البشرية تحشد قواها في حرب «كورونا»: أميركا تتأهب والصين تكرم ضحاياها وعزل صارم حول العالم لنصف سكان الأرض

الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس. (أرشيفية: الإنترنت)

لم تعد السماء تتسع للطائرات حول العالم، ولم يعد سكان الأرض يتمسكون بعاداتهم الاجتماعية التي ظلوا يمارسونها طيلة آلاف السنين.. هذا ما تخبرنا به المواجهة العالمية مع فيروس «كورونا المستجد». ذلك الكائن غير المرئي الذي يستنفر طاقات شعوب، وإمكانات جيوش، ويزلزل اقتصادات الكرة الأرضية مجتمعة. مشاهد حرب تدل عليها آثارها، حتى وإن اختفى باعثها الأول: فيروس «كورونا».

وبينما تواصل الدول المواجهة نظمت الصين، اليوم السبت، وقفة تأمل وطنية لثلاث دقائق تكريمًا لذكرى 3326 شخصًا راحوا ضحية فيروس «كورونا المستجد» في البلاد، بينما أوصت الحكومة الأميركية السكان بتغطية وجوههم في الشوارع لإبطاء انتشار الوباء في الولايات المتحدة حيث سجل مجددًا عددًا قياسيًّا محزنًا من الوفيات خلال 24 ساعة.

تكريم وتنكيس أعلام

وعند الساعة العاشرة (02.00 بتوقيت غرينتش)، دوت الصافرات في أنحاء الصين التي تضم أكبر عدد من السكان في العالم ونُكِّست الأعلام فيها، وفق «فرانس برس».

وفي مدينة ووهان (وسط) البالغ عدد سكانها 11 مليون نسمة وظهر فيها الفيروس، تجمع موظفون يعملون في الحقل الطبي لإحياء ذكرى الضحايا، بينما اجتمع الرئيس شي جينبينغ مع القادة الشيوعيين الرئيسيين الآخرين في المجمع الضخم في بكين الذي يضم مقر السلطة، وفقًا لصور بثها التلفزيون الوطني.

الأميركيون يستعدون للأسوأ

من جهتهم، وبعد وفاة 1480 شخصًا في يوم واحد في أكبر حصيلة يومية تسجل في بلد واحد، يستعد الأميركيون للأسوأ ويبنون مستشفيات ميدانية في لوس أنجليس وميامي، بآلاف الأسرَّة الإضافية المخصصة للإنعاش.

وقد دعاهم الرئيس دونالد ترامب بنفسه، الجمعة، إلى تغطية وجوههم في الخارج، مع أنه شدد في الوقت نفسه على أن ذلك «مجرد توصية» لن يتبعها.

من جهته، تحدث مدير معهد الأمراض المعدية أنطوني فاوتشي العضو في خلية الأزمة في البيت الأبيض، عن معطيات تشير إلى أن «الفيروس يمكن في الواقع أن ينتقل عندما يتبادل الناس الحديث فقط، وليس عند السعال او العطاس فقط».

لكن منظمة الصحة العالمية بدت حذرة في هذا الشأن.

وقال البيت الأبيض إن «كوفيد-19» تسبب بوفاة نحو 7400 شخص في الولايات المتحدة، ويمكن أن يودي بحياة ما بين مئة ألف و240 ألفًا. أما عدد الإصابات فيبلغ نحو 277 ألفًا.

الصورة قاتمة في بريطانيا أيضًا، حيث دشن في لندن الجمعة مستشفى ميداني شاسع يستطيع استيعاب أربعة آلاف سرير بينما يبدو التهديد خطيرا إلى درجة أن الملكة إليزابيث الثانية ستلقي كلمة نادرة الأحد.

وسجل عدد قياسي من الوفيات في 24 ساعة بلغ 684 في بريطانيا التي تواجه حكومتها انتقادات لإدارتها للأزمة. وبذلك ارتفعت حصيلة الوفيات إلى أكثر من 3600.

وأسفر الوباء عن وفاة أكثر من أربعين ألف شخص في أوروبا، ثلاثة أرباعهم في إيطاليا وإسبانيا وفرنسا، حسب حصيلة وضعتها وكالة «فرانس برس» الجمعة. والأمل الوحيد هو تباطؤ انتشار المرض بعد أسابيع من إجراءات عزل عامة.

وكتب الممرض الإيطالي باولو ميراندا الذي يدون على حسابه على «إنستغرام» يوميات مكافحة الوباء في مستشفى كريمونا (شمال) «بدأنا نرى بصيص نور في نهاية النفق».

تباطؤ

يستمر انتشار الفيروس الذي أسفر عن وفاة 14 ألفًا و700 شخص في إيطاليا البلد الذي سجل فيه أكبر عدد من الوفيات، لكنه يؤكد تباطؤه الذي بدأ قبل أربعة أسابيع تقريبًا، إذ لم تتجاوز نسبة ارتفاع عدد الإصابات 4%.

في إسبانيا أيضًا ثاني بلد في عدد الوفيات بعد إيطاليا، ارتفع عدد الوفيات خلال 24 ساعة مجددًا أكثر من 900 لتبلغ الحصيلة الإجمالية 11 ألفًا ومئتي وفاة. تتركز الآمال أيضًا على تباطؤ العدوى وتراجع عدد الذين يدخلون إلى المستشفيات.

وهذا ما أوحت به المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل التي نجحت بلادها في تجنب ارتفاع كبير في الوفيات حتى الآن. فقد صرحت، الجمعة، بأن «الأرقام الأخيرة  (...) مع أنها كبيرة، لكنها تثير بعض الأمل بحذر».

وتؤكد السلطات الصحية ضرورة الإبقاء على إجراءات العزل.

وفي فرنسا استأنفت الحصيلة اليومية للوفيات الارتفاع ليبلغ العدد الجمعة 588 في المستشفيات، مقابل عدد إجمالي يبلغ أكثر من 6500، بما في ذلك تلك التي سجلت في دور للمسنين.

وبات نصف البشرية تخضع لإجراءات عزل صارمة جدًّا في بعض المناطق مع عواقب اقتصادية واجتماعية كارثية في بعض الأحيان.

تعزيزات وتحذير أممي

وعززت تركيا الجمعة القيود المفروضة على التنقلات الجمعة وأغلقت نحو ثلاثين مدينة بينها إسطنبول وأنقرة أمام حركة السيارات لـ15 يومًا. كما وسعت العزل الفروض على الذين تجاوزا الخامسة والستين، ليشمل صغار السن.

وسجلت إصابة واحدة أولى في جزر المالوين الأرض البريطانية الواقعة في جنوب المحيط الأطلسي.

وتفيد حصيلة أعدتها «فرانس برس» أن أكثر من مليون شخص في العالم ثبتت إصابتهم بفيروس «كورونا المستجد» لكنهم لا يشكلون سوى جزء من العدد الفعلي للمرضى إذ إن الكثير من الدول لا تجري فحوص كشف المرض سوى للحالات الخطيرة.

وتبقى أوروبا، حيث توفي أكثر من 57 ألف شخص، الأكثر تضررًا.

في أفريقيا حيث طالب رئيس النيجر محمد يوسفو بـ«خطة مارشال» للقارة ودول أخرى في العالم تعتمد على الاستيراد للحصول على مواد غذائية وعلى التصدير لدفع ثمنها، حذرت الأمم المتحدة من أن مئات الملايين من الأشخاص مهددون بنقص المواد الغذائية.

وأخيرًا، حذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس من أن «الأسوأ لم يأتِ بعد» في الدول التي تشهد نزاعات. وقال إن «عاصفة كوفيد 19 تصل الآن إلى كل ميادين القتال».