تصريح لبوريس جونسون يعيد اسم مارغريت تاتشر إلى الجدل السياسي في بريطانيا

رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون يترأس اجتماعا عبر دائرة فيديو (أرشيفية: أ ف ب)

أشاد رئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، باستجابة المجتمع لأزمة فيروس «كورونا»، مخالفا بذلك المقولة الشهيرة لرئيسة الوزراء المحافظة السابقة مارغريت تاتشر التي قالت: «لا يوجد شيء اسمه المجتمع».

فقد أغدق جونسون الثناء على المجتمع البريطاني بعد أن تداعى نحو 750 ألف شخص إلى تلبية الدعوة للمساعدة في دعم نظام الصحة الوطني ومساعدة كبار السن والفئات الضعيفة من المجتمع التي تلتزم بالعزل الذاتي، وفق «فرانس برس».

وعاد 20 ألفا من الأطباء والممرضات المتقاعدين ومختصي الرعاية الصحية السابقين إلى المساعدة على الخطوط الطبية الأمامية مع انتشار الفيروس.

شيء اسمه المجتمع
وطُلب من طواقم شركات الطائرات مساعدة الطواقم الطبية، وسارعت مجموعات من المجتمع إلى مساعدة الجيران، بينما تمت تعبئة الشركات للقيام بجهد جماعي لم تشهده البلاد منذ الحرب العالمية الثانية.

وقال جونسون: «من الأمور التي أثبتتها أزمة فيروس كورونا أن هناك فعلا شيئا اسمه المجتمع». والأسبوع الماضي أعلن جونسون إصابته بالفيروس وقال إنه يعاني من «أعراض طفيفة».

وأكد في تسجيل فيديو عبر «تويتر» أن الفيروس سيتم التغلب عليه من خلال الجهد الجماعي، مضيفا: «سنتغلب عليه معاً».

«تحول دراماتيكي»
أطلقت تاتشر تصريحها الشهير في ذروة سلطتها التي استمرت 11 عاما والتي أحدثت تحولا في بريطانيا بعد أن أدت الاضطرابات الصناعية التي شلت البلاد في السبعينات إلى الإطاحة بأسلافها العماليين.

وقالت في مقابلة لمجلة في 1987: «لا يوجد شيء اسمه المجتمع... هناك أفراد من رجال ونساء، وهناك عائلات». وفسر أنصارها ذلك التصريح بأنه دفاع عن الفردية في السوق الحرة وانتقاد للاعتماد المفرط على الدولة.

قسوة المحافظين
لكن المعارضين، لا سيما الليبراليين واليساريين، استغلوا ذلك كدليل على قسوة المحافظين، ونقص التراحم، والأنانية في الوقت الذي كانت ترتفع فيه معدلات البطالة ويتغير فيه المجتمع.

واتهمت تلك السياسة بأنها أدت إلى توسيع الهوة بين الأغنياء والفقراء، حتى إن رئيس الوزراء العمالي السابق، توني بلير، قال إنها أدت أيضاً إلى «الانعزالية والعزلة» على الساحة العالمية.

حتى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يُنظر إليه على أنه جزء من اتجاه عالمي للابتعاد عن التعاون الدولي.

دعم غير مسبوق
لكن الدعم غير المسبوق الذي قدمته الحكومة للشركات والأفراد الذين تضرروا من أزمة فيروس «كورونا»، أعاد تسليط الأضواء على العلاقة بين الناس والحكومة. وقال جونسون الأسبوع الماضي: «لم يسبق في تاريخنا أن أحاطت الحكومة الناس بذراعيها كما تفعل الآن لمساعدتهم على تخطي هذه الأوقات».

ويعتبر هذا التحول دراماتيكيا بشكل خاص، لأنه يأتي بعد أشهر من وصف المحافظين أجندة حزب العمال الاشتراكية بأنها «طائشة» وتعتبر تهديدا للاقتصاد.

«دولة كبيرة»
ولكن هل يعني ذلك أن جونسون يؤذن بتغيير جذري في سياسة حزب المحافظين؟ تختلف الآراء في ذلك.

قال أستاذ التاريخ ريتشارد فينن من جامعة «كينغز كوليدج لندن»، إن رئيس الوزراء استخدم عن دراية اقتباساً مشهوراً «تم أخذه عمدا خارج السياق» على مر السنين.

وصرح فينن، مؤلف كتاب «بريطانيا تاتشر»: «الدولة الكبيرة هو بالتأكيد ابتعاد عن إرث تاتشر». وقال: «لكن تاتشر استخدمت الدولة في أوقات معينة»، مشيرا إلى تشكيلها «وزارة حرب» خلال نزاع جزر فوكلاند مع الأرجنتين العام 1982.

ورأى المحاضر السياسي بن ويليامز، من جامعة سالفورد، إن أزمة «كوفيد-19» أعطت جونسون «الفرصة لإعادة تشكيل موقف المحافظين تجاه المجتمع» وإعادة صياغته بشكل حاسم.

عواقب طويلة المدى
وكتب ويليامز على موقع «كونفيرزيشن» أنه يبدو أن جونسون «يدرك أن هذه الأزمة هي فرصة لكي ينقي صورة حزبه رسميا من الجزء الأكثر سلبية من إرث تاتشر».

ولكن رغم كل التركيز على الكفاح الجماعي، قال فينن إن الإجراءات الاقتصادية الاستثنائية من المرجح أن تكون لها «عواقب طويلة المدى ومعقدة» لسنوات مقبلة.

وقد ألمح وزير المالية، ريشي سوناك، بالفعل إلى أن زيادة الضرائب قد تعوض هذا التدخل الحكومي، وهو ما أثار مخاوف من أن عامة الشعب الذين يحصلون على الإشادة الآن سيدفعون ثمنها في المستقبل.