كابوس «كورونا».. كيف دخل العالم في وضع كارثي خلال 3 أشهر من ظهور الفيروس (تسلسل بالتاريخ)

رجل يضع كمامة حماية يعبر أمام رسم جداري في طوكيو، 7 أبريل 2020 (فرانس برس)

ثلاثة أشهر انقضت منذ ورود أول الشكوك حول ظهور فيروس جديد من سلالة فيروسات «كورونا» في الصين، لكن هذه الفترة كانت كافية لإغراق العالم بأسره في وضع كارثي أشبه بسيناريو فيلم رعب، فقد حل الذعر في كل مكان، وتوفي أكثر من 75 ألف شخص، فيما بات نحو 4 مليارات شخص قيد الحجر المنزلي.

وبحسب تقرير لوكالة «فرانس برس»، فإنه مع ظهور فيروس «كورونا المستجد»، يخوض العالم «حرباً» من نوع جديد تقوم بها الطواقم الطبية على خطوط الجبهة، وهو ما جعل العالم يستذكر أحلك لحظات تاريخه.

وشبهت الملكة إليزابيث الثانية، الوباء بالقصف النازي على المملكة المتحدة إبان الحرب العالمية الثانية، بينما حذرت السلطات الأميركية من «11 سبتمبر» جديد.

«كورونا» عدو البشرية
وانتشر الفيروس الذي وصفته منظمة الصحة العالمية بـ«عدو البشرية» بسرعة إلى أن بلغ عدد المصابين نحو 1.3 مليون شخص، وهو رقم لا يعكس بالتأكيد عدد الإصابات الفعلية لعدم إجراء فحوص منهجية لكشف الإصابات.

وكان للوباء تبعات هائلة، لا سيما على الاقتصاد، حملت الحكومات على إقرار خطط بآلاف مليارات الدولارات لمساعدة شعوبها على مواجهة الركود الكبير المنتظر.

البؤرة الأولى للفيروس
ظهر «كورونا» أو الالتهاب الرئوي الغامض في أواخر 2019 في ووهان بوسط الصين، ويعتقد أنه بدأ لدى الخفافيش، ويرجح باحثون صينيون أن يكون انتقل إلى الإنسان من خلال البنغول، وهو حيوان حرشفي آكل للنمل من الثدييات.

وأفادت السلطات الصينية بإصابة 59 شخصاً بالمرض خلال ديسمبر، بينهم العديد من العاملين في سوق بالجملة تباع فيها حيوانات حية بهدف استهلاكها.

وفي 8 يناير 2020، اعتبرت منظمة الصحة العالمية أن هذه الحالات قد تكون ناجمة عن فيروس جديد من سلالة فيروسات «كورونا». وفي 11 من الشهر ذاته، أفادت الصين رسمياً عن أول وفاة.

وباء سارس
وأعاد هذا المرض الجديد الذي يمكن أن تتأتى عنه اضطرابات تنفسية خطيرة، إلى الأذهان ذكرى وباء سارس أو متلازمة التهاب الجهاز التنفسي الحاد الذي نجم عن فيروس «كورونا» أيضاً وضرب بشدة الصين القارية وهونغ كونغ في 2002-2003 متسبباً بنحو 800 وفاة في نحو ثلاثين بلداً.

ومع تسجيل أولى الوفيات في الصين وبدء انتشار المرض خارجها، تم التعريف عن المرض الجديد على أنه يشبه الإنفلونزا ويشكل خطراً بشكل أساسي على الأشخاص المسنين أو الذين يعانون وضعاً صحياً هشاً.

وقلل البعض من خطورته في بادئ الأمر، مثل الرئيس البرازيلي غايير بولسونارو الذي تحدث عن «إنفلونزا طفيفة»، قبل أن يبدل موقفه ويعتبر المرض «أكبر تحدٍ يواجهه جيلنا».

وأعلن الرئيس الصيني شي جينبينغ «الوباء شيطاناً، لن نسمح للشيطان بأن يبقى مختبئاً».

مقاطعة معزولة عن العالم
سعياً منها لوقف انتشار الوباء، عمدت السلطات الصينية إلى وسائل جذرية، ففرضت حجراً لم يكن الغرب يتصور أن يعمد إليه يوماً، استهدف مدينة ووهان في بادئ الأمر، ثم اتسع في 25 يناير ليشمل كامل محافظة هوباي، عازلاً سكانها الـ56 مليوناً تماماً عن العالم.

وباتت شوارع المحافظة مقفرة وأُقيمت حواجز على الطرق لمنع الناس من الخروج من منازلهم، وتم تشييد مستشفيات ضخمة فيها خلال أيام قليلة.

في نهاية يناير، أعلنت منظمة الصحة العالمية وضعاً دولياً طارئاً دون أن تدعو إلى الحد من السفر؛ غير أن شركات الطيران الدولية خفضت رحلاتها إلى الصين القارية، كما علقت شركات أجنبية كثيرة عملها في البلد.

وكانت تلك بداية انهيار قطاع السياحة العالمية الذي يوظف أكثر من 300 مليون شخص ويمثل 10 % من إجمالي الناتج القومي العالمي.

السياحة تتحول إلى كابوس
وتحولت عطلة عديد السياح في العالم إلى كابوس حقيقي، لا سيما بالنسبة لآلاف الركاب الذين علقوا على متن سفن رحلات ظهر الفيروس بين ركابها، ومنها خصوصاً سفينة قبالة سواحل طوكيو سجلت أكثر من 700 إصابة.

في مطلع أبريل، كان الاتحاد الأوروبي أعاد 350 ألف سائح أوروبي إلى بلدانهم، فيما بقي نحو 250 ألف شخص عالقين في دول أخرى.

في الصين، كان للفيروس وقع الصدمة على المجتمع. وعند وفاة الطبيب لي وينليانغ في ووهان، عمت شبكات التواصل الاجتماعي موجة غضب نادرة تجاه السلطات، إذ كان طبيب العيون البالغ عمره 34 عاماً نبه مع سبعة أشخاص آخرين منذ نهاية ديسمبر من الفيروس الجديد، غير أن السلطات اتهمتهم جميعاً ببث شائعات.

وإن كان الفيروس لا يزال محاطاً بالكثير من الأسئلة التي لم تلقَ أجوبة، فإن المرض المتأتي عنه بات له اسم هو «كوفيد-19».

كيف انتشر وباء «كورونا» سريعاً
في منتصف فبراير، أُعلنت أول وفاة خارج آسيا، وتحديداً في فرنسا. وبدأ الاقتصاد العالمي يهتز، فأُعلن إلغاء عدد متزايد من اللقاءات الدولية والمسابقات الرياضية.

وفي 24 مارس، قررت اللجنة الأولمبية الدولية تأجيل دورة «الألعاب الأولمبية» المقررة في طوكيو خلال الصيف إلى 2021، ما شكل سابقة في زمن السلم.

وفي أواخر فبراير، تسارعت وتيرة الإصابات في إيطاليا وكوريا الجنوبية وإيران. أما في الصين، فاعتبرت السلطات أن الوباء بلغ ذروته على أرضها. وفي 6 مارس، تخطت حصيلة الإصابات في العالم عتبة المئة ألف.

تعبئة عالمية
وكانت إيطاليا التي ضربها الوباء بشدة بالغة، أول بلد بعد الصين يفرض تدابير حجر صارمة على مواطنيه، ما حول مدناً مثل فينيسيا وروما وفيرنزي تغص عادة بالسياح، إلى مدن أشباح.

وروى أطباء إيطاليون أنهم مضطرون، أمام تدفق أعداد المرضى إلى المستشفيات، إلى اختيار المصابين الذين سيعالجونهم «بموجب العمر والوضع الصحي، كما في حالات الحرب»، ما أثار صدمة عميقة في إيطاليا.

من مرض إلى جائحة
في 11 مارس، وصفت منظمة الصحة العالمية «كوفيد-19» بأنه «جائحة»، مطلقة تعبئة عالمية لمكافحته.

وبدأت الولايات المتحدة تغلق حدودها أمام المسافرين الأجانب القادمين من أوروبا.

وشهدت الأسواق العالمية انهيارات تاريخية، وأعلنت الحكومات والمصارف المركزية تدابير ضخمة لدعم الاقتصاد.

وعمت العالم مشاهد مستهلكين مذعورين يهرعون إلى محال السوبرماركت ويتسابقون على البضائع، ووصل الأمر أحياناً إلى حد الاشتباك بالأيدي حول علبة معكرونة أو رزمة من ورق المراحيض.

4 مليارات من سكان العالم في الحجر المنزلي
مع إعلان منظمة الصحة العالمية أوروبا «البؤرة» الجديدة للوباء، فرضت إسبانيا وفرنسا وأخيراً المملكة المتحدة بدورها الحجر المنزلي خلال مارس.

وتداخلت صور مستشفيات اُستُنفدت طاقاتها يتكدس المرضى في أروقتها، مع مشاهد سريالية لمدن كبرى في العالم باتت مقفرة وصامتة.

ومع حلول شهر أبريل، كان أربعة مليارات نسمة يمثلون أكثر من نصف البشرية مدعوين أو ملزمين بالبقاء في منازلهم. وتتالت قرارات حظر التجول وإعلان حال الطوارئ، ما أثار مخاوف بشأن احترام دولة القانون.

وبقي أكثر من ثلث الأسطول العالمي من الطائرات مسمراً على مدارج المطارات، وتعمم إغلاق المدارس والجامعات فيما بات العمل من المنازل هو السائد.

وانتشر وسم «#ابقَ في المنزل» بسائر اللغات على الشبكات الاجتماعية، فيما لجأ إليها العاملون الطبيون للإعراب عن إحباطهم.

تحية الطواقم الطبية المواجهة للفيروس
وعم العالم تقليد جديد، إذ أخذ الناس المحتجزون في منازلهم يطلون في المساء من نوافذهم وشرفاتهم ليصفقوا للطواقم الطبية تعبيراً عن امتنانهم لهم.

في مدريد، تم تحويل ميدان للتزلج على الجليد إلى مشرحة ضخمة لجثث ضحايا «كوفيد-19»، وفي نيويورك أُقيم مستشفى ميداني في متنزه سنترال بارك. غير أن السلطات واجهات صعوبات في فرض القيود على التنقلات في الأحياء الأكثر فقراً واكتظاظاً من العالم.

ولجأت قوات الأمن في بعض الدول الأفريقية إلى استخدام الأسواط وإطلاق النار لتفريق التجمعات، حسب الوكالة الفرنسية.

ويهدد الوباء بالتسبب بكارثة لملايين اللاجئين، لا سيما في مخيم الهول في سورية، حيث يتكدس 68 ألف شخص من نازحين وأفراد عائلات مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية في أقل من كيلومترين مربعين.

نقص في المواد الطبية
تواجه معظم الدول نقصاً حاداً في الكمامات الطبية وغيرها من معدات الحماية، ما يشكل خطراً بالمقام الأول على الطواقم الطبية. وإزاء هذه الأزمة العالمية، تجري منافسة شرسة بين الدول للحصول على هذه اللوازم الثمينة، تصل إلى حد سرقة شحنات وتحويل وجهتها.

إلى ذلك، تسود مخاوف في العديد من الدول حيال استنفاد طاقات المستشفيات على استقبال مرضى في أقسام الإنعاش، فضلاً عن نقص الأدوية والطواقم الطبية.

وفيما حصرت معظم الدول فحوص كشف الإصابة بالفيروس بالمرضى في حال الخطر، عمدت كوريا الجنوبية وألمانيا وسنغافورة إلى إجراء فحوص على نطاق واسع، ما مكنها من تفادي فرض تدابير حجر منزلي صارمة.

وترافقت هذه الاستراتيجية في كوريا الجنوبية مع اعتماد نظام تكنولوجي لتقفي أثر مواطنيها يصعب اعتماده في الدول الأكثر تمسكاً بحماية الحياة الخاصة.

محاولات الوصول إلى علاج
وفي هذه الأثناء، يدور سباق في أوروبا والولايات المتحدة بين كبرى مجموعات الأدوية للتوصل إلى لقاح وعلاج للوباء.

وتختبر دول عدة دواءً مشتقاً من الكلوروكين، وهي مادة مستخدمة لمعالجة الملاريا، غير أن لها آثاراً جانبية كثيرة. ويثير استخدام هذا الدواء سجالاً نظراً إلى قلة الدراسات التي جرت حوله وفق المعايير العلمية المرعية.

الوباء يصيب مجهولين ومشاهير
إذا كانت الغالبية العظمى من المصابين بوباء «كوفيد-19» لا تظهر عليهم سوى أعراض طفيفة، إلا أن المرض يمكن أن يتسبب بإصابات رئوية خطيرة، بما في ذلك لدى مرضى شباب.

وبعدما كان الجميع يعتقد بأن الأطفال بمأمن من أعراض المرض الحرجة، أثارت حالات وفاة نادرة طالت قاصرين وطفلا عمره خمس سنوات ورضيعين تأثراً بالغاً في أوروبا والولايات المتحدة.

وكان وقع الوباء شديداً على دور العجزة حيث تتعاقب الوفيات. وأودى الوباء بشخصيات شهيرة في العالم مثل عازف الجاز الأميركي مانو ديبانغو.

ومن المصابين رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون الذي واصل إدارة شؤون البلد في الحجر الصحي في داونينغ ستريت، قبل أن ينقل إلى المستشفى حيث هو حاليا في العناية الفائقة، وكذلك الممثل الأميركي توم هانكس الذي تعافى الآن.

أسوأ أزمة منذ 1945
وصفت الأمم المتحدة الوباء العالمي بأنه أسوأ أزمة تواجهها البشرية منذ 1945، يقترن فيها «مرض خطير» بشبح «ركود غير مسبوق في الماضي القريب».

وفي وقت بدأت محافظة هوباي وعاصمتها ووهان تخرجان من العزلة، أحصت إيطاليا أكثر من 15 ألف وفاة حتى مطلع أبريل، ما يجعل منها البلد الأكثر تأثراً جراء الوباء.

تأثير الفيروس على أميركا
وفي الولايات المتحدة، أعلن الرئيس دونالد ترامب أنه «في حرب ضد الفيروس الصيني»، وضمت بلاده أكثر من ربع الإصابات في العالم وسط استعدادات لمواجهة الأسوأ.

وبات الاقتصاد الأميركي على شفير الهاوية في وقت خسر أكثر من 700 ألف أميركي وظائفهم في مارس. وحذر مسؤول كبير في أجهزة الصحة الأميركية بأن «الأسبوع المقبل سيكون أشبه بلحظة بيرل هاربور، بلحظة 11 سبتمبر (...) في جميع أنحاء البلد».

ويتساءل العالم حالياً حول مرحلة ما بعد الحجر المنزلي، فهل ثمة خطر بحصول موجة إصابات جديدة بعد رفع القيود المفروضة؟ وما هو الأثر الذي سيتركه الوباء على الديمقراطيات والنهج التعددي في الدول.

المزيد من بوابة الوسط