (فرانس برس)

تتكدس جثامين ضحايا كوفيد-19 في أحد مستشفيات غواياكيل، كبرى مدن الإكوادور، حتى في الحمامات، بعدما نقلها الممرضون بأنفسهم إلى هناك لأن «عدد موظفي المشرحة لم يعد يكفي»، كما كشف أحد مقدمي الرعاية الصحية.

واستعاد الرجل، الذي فضل عدم الكشف عن هويته في اتصال هاتفي مع وكالة «فرانس برس»، ذكرى هذا «الكابوس» الذي واجهه مع انهيار النظام الصحي في هذه المدينة الساحلية الواقعة على المحيط الهادئ، وأبرز بؤر الوباء في أميركا اللاتينية. وأثرت تجربته «الصادمة» بعمق في حياته الخاصة والمهنية.

ولفت إلى أنه عند إعلان حال الطوارئ في مارس، ارتفع عدد المرضى بعهدة كل ممرض من 15 إلى 30 مريضا وذلك خلال فترة مناوبة من 24 ساعة. ويتألم لأن «الكثير من الأشخاص توفوا بين أيدينا فيما كنا نحقنهم بإبرة الوريد». ويشير إلى أنهم اضطروا إلى «تخريج أو نقل مرضى من أجل إخلاء الأسرة. لدينا 65 وحدة للعناية المركزة ويشغلها مرضى وباء كوفيد-19».

ويضيف أن «الأشخاص وحيدون وحزانى. يسبب الدواء لهم اضطراباً في الجهاز الهضمي، وبعضهم يتغوط في ثيابه. إنهم يشعرون بالحرج ويعتقدون أنهم لن يتعافوا، وينظرون إلى الشخص المجاور وهو يختنق ويصرخ طلبا للأوكسجين».

مشارح مكتظة
ويقول الممرض البالغ من العمر 35 عاماً إن عدد الوفيات ارتفع بين ليلة وضحاها و«لم يعد عدد العاملين في المشرحة يكفي فاضطررنا عدة مرات إلى نقل الجثث وتكديسها في المرحاض». وأشار الممرض الذي يعمل منذ ثلاث سنوات في هذا المستشفى، إلى أن زملاءه «اضطروا إلى كبح حاجتهم» في الذهاب إلى المرحاض لامتلائه بـ«الجثث»، مضيفاً «يتم إخراج (الجثث) عندما يصبح عددها ستا أو سبعا».

وسجلت الإكوادور حوالي 23 ألف إصابة، بينها 600 وفاة منذ 29 فبراير، معظمهم في غواياكيل. ولا تكشف الحصيلة الرسمية سوى عن جزء من المأساة، إذ ازداد عدد الوفيات في أول أسبوعين من شهر أبريل، ثلاثة أضعاف المتوسط الشهري، لتبلغ 6700 في مقاطعة غاياس وعاصمتها.

ويشمل هذا الرقم الوفيات والحالات المشتبه بإصابتها بفيروس كورونا المستجد بالإضافة إلى أمراض أخرى. وأقر رئيس الإكوادور لينين مورينو بأن «السجلات لا تعكس سوى جزء فقط» من الواقع، وهذا ما عززته رواية الممرض.

وعند امتلاء المشرحة، تحضر شاحنات مبردة إلى المشفى لوضع الجثث فيها، حيث يبقى بعضها لمدة عشرة أيام، ملفوفة في أكياس مثل أغطية حماية الملابس السوداء». ويمزق الأقارب، أحيانا، الغطاء وتخرج منه السوائل. إنها كارثة صحية!».

تسرب عام
عند إعلان حال الطوارئ القصوى «فر الجميع. انتقل الموظفون الإداريون إلى مكان آمن. وفر المعالجون النفسيون الذين كان يتوجب عليهم أن يعملوا، و32 طبيب أسنان كان بإمكانهم المساعدة وتسلم السجلات، والتحقق من الأدوية» كذلك.

ويجد الممرض العزاء، نوعا ما، في انخفاض عدد الوفيات الأسبوع الماضي لكن العذاب يرافقه إلى منزله حيث «أكثر ما أفكر فيه هو أن أكون مريضاً وأن أدرك أني قد أصبت مريضا بالعدوى». وعند عودته إلى المنزل، بعد 24 ساعة من العمل، ما إن يحاول إراحة ساقيه حتى يستيقظ فجأة على وقع «الكابوس» نفسه حيث يرى نفسه يركض و«يفتح باب الحمام الذي يضم كل الجثث»، دون أن يتمكن من معاودة النوم.

كما انقلبت حياته العائلية رأساً على عقب، فلم يعد بإمكانه مشاركة أي شيء مع والديه وأخيه. ويخضع لعزل صارم يضطره لتعقيم سيارته وحذائه كل يوم. ثم يستحم وينهي طقوسه اليومية بغسل ملابسه بالماء الساخن. ويوضح «أتناول طعامي بعيداً عنهم على طاولة بلاستيكية، وأرتدي الكمامة لدى مغادرتي غرفتي، لا أستطيع تقبيل أحد ولا حتى حيواناتنا الأليفة».

ويفكر أحيانا في الآثار التي سيتركها في نفسه هذا الوباء. ويشعر بالاستياء عندما لا يتمكن «سوى من وصل المريض بأنبوب، رغم علمي أنه يحتاج إلى جهاز تنفس وأنه لا يوجد خيار آخر»، كحال مرضى السكري أو ارتفاع الضغط.، ويضيف بحرقة «ماذا لو كانت أمي؟ لو كان والدي؟ إن هذا يقتلني، يقتلني نفسياً».

كلمات مفتاحية

المزيد من بوابة الوسط